13-05-2017 التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

واشنطن، 13/ ايار – مايو/‏ 2017 

المقدمة    

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6-portrait-e1374407891449

     اتسم المشهد السياسي الاميركي بتطورات متسارعة ومتضاربة احيانا، في البعدين الداخلي والخارجي.

     زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حظيت باهتمام كبير في ظل مناخ التصعيد والعودة لاجواء الحرب الباردة، واعلان الرئيس ترامب عن لقائه بالزائر الروسي مبكرا لتبديد اعتراضات خصومه ونقل السردية السياسية لما بعد مرحلة الحلول الدولية.

     في البعد الداخلي، اصيبت المؤسسة الحاكمة بهزة معنوية لاقالة الرئيس ترامب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، جيمس كومي، بطريقة مهينة، رغن ان القرار يقع ضمن صلاحيات الرئيس.

     سوريا لا تزال هدفا اميركيا للسيطرة عليها منذ منتصف القرن الماضي. التحول الميداني الاميركي بعيدا عن انقرة ودعم “وحدات الحماية الشعبية” الكردية بالسلاح والعتاد مباشرة ادخل عنصرا اضافيا على ديناميات الاحداث، واستدارة تركيا بعيدا بعض الشيء عن حليفتها اميركا. قرار تسليح الاكراد اعلنه البيت الابيض ابان وجود وفد عسكري تركي رفيع المستوى في واشنطن.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

حلف الناتو

       تعزيز وتوسيع الدول المنضوية تحت لواء حلف الناتو كان محور مؤسسة هاريتاج الذي “ندين له بالعمل الدؤوب لنشر الديموقراطية وبسط الاستقرار والأمن في منطقة اوروبا الاطلسية، اكثر من اي منظمة أخرى، بما فيها الاتحاد الاوروبي.” واوضح ان تحقيق ذلك “تم باغراء الدول الاخرى للانضمام ودخول العضوية.” وحذرت المؤسسة من اساءة تفسير المراقبين لانضمام جمهورية الجبل الاسود للناتو على انها “خاتمة مسار توسيع (الحلف)، بل خطأً كبيراً.” واختتم بالقول ان “المصلحة الوطنية الاميركية تقتضي ابقاء بوابة الحلف مفتوحة لانضمام دول اوروبية تستحق ذلك.”

http://www.heritage.org/global-politics/report/brussels-mini-summit-keeping-nato-enlargement-the-table

روسيا

     تثابر المؤسسة الاميركية بكافة اطيافها تصويب الانظار على الدور المتصاعد لروسيا، وصف معهد كارنيغي “التطور العسكري الروسي أمراً خطيراً لا سيما وانه من المرجح ان تزيد وتيرة انخراطها في سوريا،” مناشدا قادة الغرب العسكريين “اخذ ذلك البعد في عين الاعتبار .. والذين يتعين عليهم التعامل مع ارث جيلٍ فقد مهارات المناورة العسكرية في ساحات متنازع عليها – براً وجواً وبحراً وفي الفضاء الالكتروني.” والواضح انه “ضروري الآن الاعداد التام للمواجهة بقدرات جديدة جربتها روسيا في اوكرانيا وسوريا .. شملت تعزيز دور انخراط القوات الخاصة، والمواجهة غير المباشرة، ونشاطات المعلومات في الفضاء وسلاح الجو، وكذلك لما يسمى اساليب غير عسكرية.”

http://carnegieendowment.org/2017/05/03/assessing-russia-s-reorganized-and-rearmed-military-pub-69853

سوريا

     استعرض معهد ابحاث السياسة الخارجية آفاق الاهداف التي “ترمي اليها روسيا من انخراطها في سوريا .. التي يمكن تلخيصها بالحفاظ على نظام صديق لروسيا، توجيه ضربة لما تراه بأنه ارهاب سني، وانهاء مسار ما تعتقده مخطط اميركي لتغيير الانظمة الصديقة لروسيا.” واستدرك بالقول ان تلك الاهداف “لم تتعارض اساساً مع الاهداف الاميركية في عهد ادارة ترامب؛ حتى ادارة اوباما .. ارسلت في نهاية ولايتها اشارات تعرب فيها عن نيتها دراسة تحقيق حقبة انتقالية مطولة ..” واوضح ان خفض ادارة ترامب للاولويات في سوريا اذ اضحت “الحاق الهزيمة بتنظيم داعش وطغيانه على كل الاهداف الاخرى في سوريا، بما فيها انجاز انتخابات حرة تتسق مع خطة الأمم المتحدة الانتقالية.” واختتم بالقول “يبدو انه لاحت فرصة للاتفاق في سوريا تلبي الحد الادنى من النتائج لكلا الطرفين، الولايات المتحدة وروسيا.”

