التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية 19 مارس 2016

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن،  19 مارس 2016

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6-portrait-e1374407891449

المقدمة

        حيثيات الانتخابات التمهيدية لا زالت تحتل المساحة الاوفر من اهتمامات الرأي العام ودوائر صنعه من وسائل اعلام متعددة ومراكز ابحاث ومؤسسات عامة. واشتدت وطأة التنافس لدى الحزبين ومرشحيهما، دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، واللذين سينالا ترشيح حزبيهما، على الارجح.

        سيستعرض قسم التحليل آفاق اعلان روسيا “المفاجيء” لسحب قسم كبير من قواتها العاملة من سوريا، وانعكاساتها على الجدل الاميركي والرؤى المستقبلية في ظل شبه اجماع بأنها “حققت المهام المطلوبة منها.”

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

عقيدة اوباما

        اثارت سليلة مقابلات مع الرئيس اوباما ردود فعل متباينة لدى مؤيديه، ومشاعر الاحباط لدى خصومه لما اعتبر تقويض لمكانة وهيبة الولايات المتحدة وتنديد بحلفائها التقليديين. واعرب معهد هدسون عن اعتقاده ان المقابلة المنشورة في مجلة اتلانتيك تشير الى ان اوباما ينظر الى “حلفائه كمصدر ازعاج في غالب الاحيان .. اذ وصف كل من فرنسا والمملكة المتحدة بالمتسلقين.” واضاف ان رواية اوباما تشير الى مشاعر الغبن والضغينة التي تملكته لعدم تنفيذ “ديفيد كاميرون ونيكولا ساركوزي بوعودهما لشغل مركز الصدارة في الاطاحة بنظام معمر القذافي .. فالاول انشغل بامور اخرى والثاني اثبت انه متباهي.” واضاف ان الرئيس اوباما “دهش لتلك المباغتة وتوصل الى قناعة مفادها انه لا يمكن للرئيس الاميركي ان يقود من الخلف .. واضحى غاضب من عدم القدرة على تطويع الواقع لاحلامه.”

http://www.hudson.org/research/12303-iranian-impunity

        بالمقابل، اعتبر معهد بروكينغز سلسلة المقابلات المشار اليها بأن الرئيس اوباما “نجح في الظهور بمظهر شخصية تكنوقراطية حديثة، تتميز بالقدرة على التكيف والصمود امام مشاعر الحياة السياسية المثيرة.” واوضح ان اوباما “يتمتع بالحكمة والروية بينما (خصومه) متهورون .. واثبت انه رئيس تحركه ضوابط ايديولوجية يتحلى برؤيا عالمية متطورة بل متماسكة فلسفيا.” واردف المعهد ان الرئيس اوباما “لم يكن ذكيا فحسب، بل عبقري” في سرديته.

http://www.brookings.edu/blogs/markaz/posts/2016/03/12-how-iraq-warped-obama-worldview-hamid

سوريا

        انفرد معهد كارنيغي من بين اقرانه في مراكز الابحاث الاخرى باسباغ تفسير واقعي لاعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحب قواته “نظرا لبلوغه كافة اهدافه.” واضاف ان روسيا “غير ملتزمة ببقاء الاسد بصرف النظر عن الكلفة، وما تبنيها لوثيقة الحل السياسي الا ترجمة لرؤيتها بأن المسار السياسي والمرحلة الانتقالية ستفضيان الى رحيل الاسد .. بكرامة دون ان يواجه مصير مشابه لمعمر القذافي.” واستدرك بالقول ان “وقف اطلاق النار الراهن هش مما يعزز اهمية الخروج الان” من سوريا. واستطرد بالقول ان اثبت وقف اطلاق النار فعاليته “سيكون بوسع روسيا اعلان النصر. اما ان اندلعت الاشتباكات مرة اخرى، فان المسؤولية لن تقع على كاهلها ..”

http://carnegie.ru/commentary/2016/03/15/well-timed-retreat-russia-pulls-back-from-syria/iv6k

