التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية02-01-2016

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن، 2 يناير 2016 

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6-portrait-e1374407891449

المقدمة

        استمرت الاحداث الضاغطة على المشهد السياسي بالحضور والاهتمام على الرغم من انشغال واشنطن الرسمية في العطلة السنوية احتفالا بالعام الجديد.

        سيستعرض قسم التحليل مسألتين من صلب المشهد السياسي الاميركي، وان بغياب ترابطهما المباشر: الاولى، استعادة القوات العراقية لمدينة الرمادي من سيطرة قوات الدولة الاسلامية، بعد معارك قاسية؛ والثانية، الكشف عن استمرار الاجهزة الأمنية الاميركية في التجسس على محادثات هاتفية لقادة دول اجنبية، من بينها “رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو،” وتوجهات الساسة الاميركيين وتنسيقهم معه في عدد من القضايا؛ التجسس الداخلي يعد مخالفا للقانون الاميركي لما له من تداعيات محلية واقليمية، خاصة في البعد الانتخابي وتأثيره على حملة المرشحة هيلاري كلينتون ابان توليها منصب وزير الخارجية كونها كانت من اركان الادارة.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

الاستراتيجية الاميركية المقبلة

        شرع معهد ابحاث السياسة الخارجية ارساء مباديء الاستراتيجية المقبلة للادارة الاميركية الجديدة وحثها على الاقتداء بما افرزته “نهاية الحرب الباردة التي حرمت صناع القرار (في واشنطن) من تركيز الجهود على مسألة مركزية كبرى؛ بينما تواجه راهنا سلسلة من القضايا والتهديدات المتجددة.” واوضح ان الارث السياسي السائد لا يأخذ بعين الاعتبار “اهمية تربية واحتضان مواهب قيادية تتميز بحس استراتيجي على المستوى الدولي .. يؤهلها تخصيص جهود عالية لتداول تحليلات استراتيجية بدلا من العرف السائد باسلوب ادارة الازمات.” كما ان “بنية النظم البيروقراطية الراهنة التي تتحكم بالسياسة الخارجية والأمن القومي الاميركي، تحيل تطبيق استراتيجية متماسكة الى أمر بعيد المنال .. لا سيما في مضيها للتركيز على اعتماد حلول تقنية واطلاق مواقف مثالية، عوضا عن الالتفات الى مزاوجة الاهداف بالامكانيات المتوفرة.”

http://www.fpri.org/articles/2016/01/strategic-planning-next-president-part-one-downside-defeatism

تباين موقف الحزبين من “اسرائيل”

        اعاد معهد كارنيغي قراءة استطلاعات الرأي بين قواعد الحزبين حول الموقف من “اسرائيل،” قائلا انه اذا استثنى المرء جمهور “الانجيليين” من الحزب الجمهوري “الذين يمثلون نحو 10% من مجموع السكان و23% من ناخبي الحزب،” المعروفين بتبني قراءة حرفية صارمة لنصوص ونبوءات الكتاب المقدس، فاننا “نقترب من تلمس حقيقة كاشفة تشير الى تبخر الفروقات بين قواعد الحزب الجمهوري  وباقي التوجهات السياسية فيما يتعلق بقضية اسرائيل وتتقلص الى حد بعيد فيما يخص الموقف من الاسلام والمسلمين.” وزعم ان قراءة الاستطلاعات تدل على ان “التشبث بالموقف الاسرائيلي ليس بالضرورة مسألة شائعة في صفوف الحزب الجمهوري بل تخص التيار المتدين تحديد.”

http://www.brookings.edu/blogs/markaz/posts/2015/12/17-middle-east-partisan-divide-telhami

دور الاعلام في الصراع الطائفي

        استعرض معهد كارنيغي وسائط التواصل الاجتماعي في “الصراع الدائر بين السنة والشيعة .. واستشراء الخطاب العدائي. اما تبادل الرسائل المناهضة للطائفية وحدها قد تبدو بلا جدوى نسبية امام تنامي الاصابات جراء المعارك الميدانية والهجمات الارهابية.” واوضح استنادا الى تراكم المعلومات المتوفرة ان “الروايات الطائفية متعددة الاشكال والتلاوين يجري استغلالها منذ زمن من قبل العائلات الحاكمة، ورجال الدين، والمحتلين الاجانب لنيل التأييد لمخططاتهم وفي نفس الوقت تشويه سمعة وتشتيت المعارضين المحتملين .. الدعاية والخطاب الطائفي تجد آذانا صاغية بين صفوف العرب على امتداد الاقليم  في وقد تؤدي لمضاعفات جيوستراتيجية.” ومضى بالقول ان الاسر الحاكمة “السنية في منطقة الخليج بدعم بين من رجالات الدين تقرع طبول الحرب، واستطاعوا حشد التأييد الشعبي للحرب على اليمن وتصويرها على انها معركة طائفية بين اقرانهم السنة والمسلحين الحوثيين الذين تدعمهم ايران.”

http://carnegieendowment.org/2015/12/20/sectarian-twitter-wars-sunni-shia-conflict-and-cooperation-in-digital-age/in6n