http://www.fpri.org/2017/05/russia-wants-syria/

العراق

     الانجازات الميدانية في العراق ضد داعش اضحت مصدر قلق للمؤسسة الاميركية، وحذر معهد كارنيغي من دور “قوات الحشد الشعبي التي كانت في قلب هذه المعركة الكبرى لكسب الدعم داخل صفوف الشيعة المنقسمين. اذ من شأن الطرف الرابح في هذه المعركة التحكم بمفاصل السلطة التنفيذية في العراق.” واضاف ان رئيس الوزراء حيدر العبادي “سيسعى لتسخير انتصارات القوات العسكرية العراقية داخل الموصل لاعلاء مكانته كقائد أعلى .. كما ان (مقتدى) الصدر سيعمل على استغلال مطالب الشيعة المتنامية ضد الفساد وفشل آليات الحكم والمطالبة بالتغيير بعيدا عن مجموعة الاشخاص الموالين (لنوري) المالكي المتمسكين بحكم العراق، رسميا او غير ذلك، منذ عام 2003.”

http://carnegie-mec.org/2017/04/28/popular-mobilization-forces-and-iraq-s-future-pub-68810

قطر

     لفت المجلس الاميركي للسياسة الخارجية الانظار الى التحولات الداخلية لحركة حماس التي تقف الآن على عتبة عودة سياسية “بفضل دور قطر في دعمها بعدما اضحت الملاذ السياسي الآمن الابرز وشريان اقتصادي حيوي لها .. وقاعدة تحركها منذ عام 2012.” واوضح ان “الهبات القطرية السخية لحماس وإمارتها في قطاع غزة تنطوي على قدر كبير من النفوذ الاستراتيجي .. واقناع حماس بتعديل خطابها.” وشدد على ان امارة قطر “التي مهدت الارضية لعودة لحماس تؤيدها بقوة لممارسة نشاط سياسي وعهد جديد، ليس الا.”

http://www.afpc.org/publication_listings/viewArticle/3509

تركيا

     قرار الرئيس ترامب تسليح الاكراد مباشرة اثار جدلا داخليا نظرا لطغيان وترابط المصالح الاميركية التركية. ولفت مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الانظار الى ان “استدارة” ترامب سبقتها “قرارات الرئيس اوباما، عام 2014، تسليح الاكراد بالانزال الجوي على الرغم من اعتراضات اردوغان القوية لتسليح وحدات الحماية الشعبية الكردية .. طمعا في انخراطها الميداني لمحاربة داعش في عين العرب – كوباني.” واوضح انه “منذئذ عززت الولايات المتحدة دعمها بارسالها وحدات من القوات الخاصة بغية تدريب وتقديم الاستشارة لعناصر تنظيم الاكراد، وتسليحهم بأسلحة خفيفة وشرعت مؤخرا في تسيير دوريات مشتركة على الحدود التركية – السورية للحيلولة دون وقوع اشتباكات بين القوات التركية ووحدات الحماية الشعبية، بعد الغارة الجوية التركية على مواقع الاخيرة في 25 نيسان / ابريل” الماضي.

https://www.csis.org/analysis/trump-decides-arm-syrian-kurds-over-erdogans-objections