        جدد معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى نظريته حول انشاء مناطق آمنة في سوريا “وضم اسرائيل للمناقشات المعنية بالمناطق الآمنة .. بل مساهمة اسرائيل في المستلزمات العسكرية.” واوضح ان “اسرائيل يمكنها ان تلعب دورا مساعدا فعالا من خلال مشاركتها المعلومات الاستخباراتية حول الديناميات على الارض وتقديم بعض المساعدة الانسانية.” وفي حال “نجاح اقامتها، فكيف سترد اسرائيل على ذلك.” واوضح ان الاجابة “تعتمد جزئيا على موقع المنطقة. اذ من غير المتوقع ان تحرك اسرائيل ساكنا ردا على انشاء منطقة على الحدود الشمالية مع تركيا، وقد تقدم بعض الدعم لانشاء منطقة آمنة على طول الحدود الاردنية السورية، نظرا لأهميتها من وجهة نظر عمّان.” واستشهد المعهد بدراسة صادرة في شهر كانون الاول/ديسمبر الماضي قام بها مسؤوليْن في الشؤون الأمنية “الاسرائيلية” واللذين اعربا عن ان “لاسرائيل مصلحة استراتيجية والتزام طويل المدى بضمان سلامة المملكة الاردنية الهاشمية وأمنها واستقرارها وازدهارها،” مستطردا ان “اسرائيل توفر الدعم للاردن على صعد متعددة – ابرزها مساعدته في تحمل اعباء هجرة اللاجئين السوريين باعداد كبيرة.” وخلص بالقول ان “بامكان منطقة آمنة في الجنوب (السوري) ان تخدم كافة تلك المصالح.” واستدرك قائلا ان “معظم تلك التوصيات قدمت قبل التدخل العسكري الروسي .. (اما) اذا عارضت روسيا انشاء منطقة آمنة في الجنوب، فمن غير المرجح ان تساهم اسرائيل عسكريا في الجهود المبذولة لهذه الغاية.”

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-israeli-perspective-on-safe-zones-in-syria

الدولة الاسلامية – داعش

        اجرى معهد الدراسات الحربية تجارب نظرية على جملة خيارات محتملة من شأنها “توفير الاسس العملية لجهود الولايات المتحدة بتدمير تنظيمي الدولة الاسلامية والقاعدة في العراق وسوريا.” واوضح انه ينبغي “تحقيق اربعة اهداف استراتيجية لضمان المصالح الوطنية الحيوية وتـوفير الأمن للوطن.” وحدد تلك المهام: تدمير تجمعات العدو؛ انهاء الحروب المذهبية والطائفية؛ وضع قواعد صارمة لضمان عدم اعادة تشكيل تجمعات العدو؛ تخليص العراق وسوريا من النزاعات الاقليمية والدولية.

http://www.understandingwar.org/backgrounder/new-report-series-us-grand-strategy-destroying-isis-and-al-qaeda-0

ليبيا

        حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الدول الغربية المعنية من مغبة قصف مواقع الدولة الاسلامية في ليبيا، لما سيتركه من تعقيدات “على جهود استعادة الاستقرار” هناك. واضاف “قبل ان نضيف حربا رابعة في الاقليم، بعد العراق وسوريا واليمن، ينبغي علينا التقدم باستراتيجية متماسكة لتحقيق الاستقرار بالتزامن مع استهداف الدولة الاسلامية.” ونبه صناع القرار الى انه يتعين “كسب تأييد المجموعات الليبية المسلحة الاخرى لقوات خارجية على اسس دائمة .. وابراز قدرة المجتمع الدولي على توفير الدعم لليبيا بغية ترسيخ عملية حكم نافذة، واستغلال عائداتها النفطية لتوفير احتياجات المدنيين الملحة والتوجه بعدئذ الى شؤون التنمية.” واستطر بالقول ان التوجهات الغربية الراهنة “لشن حرب .. تقترب من تعريف الجنون التقليدي – اي تكرار ذات الاخطاء وتوقع نتائج مغايرة.” وحث صناع القرار على ان المضي بشن “حرب رابعة .. تستوجب تأييد من الكونغرس والشعب والحلفاء ايضا، او عدم القيام بها في المقام الاول.”