     استشعر معهد كارنيغي تنامي الفجوة والابتعاد بين تركيا واوروبا معتبرا ان “المسؤولية مشتركة لهذا الفشل التاريخي.” وقال “ينبغي علينا ان نشكر الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي لاعتراضه على انضمام الشعب التركي للاتحاد الاوروبي .. واستغل المسألة كورقة رابحة لترويج أجندته الشعبوية داخليا. بل استطاع بمفرده تشكيل عقبة امام عدة مسائل حرجة في مسار المفاوضات.” واضاف ان القرار الاوروبي “بقبول عضوية قبرص (اليونانية) في الاتحاد كان خطأً استراتيجياً .. أسهم بدوره في تضعضع الثقة.” كما أن مسؤولية تركيا لا تقل عن نظرائها الاوروبيين عند الاخذ بعين الاعتبار توتير الحكومة التركية الاجواء “والابطاء في تحقيق الاصلاحات السياسية وتنامي المسلك اللاليبرالي لحكومة انقرة لتسريع لحظة الحساب.”

http://carnegieeurope.eu/2017/04/30/how-turkey-and-europe-lost-that-loving-feeling-pub-69814  

التحليل: تهدئة حذرة بين موسكو وواشنطن

لا تبدد مخاطر العدوان الاميركي على سوريا

انقسام في القرار السياسي    

        رحّب الرئيس ترامب، مطلع الشهر الجاري، باقتراح نظيره الروسي انشاء “مناطق تخفيض التصعيد” باعتبارها “مناطق آمنة” في سوريا، خلال مكالمة هاتفية بينهما؛ أُتبِعت بزيارة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، لواشنطن ولقائه مع الرئيس ترامب ونظيره الاميركي ريكس تيرسون.

        تراهن روسيا، وفق المراقبين الاميركيين، على نجاح مبادرتها في سوريا لتشكيل منصة لاطلاق مسار الحل السياسي بوتيرة أعلى، تعززها الانتصارات الميدانية للدولة السورية وحلفائها على المجموعات الارهابية وداعميها.

        وزير الدفاع الاميركي جيمس ماتيس، من ناحيته، عبر عن “حذره” من الاقتراح الروسي، الذي اثمر اتفاقيات آستانا بحضور اميركي “كمراقب؛” اسفر عن اتفاق له ما بعده، من تحول في مركز الثقل في الشأن السوري من “واشنطن وجنيف الى الشرق باتجاه موسكو.”

ما يقلق المؤسسة العسكرية الاميركية ايضا ان روسيا في عهد بوتين أتقنت فناً من “فنون الحرب – عنصر المفاجأة” والمبادرة، منذ دخول الاخير بقوة في سوريا نهاية ايلول / سبتمبر 2015. انتزعت موسكو المبادرة ليس في سوريا فحسب، بل اضحت عاملا لا يمكن القفز عنه في المعادلات الاقليمية الاخرى.

        “المناطق الآمنة تحقق نجاحاً حين تتضافر الارادة السياسية والقدرات العسكرية” للقوى المعنية، كما اوضحت شهرية فورين أفيرز، في نسختها الالكترونية 11 أيار الجاري؛ مناشدة الرئيس ترامب “تبني رسالة واضحة لطمأنة حلفاء الولايات المتحدة والشعب الاميركي .. ووضع قواعد اشتباك واضحة” في سوريا. واستطردت ان المطلوب سياسياً هو “إعادة صياغة لسياساته نحو سوريا في اطار المهمات والمتطلبات الانسانية.”

        اما السر في لقاء لافروف – ترامب العاجل، يشير اليه بعض المسؤولين في البيت الابيض بأنه دليل على عزم روسيا “حث اميركا على استئناف مسار سياسي يؤدي لتحقيق اتفاق شامل.” ويفند اولئك الجانب المعلن من الزيارة، البحث في “المناطق الآمنة،” لا سيما وانها تندرج تحت اطار التدابير الميدانية التي باستطاعة القيادة العسكرية في البلدين ارساء قواعدها “لتجنب صدامهما المحتمل” فوق الاجواء السورية.

وزير الدفاع ماتيس ترجم قلقه بايفاده رئيس هيئة الاركان الاميركية، جوزيف دانفورد، على رأس وفد عسكري رفيع لزيارة فلسطين المحتلة، لبحث ملفاتسوريا والعراق وايران، مع “وزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان العامة، غادي ايزنكوت، ووزير الأمن افيغدور ليبرمان، وكبار المسؤولين في الجيش الاسرائيلي.”