http://csis.org/publication/poking-hornets-nest-libya-war-four-and-time-we-get-it-right

افغانستان

        اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن اعتقاده بأن ادارة الرئيس اوباما لا تولي اهمية كافية لافغانستان، مذكرا انه لا ينوي المطالبة “بتعزيز مزيد من القوات الاميركية والانخراط في عمليات عسكرية مجددا” هناك. بل المطلوب رفد عديد القوات الراهنة “بعدد كافٍ من المستشارين .. وتوفير تعزيزات جوية منقولة للقيام بمهام الطواريء، ووحدات من القوات الخاصة والحرس .. لنحو 18،000 عنصر كحد اقصى وربما اقل من ذلك بكثير.” وحث صناع القرار على اعتماد “نجاح القوات الافغانية كمقياس لحجم تخفيض القوات (الاميركي)، وليس بناء على مواعيد نهائية بشكل تعسفي .. مما سيحفز القوات الافغانية القيام بمهامها وهو العنصر المفقود حاليا.”

http://csis.org/publication/afghanistan-shift-conditions-based-strategy-or-lose-forgotten-war

حلف الناتو

        انعقاد قمة دول حلف الاطلسي، في شهر تموز المقبل، كان محور اهتمام صندوق مارشال الالماني لترابط الاهتمامات “بالازمة السورية وشرقي البحر المتوسط.” وحث الدول المشاركة على “اتخاذ عدد من الخطوات لتعزيز هيبتها في الشطر الجنوبي .. منها باستطاعة الحلف انشاء قوة انذار اكبر خارج بحر ايجه، ونشر وحدات من قوات الاحتياط في شرقي ووسط البحر المتوسط من مقرها في القاعدة البحرية والجوية في سيغونيلا؛ واتخاذ مبادرات جديدة من شأنها ردع الاخطار على أمن تركيا وسيادة اراضيها، بما فيها تنامي التواجد العسكري لروسيا في المنطقة؛ تكريس موارد اضافية ودعم سياسي لمشروع الحلف – بحوار المتوسط ومبادرة تعاون اسطانبول.” ولفت الصندوق انظار اعضاء الحلف الى “انفتاح واستعداد المنطقة العربية عقد تعاون اكبر مع حلف الناتو، والتي عادة لا يتم الاقرار بها.”

http://www.gmfus.org/publications/nato-world-disorder-making-alliance-ready-warsaw

التحليل        

عقارب الساعة الاقليمية بتوقيت بوتين

اصداؤها تثبِّت معادلة تعدد القطبية

مفاجأة تستثني الاردن

        اجمعت كافة الاوساط الاميركية والاوروبية على انها اخذت على حين غرة بقرار الرئيس الروسي سحب قواته الجوية العاملة في سوريا “لتصادف الذكرى الخامسة” للأزمة السورية، باستثناء الاردن الذي اعلن انه “اخذ علما مسبقا بخطط الرئيس بوتين .. منذ مطلع العام الجاري،” حسبما افاد “مسؤول اردني رفيع” لاحدى وكالات الانباء الاميركية.

        ابرزت الصحف الاميركية “صدمة” المسؤولين الاميركيين من قرار الرئيس بوتين، ووصفته يومية واشنطن بوست بأنه “انسحاب مفاجيء .. اعاد ترتيب خطوط الصراع الطاحن، ووطد نفوذ موسكو ليس في ساحة المعركة فحسب، بل على طاولة المفاوضات ايضا.” واستطردت ان القرار “حظي باهتمام ديبلوماسي فوري من الولايات المتحدة .. وترتب عليه الاعداد لزيارة وزير الخارجية جون كيري لموسكو، الاسبوع المقبل، لبحث (ترتيبات) الانسحاب وخيارات المرحلة السياسية الانتقالية في سوريا.” (15 آذار 2016).