الوفد الاميركي لم يشأ التعليق او نفي مزاعم “اسرائيل بأنها تشارك بشكل أساسي في الهجوم الاميركي على داعش في سوريا والعراق، من خلال نقل معلومات استخباراتية،” استبق ذلك زيارة وزير الدفاع ماتيس الى المنطقة، بالتزامن مع بدء مناورات عسكرية مشتركة تجري في الاردن والبحث عن آلية “هيكلية أمنية” مندمجة لتلك الدول المشاركة – تعزيز التطبيع من البوابة الأمنية.

اتفاق “مناطق خفض التصعيد – المناطق الآمنة” الاضطراري، بالنسبة لواشنطن، تناقضه جملة من التصريحات والتحركات الميدانية بالاشارة الى رهاناتها على اشعال “الجبهة الجنوبية” السورية انطلاقا من عمق الاراضي الاردنية، بمشاركة فاعلة من الاردن و”اسرائيل” وحلفاء اميركا في الخليج.

عند البحث والتدقيق في طبيعة اتخاذ القرار السياسي الاميركي يبرز بشدة سيطرة المؤسسة العسكرية على المفاصل الاساسية، ليس في زمن ترامب فحسب، بل منذ زمن يمتد على عدة ولايات رئاسية متتالية.

في عام 2008، حذر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ آنذاك، جوزيف بايدن، من سيطرة البنتاغون على القرار السياسي مذكرا زملاءه بأن ميزانية الاخيرة الشاملة تصل لنحو 700 مليار دولار، بينما ميزانية وزارة الخارجية لا تتعدى 29 مليار دولار.

اما مكتب المساءلة الحكومي فقد اوضح في احدث تقرير له ان البنتاغون تنفق نحو مليار دولار سنويا على “العلاقات العامة والدعاية؛” مما يعزز مخاوف المهنيين والديبلوماسيين على السواء من أن “الديبلوماسية الاميركية اضحت أداة طيعة وضعيفة في القرار السياسي منذ عدة عقود خلت.” ويشهد على ذلك ايضا سيل البرقيات المرسلة من سفراء الولايات المتحدة في “باكستان والسعودية” ودول أخرى بأن حضورهم الرسمي مع الوفود الاميركية اضحى هامشيا وتسجيل المحضر ليس الا. اما القرار، وفق برقياتهم المسربة، فهي بيد القادة العسكريين الزائرين والذين “يحجبون عنهم اي تفاصيل حقيقية.”

لمزيد من الاضاءة على تهميش الديبلوماسية في عهد ادارة ترامب، اوكل وزير الخارجية ريكس تيلرسون مهمة “اعادة هيكلة طاقم الوزارة،” وتحقيق تخفيض بنسبة 27% من كادر موظفيها، الى المسؤول السابق في شركة “لوكهيد مارتن،” ويليام إنغلي، وهي اشارة لا تخلو من الدلالة لعزم الاخير اعلاء سيطرة مصالح صناعة السلاح على مواطن القرار لسنوات قادمة.

سورياً وفي الشمال منها، اعربت تركيا عن خيبة أمل كبيرة من قرار البيت الابيض تسليح المجموعات الكردية “الحليفة لواشنطن” مباشرة باسلحة متطورة؛ وارسلت وفداً عسكرياً رفيع المستوى لواشنطن ضم رئيس الاركان خلوصي أكار، ورئيس الاستخبارات حقان فيدان والمتحدث باسم الرئاسة التركية، التقى فيها مستشار ترامب لشؤون الأمن القومي، هيربرت ماكماستر، وآخرين في البيت الابيض. الوفد التركي أُبلِغَ بالقرار خلال لقاءاته المعدة مسبقا.

وزير الدفاع التركي، فكري إيسك، انتقد قرار البيت الابيض “المأساة” بشدة محذرا من تداعياته على الولايات المتحدة والمنطقة عموما. رئيس الوزراء بن علي يلدريم أخطر واشنطن بأن عدم تراجعها عن قرارها “سيؤدي الى عواقب سلبية على الولايات المتحدة ايضا.”