        الناطق الرسمي باسم البنتاغون، بيتر كوك، علق فور اعلان الرئيس بوتين، 14 آذار، ان وزارة الدفاع “تنتظر لترى، مثل الآخرين، ما بوسع الروس فعله فيما يخص الاشارة الى انسحاب جزئي .. كما جرت العادة على امتداد الاشهر الستة الماضية، سنقوم بتقييم (الخطوة) الروسية استنادا الى الافعال، وليس الاقوال.” واستدرك بالقول ان البنتاغون “سترحب” بقرار الرئيس بوتين سحب قواته ان كانت بهدف تعزيز وقف اطلاق النار.

        وسرعان ما اوضحت الاوساط الاميركية ان اعلان الانسحاب الروسي من سوريا “ليس انسحابا تاما، فروسيا ستبقي على منشآتها البحرية والقواعد الجوية هناك، مما سيتيح لها العودة سريعا ان تطلبت المتغيرات الميدانية ذلك .. بل لا تنوي روسيا سحب النظام الصاروخي للدفاع الجوي القوي اس-400، كوسيلة ردع لعدد من الدول مثل تركيا والسعودية وحتى الولايات المتحدة، التي قد تراودها فكرة انشاء مناطق حظر للطيران فوق بعض الاراضي السورية.”

        حرصت الدوائر الاميركية المعنية بالصراع في سوريا، سياسيا وعسكريا، الاشارة الى بُعد توقيت الانسحاب للتأثير على سير المفاوضات السياسية في جنيف، من ناحية، واتاحة الفرصة الميدانية لقوات الجيش العربي السوري استعادة السيطرة على “كافة الاراضي الخاضعة للمسلحين ..”

        وعزت تلك الاوساط دوافع الرئيس الروسي لاتخاذ قراره الذي يعد “انقلابا استراتيجيا” بأنه “ادرك متى يتعين عليه الانسحاب قبل الانغماس والتورط في أزمة اخرى .. وقد اوضح الرئيس اوباما ان ذلك عينه يشكل مسار التدخل الروسي.” ووصف احد الخبراء العسكريين قرار روسيا بأنه “في واحدة من المرات القليلة في التاريخ، يقدم زعيم سياسي على سحب قواته العسكرية في الوقت المناسب عوضا عن الخروج المتأخر جدا.”

        واشد ما تخشاه واشنطن وحلفاءها ان انسحاب روسيا لن يؤدي الى ممارستها ضغوطا اضافية على الرئيس الاسد ووفده المفاوض في جنيف، بل ترجمة الصمود الميداني بمواقف صلبة في مسار المفاوضات.

السعودية توسع رقعة حضورها

        اقطاب معسكر الحرب والتدخل العسكري في واشنطن اعربت عن اعتقادها بأن “انسحاب روسيا المفاجيء قد يفتح الابواب امام تدخل تقوده الدول العربية ضد هدف مزدوج: الدولة الاسلامية وبشار الاسد.” (نشرة “فورين بوليسي،” 15 آذار)

        واوضحت النشرة ان مناورات “رعد الشمال” المشتركة التي جرت على الاراضي السعودية الاسبوع المنصرم شكلت “اضخم مناورات عسكرية اقيمت في الشرق الاوسط على الاطلاق،” من بين اهدافها “ارسال رسالة قوية لايران .. وتعزيز قدرات القوات السعودية لتنسيق مناوراتها مع الدول المتعددة المشاركة.” شاركت 20 دولة بقوات بلغ حجمها 350،000 جندي و 20،000 دبابة ومدرعة وعشرات السفن الحربية ونحو 2،500 طائرة مقاتلة.

        واستطردت النشرة نقلا عن الاوساط العسكرية الاميركية ان “المسرح الرئيس للصراع في المنطقة هو سوريا،” ورمت المناورات الى تسجيل سلسلة مواقف متشددة في هذا الصدد “لكل من روسيا وايران وسوريا .. وعزم (السعودية) ارسال قوات برية للقتال هناك، التي ستشكل قواتها ضمانة أمنية للاراضي السنية في سوريا.”

        بعض الخبراء الاميركيين اعربوا بوضوح عن اعتقادهم بأن مناورات “رعد الشمال” ربما أتت أُكلها من حيث انها كانت “حربا وهمية .. بيد ان الهدف هو الاعداد لتدخل عسكري في سوريا .. بانفراد وبمعزل عن مشاركة اميركية،” يعززه تحول مسار السياسة السعودية الى “توسيع آفاقها الجيوستراتيجية” في الاقليم.

        حمية التدخل العسكري حفزت بعض القيادات العسكرية الاميركية، حسبما ورد في تقرير فورين بوليسي المذكور، الى الدعوة لانشاء حلف جديد في الاقليم قوامه “القيادات السنية (السعودية) واسرائيل وحلف الناتو .. كمنصة انطلاق متقدمة للاستراتيجة الاميركية – على الرغم من العقبات المواكبة له.” الهدف النهائي للحلف “احتواء ايران، طمأنة اسرائيل، وانشاء منطقة مستقرة ومزدهرة في الشرق الاوسط مع مرور الزمن.”

        عودة لادعاء الاردن بعلمه المسبق بقرار الانسحاب الروسي، اوردت يومية ديفينس نيوز، 15 آذار، المختصة بالشؤون الدفاعية واخبار البنتاغون، على لسان المسؤول الاردني الرفيع قوله ان خطة الانسحاب تم تداولها في موسكو، كانون2/يناير 2016، مع وفد عسكري اردني سوري مشترك، ضم قائد الاركان مشعل الزبن ونظيره السوري فهد جاسم الفريج، مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو لبحث “التطورات العسكرية على الحدود السورية الاردنية المشتركة.” واضاف المصدر الاردني ان مدير مكتب الأمن الوطني السوري، علي مملوك، عقد سلسلة لقاءات مع المسؤولين الاردنيين في الاشهر القليلة الماضية “لبحث تداعيات الغارات الجوية الروسية على المسلحين في المنطقة الحدودية المشتركة.”

        ما تجمع عليه الاوساط العسكرية الاميركية ان التدخل العسكري الروسي في سوريا منذ شهر ايلول / سبتمبر الماضي “انجز معظم الاهداف المرسومة، ليس في بُعد تعديل الحسابات الميدانية فحسب، بل اعاد التوازن والثقة القتالية للجيش العربي السوري وتمكينه من استعادة المبادرة والسيطرة.” كما ان خطوط امداد المسلحين من تركيا “قد قطعت” نتيجة الغارات الروسية.

الانسحاب في الداخل الروسي

        شكلت تجربة التدخل العسكري السوفييتي في افغانستان، 1979، درسا ملازما للسياسة الروسية وادراك القيادات الروسية، لا سيما الرئيس بوتين، للضرر طويل الأمد الناجم عنه. قرار الانسحاب من سوريا، وما رافقه من انجازات ميدانية ملموسة، اسهم مباشرة في استقرار الاوضاع الأمنية، من ناحية، ووضع حدٍ للمخاوف السابقة من التورط والتحول للشأن الداخلي.

        الثابت في قرار التدخل الروسي في سوريا انه لم يستند الى كسب الحرب والصراع بنصر مؤزر، اذ من العسير الاعتقاد ان سلسلة غارات جوية مكثفة ومستدامة باستطاعتها حسم الميدان الذي اوكل للجيش العربي السوري. فالقرار جاء لتعزيز قدرة الجيش السوري وامداده بالمعدات الضرورية لتقدمه على الارض.