في هذا الصدد، حذرت اسبوعية ناشيونال انترست، مطلع الشهر الجاري، من المشاركة العسكرية الاميركية في عملية الجبهة الجنوبية، كما يطلق عليها، لما ينطوي عليها من مخاطر “نشوب صراع مباشر او غير مباشر” مع الجيش السوري وحلفائه، كما ان “غزواً عسكرياً بمشاركة اميركا لجنوب سوريا سيصعد التوترات السياسية والديبلوماسية مع روسيا .. والتداعيات التي سيخلفها على الأمن القومي للاردن.”

اما في الاردن، مسرح العمليات لانطلاق الغزوة المتجددة على سوريا، يتواجد في قاعدتي المفرق والازرق، في الشمال المحاذي للاراضي السورية، قوات عسكرية جوية وبرية من “اميركا وبريطانيا وفرنسا وهولندا وبولندا والبحرين” بانتظار ساعة الصفر. في خطوة “ترضية” للاردن، وافق الكونغرس الاميركي على تقديم مبلغ 1،3 مليار دولار على شكل “مساعدات” للاردن.

قرع طبول الحرب هي السردية الطاغية والمفضلة لدى القيادة العسكرية الاميركية، التي تتحكم بمفاصل السياسة بدقة ولم تعد مجرد تكهنات تدور في خلد المحللين والمراقبين.

اما العنصر المفقود، بحسب نشرة فلورين أفيرز سالفة الذكر، غياب “خطة تراجعية او انسحاب” اميركية من سوريا. لماذا، تعلل النشرة المرموقة ان ذلك يندرج في اطار “المغامرة الكبيرة الناجمة عن انشاء مناطق آمنة من شأنها استدراج اميركا وحلفائها الى صراع طاحن متعدد الابعاد في سوريا الى أجل غير مسمى.”

وحذرت النشرة القيادة العسكرية الاميركية من اغفال هذا العنصر وضرورة “ترابط قرار الانسحاب (الاميركي) مع تطبيق شامل لوقف اطلاق النار في عموم الاراضي السورية أو اتفاقية سلام تؤدي لنشر قوات حفظ سلام أممية.”

امام هذه المروحة الواسعة من النوايا والتحذيرات الاميركية، بما تتضمنه من غموض مقصود في التفاصيل وتناقض مدروس في التصريحات، تمضي المؤسسة الرسمية بكافة اقطابها قدما في السعي “لبسط سيطرتها الاحادية” اقليميا وعالميا، وتوفير “الأمن لاسرائيل.”

في هذا الصدد، وقبيل زيارة الرئيس ترامب للرياض الاسبوع المقبل، اعلن “مسؤول رفيع” في البيت الابيض ان الادارة اقتربت من “استكمال سلسلة من صفقات اسلحة للسعودية تزيد قيمتها عن 100 مليار دولار .. إنه تطور جيد للاقتصاد الاميركي؛ (لكن) ستظل اسرائيل محتفظة بتفوقها.”

استمرار المراهنة  الاميركية على تسخير القوات الكردية الموالية لها في العمق السوري لا ينفصل عن مساعيها الدؤوبة تحقيق خرق مؤثر في الجبهة السورية، لا سيما بعد تحرير مدينة حلب وتراجع فعالية العامل التركي في السياسة الاميركية في الاقليم.

وزير الدفاع التركي، فكري إيسك، انتقد قرار البيت الابيض “المأساة” بشدة محذرا من تداعياته على الولايات المتحدة والمنطقة عموما. وحذر واشنطن، حسبما اوردت وسائل الاعلام التركية، من انه لا يجوز توقع تأييد بلاده لأي عملية مقبلة في سوريا تضم “مجموعات ارهابية،” في اشارة تهديد لاغلاق قاعدة انجرليك. رئيس الوزراء بن علي يلدريم أخطر واشنطن بأن عدم تراجعها عن قرارها “سيؤدي الى عواقب سلبية على الولايات المتحدة ايضا.”