        واستطاعت روسيا احراز انجازات ديبلوماسية مواكبة للميدان خاصة فيما يتعلق بمراهنتها على كسب القوى الكردية في الشمال السوري، وامدادها بالاسلحة والمعدات، وفي الحسبان اثارة الازعاج لتركيا وتهور قراراتها السياسية، فضلا عن ان خطوتها باتجاه الكرد ارست قدرا اعلى من اطمئنان القوى الاقليمية للمراهنة والاعتماد على الدعم الروسي، مقارنة بتذبذب الموقف الاميركي حيال القوى عينها. فالاهداف الروسية من وراء سوريا لها ابعاد استراتيجية، ليس الا. واضحت روسيا، بعد التدخل والانسحاب، لاعبا اكتسب اهمية اضافية في التأثير على المسار المستقبلي لسوريا مقابل تراجع حدة الاندفاع الاميركي وحلفائه الاقليميين.

        لعل ابرز الانجازات الروسية في هذا الشأن، فيما يتعلق بلعبة الكبار الاستراتيجية، ردع حلفاء اميركا من تركيا والسعودية، والى حد ما الاردن، من ادامة النزيف السوري، وضرب اسفين في علاقة واشنطن ومراهنتها على “الجيش السوري الحر” الذي فقد الجزء الاكبر من “تشكيلاته” نتيجة خسائره الميدانية وانسحاب البعض وانضمام البعض الآخر لتنظيمات متشددة. واعادت موسكو بوصلة الخطر الى تهديد “الدولة الاسلامية” على اوروبا مجتمعة واستغلالها لموجات هروب اللاجئين عبر الذوبان في السيل المتدفق على البلدان الاوروبية.

        الدوائر الاميركية هي اول من يقر بتعزيز روسيا لوجودها العسكري في مياه المتوسط، اذ استطاعت تثبيت حضور اسطولها البحري وادامة تواجدها في القاعدة البحرية في طرطوس، عقب تراجع حضورها فيها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. بل استعادت موسكو هيبتها البحرية وتحدي الهيمنة الاميركية في مياه البحر المتوسط، مما دفع العديد من الخبراء احياء اجواء الحرب الباردة بينهما.

        الاسلحة المتطورة التي استخدمتها روسيا في سوريا، برا وبحرا وجوا، اثارت انتباه الاوساط الاميركية والاوروبية بالدرجة الاولى، خاصة للقدرة التدميرية الهائلة التي فاقت الترسانة الاميركية في تسديد اصابات محققة للقوى التكفيرية؛ ووفرت لروسيا منفذا اضافيا لبيع افضل منتجاتها العسكرية والتغلب على العقوبات والمقاطعة الاقتصادية المفروضة عليها منذ استعادة سيادتها على شبه جزيرة القرم.

        من ميزات التدخل الروسي، بالنسبة لموسكو، انها اضحت شريكا مساويا لواشنطن في “ضمان تثبيت وقف اطلاق النار” في سوريا، ومهدت سبل الحوار بينهما لاستعادة مسار المفاوضات بشأن اوكرانيا رغم كل ما اعتراه من تصلب وتشدد القوى المرتبطة بالولايات المتحدة وتفضيلها التصعيد العسكري.

        في الشق الدولي، اضحت موسكو محطة رئيسية تحج اليها الوفود العالمية طالبة ودها ودعمها، ليس في بعد الازمة السورية فحسب، بل لقضايا اقليمية اخرى مرتبطة ومتفرعة عنها، ابرزها قضية ومصير الكرد التي برعت موسكو في لعب ورقتها ضد خصمها التركي، ولما لها من ابعاد اوروبية تتمثل في تأييد مطالب الكرد والاحتفاظ بدور تركيا الاطلسي في الوقت عينه.

        موسكو عززت دورها كشريك فاعل في تقرير وجهة الازمة السورية، وذهب البعض الى القول ان الرئيس بوتين “يمتلك قرار الفيتو على تشكيل اي حكومة سورية في المرحلة المقبلة.”

        وجدد الجدل داخل اروقة حلف الاطلسي لاعادة النظر بالمسلمات السابقة التي “قللت من شأن” القوة العسكرية الروسية، وارتفعت المطالب المنادية بضرورية زيادة نوعية في ميزانيات الانفاق العسكري على الرغم من الاوضاع الاقتصادية الحرجة لعدد من الدول الاوروبية الرئيسة.