بالمقابل، سعى وزير الدفاع الاميركي، جيمس ماتيس، طمأنة حلفائه وعلى رأسهم تركيا بأن بلاده “على يقين بقدرتها على تجاوز وحل الخلافات القائمة مع تركيا،” ممهدا الطريق بذلك لاستكمال زيارة الرئيس التركي اردوغان لواشنطن بعد بضعة ايام، والتي لاحت احياناً ظلالاً من الشك حول المضي بها.

ما بعد آستانا

من الضروري بمكان الاقرار بالتحولات الميدانية التي اثمرت اتفاقات “مناطق خفض التصعيد – المناطق الآمنة،” ليس في بعدها الجغرافي الصرف، رغم أهميته، بل كمؤشر “لاعادة تعريف لغة الصراع” بين القطبين العالميين، بعيداً عن السردية الاميركية والغربية؛ لعل أبرزها قبول واشنطن ما رفضته بقوة في السابق لناحية تصنيف المجموعات المسلحة وتلكؤ وزير خارجيتها السابق، جون كيري، في تحديد أماكن تواجد “المجموعات المسلحة المعتدلة” في الاتفاق الثنائي مع نظيره الروسي.

بناء على ذلك، اسهم الميدان في تعديل “ضوابط” مؤتمر جنيف، وفق التفسيرات الاميركية في عهد اوباما الرامية لاستبدال المؤسسات السورية الراهنة بحلول مرحلية هدفها تحقيق الهدف “الاسمى” وهو تغيير بنية النظام. اما مسار آستانا فكان “فرصة متجددة لإعادة تعريف قواعد اللعب” بانضمام تركيا رسميا هذه المرة.

كما ينبغي الاشارة في هذا السياق الى تراجع أهمية الاخطبوط الاعلامي الغربي في ادارة الصراع في سوريا، قياسا بمرحلة ما قبل آستانا، يتصدره كبريات وسائل الاعلام الاميركية؛ سي إن إن، أن بي سي، فوكس نيوز، وكبريات الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية ومراكز الابحاث؛ والبريطانية وعلى رأسها شبكة بي بي سي والقناة 4؛ والاعلام الفرنسي والخليجي بكل تلاوينه.

من بين أهم المعادلات الاعلامية التي اطيح بها في سوريا السردية الاميركية والغربية التي اولت اهتماماً عاليا “لمسار جنيف” التفاوضي  بغية “التوصل لحل سياسي طويل الأجل في سوريا؛” على خلفية تراجع وهزيمة أدواتها في الداخل السوري واعادة تموضع من تبقى منها في “جزر معزولة.” والآن، اضحت تلك المجموعات “المعتدلة” مصنفة ارهابية مما يقتضي من “حلفائها بالأمس” القتال ضدها في المناطق الاربعة التي تم الاتفاق عليها.

اما مسألة المراهنة على التباينات اللغوية والتعريفات المتبعة لمصطلحي “مناطق خفض التصعيد – مناطق آمنة” و “مناطق حظر الطيران،” كما تفضل واشنطن، فأن الفهم الروسي المعلن على لساني الرئيس بوتين ووزير خارجيته لافروف أكد ان “حظر الطيران” يعني عدم انطلاق سلاح الجو الاميركي فوق الاجواء السورية المتفق عليها. كما اوضحت الحكومة السورية انه لا مجال للبحث في نشر قوات أممية في البلاد، قاطعة بذلك الطريق على دور متجدد للهيئة الدولية. وتجدر الاشارة في هذه النقطة المفصلية ان “التفسير الاميركي” للمناطق لم يعد مدرجا كما كان في السابق، او طاغيا في تفسيره الاحادي.

مصير “داعش” المرئي هو اعادة تموضعه اميركيا، كما يرجح، وربما تحركه ولو ببطء باتجاه المناطق الاربعة المعلنة اوبعضها، لا سيما “المنطقة الجنوبية،” وان تسنى له ذلك تبرز فرصة أخرى لواشنطن لتخريب اتفاقات آستانا مرة أخرى واعادة تغليف الخطر الآتي من التنظيم كمنصة وذريعة لزيادة تواجدها وانخراطها عسكريا في سوريا وحولها؛ كما تدلنا سيل التصريحات الرسمية بضرورة زيادة عدد وعتاد القوات الاميركية في المنطقة.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

 

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s