        في ظل مناخ المنافسات والمزايدات الانتخابية في الولايات المتحدة، التزمت الادارة الاميركي خيار “الانتظار” وابقاء ازمات المنطقة في سياق السيطرة والحيلولة دون اندلاعها لحين انتهاء الانتخابات الرئاسية. وتعول الدوائر الاميركية المتضررة من سياسة التقارب مع موسكو على توجه رئاسي مغاير يعيد المبادرة للولايات المتحدة وحلف الاطلسي في الشؤون العالمية، ويتيح لها لعب دور اكبر واشد قوة في ترسيم نهاية الصراع الجاري في سوريا.

البعد الكردي في الازمة السورية

        عولت بعض القوى الكردية على استغلال انشغال الدولة السورية بالصراع مع القوى التكفيرية والاتجاه خطوة اضافية نحو نزعة الاستقلال، بصرف النظر عن صوابيتها او امكانية تحقيقها ضمن الموازين الاقليمية الراهنة.

        واثارت تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريباكوف، بترحيب بلاده بصيغة حل فيدرالي في سوريا، جدلا واسعا وانتقادات شديدة حتى من داخل واشنطن. وسرعان ما “تراجعت” موسكو عن تلك التصريحات جاءت على لسان الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، معززة بذلك الرؤى الاولية بأن “الفيدرالية” كانت مجرد بالون اختبار للتعرف على ردود فعل القوى السورية المعارضة وداعميها الدوليين.

        كما جاءت تصريحات نائب وزير الخارجية في مناخ سياسي اميركي رفع درجة التوتر بينهما لتشديد وزير الخارجية الاميركي جون كيري عن توفر “خطة بديلة” لبلاده في سوريا ترمي الى تقسيمها وفق اسس طائفية “في حال فشلت الهدنة في سوريا.”

        بعض القوى الكردية في الشمال السوري، والتي تلقت دعما اميركيا وروسيا، ذهبت الى حد عقد مؤتمر لها للاعلان عن “جمهورية فيدرالية،” عقب استثناء “محور السعودية” لها بتمثيلها في مفاوضات جنيف. وسارعت واشنطن لابداء اعتراضها وعدم دعمها لتوجهات “انفصالية” مشددة في الوقت عينه على “ثوابت” استراتيجيتها التي تنظر الى سوريا كدولة موحدة، علمانية، ذات سيادة وحكومة تمثل مختلف “المكونات” الاجتماعية.

        موسكو لا تزال متمسكة بحضور الكرد في مفاوضات جنيف، عبر عنه وزير خارجيتها سيرغي لافروف قائلا ان اقصاء الكرد من المشاركة في تحديد مستقبل سوريا سيدفعهم للخروج عنها. حضور الكرد من شأنه تسديد هدف في مرمى السعودية وتركيا وراعيتهما الاميركية التى لا تنوي اغضاب انقرة راهنا على الاقل.

        لا يسع المرء الا الاشارة الى تجدد الاشتبكات والانفجارات داخل المدن التركية الكبرى، انقرة واسطانبول، نتيجة السياسة التركية الاقصائية وتفضيلها الخيار العسكري في تطويع المناطق الكردية لسيطرتها وحرمانها من احقية المطالبة بنمط من الحكم الذاتي.

        وبلغ التهور بالرئيس التركي اردوغان بشن هجمات مسلحة على مناطق كردية داخل الاراضي السورية، ضاربا بعرض الحائط تحذيرات موسكو له ونصائح واشنطن بعدم الانجرار للتصعيد. مصير المفاوضات الجارية في جنيف لن يتأثر سلبا على الارجح بما يجري بين الكرد وحكومة انقرة، بيد ان تداعياتها المرئية لن تعود لصالح انقرة في ظل التفاهمات الدولية بين موسكو وواشنطن، خاصة لحرص الاخيرة على “تأمين” الساحة السورية وتسليم الرئيس المقبل ساحة دولية تراجعت فيها الازمات.

‡‡‡‡‡‡

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s