سوريا

         اعرب معهد ابحاث السياسة الخارجية عن اعتقاده ان “انخراط حزب الله في الازمة السورية قد اضعف هيبته واضحى عرضة للحملات الداخلية، واسهم في تنامي حالة الاستقطاب للمشهد السياسي اللبناني .. مما ترك آثاره على موقف الحزب الداخلي وصورته العامة.” وامام هذا المشهد، اوضح المعهد ان حزب الله “استثمر في شن حملة سياسية للتأكيد على صورته الذاتية بأنه حركة مقاومة وطنية .. ضد عدويين وطنيين، العدو الاسرائيلي و”تهديدات التكفيريين”.” واستطرد بالقول ان تداعيات ازمة السورية على الحزب تركت آثارها ايضا على “استراتيجيته ضد اسرائيل .. بيد انه من المفيد الاشارة ان انعكاساتها تبقى محدودة، خاصة لمحدودية التغييرات العميقة فيما يخص استراتيجيته المرئية “للحرب المقبلة مع اسرائيل”.”

http://www.fpri.org/articles/2015/12/syrian-civil-war-and-its-consequences-hezbollah

تركيا

        اعتبر صندوق مارشال الالماني انعقاد القمة الاوروبية التركية، في شهر تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، اتاح فرصة “لتنشيط العلاقات الاوروبية التركية بعد سنوات من التعثر .. ويمكن مقاربة دور تركيا الراهن في ازمة اللاجئين الى دورها كمنطقة عازلة في افق حلف الناتو ابان الحرب الباردة.” واوضح ان تباين المواقف الاوروبية اخذت منحى مختلفا لا سيما في ظل “مطالبة الجانب البريطاني بادخال اصلاحات على آلية عمل الاتحاد الاوروبي، بينما في المقابل تواجه مطالب حاجة الاتحاد للاندماج تحديا تضعه في موقف صعب فيما يخص مستقبله.” علاوة على ذلك، يشهد الاتحاد تباينا ايضا في آلية تعامل دوله المتعددة مع روسيا على خلفية الازمة الاوكرانية “وتصاعد وتيرة الجدل حول الرؤيا المستقبلية لشكل الاتحاد.” في هذا السياق، يقول الصندوق، ان “تركيا اعيد انتاجها كحارس لحدود (اوروبا) الغربية مقابل تلقيها دعما ماليا وبعض الامتيازات ..”

http://www.gmfus.org/publications/new-episode-eu-turkish-relations-why-so-much-bitterness

التحليل        

1 – استعادة الرمادي: هل تعني بداية انحسار داعش

2- تداعيات التجسس الاميركي على نتنياهو وأردوغان

1 –

الرمادي: انجاز اقل من انتصار

        العراق يعلن تحرير مدينة الرمادي، التي يقطنها الرمادي نحو 500,000 مواطن، ورفع العلم العراقي على المجمع الحكومي و”بعض” القادة الاميركيين يشككون بالنصر الكبير المعلن “بعد اكثر من 600 غارة جوية،” نظرا “.. لانسحاب قرابة 19,000 مقاتل من تنظيم الدولة الاسلامية، وتركهم 150 انتحاريا لمواجهة القوات العراقية،” كما جاء على لسان الجنرال المتقاعد وعضو اركان المحافظين الجدد، باري ماكافري، 29 ديسمبر الماضي.

        بعض اقطاب النخبة الفكرية من الليبراليين فندت اداعاءات الرئيس الاميركي بالانتصار الوشيك على تنظيم الدولة الاسلامية، نتيجة دحره في الرمادي. في احدث اصدارات الفصلية المرموقة “فورين افيرز،” الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية، اعتبرت التنظيم بانه “ليس مجموعة ارهابية .. وستفشل جهود مكافحة الارهاب في الحد من تقدم التهديد الجهادي الاخير.” واشارت الدورية بما لا يدع مجالا للشك بأن الرئيس اوباما “اخطأ” في مساواة داعش بتنظيم القاعدة نظرا لأن الاول “بالكاد يستوفي شروط وسمه بتنظيم ارهابي،” على الرغم من بعض ممارساته التي توحي بذلك “بل لا يشكل تنظيما ارهابيا، حقيقة.”

        واردف قائلا ان داعش يضم نحو “30,000 مقاتل، يسيطر على شريط واسع من اراضي العراق وسوريا، لديه مقدرات عسكرية واسعة، يتحكم بخطو الاتصالات، يتمتع ببنية تحتية للقيادة (والتحكم)، يمول نفسه بنفسه، وينفذ عمليات عسكرية معقدة .. انه شبيه بدولة لديها قوات عسكرية تقليدية.”

        واشنطن الرسمية، وعلى لسان الرئيس اوباما اشادت “بالتقدم الذي حققته القوات العراقية ودليل على بسالتها واصرارها والالتزام المشترك” لدحر داعش واخراجه من مواقعه الآمنة. واعتبر قادة وساسة اميركيون آخرون ان الحكومة العراقية “استعجلت الاعلان عن النصر” طمعا لترسيخ صورة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي التي بدأت تواجه انتقادات داخلية شديدة على خلفية تصاعد الازمات الداخلية والأمنية والاقتصادية.

بالمقابل اعتبر القادة الميدانيين في العراق ان واشنطن “هذه المرة .. حرصت على تثبيت نفوذها وتوفير الدعم للعبادي لضمان ابتعاده عن النفوذ الايراني وزجت بقوات وامكانيات كبيرة الى جانب الجيش العراقي.”

مشاركة قوات “الحشد الشعبي” بفعالية محدودة لم تكن مصدر ارتياح في واشنطن ووكلائها الاقليميين، ووضعت جملة من العراقيل السياسية والعملياتية في وجهها للدلالة على انها تشكل “عامل اعاقة وليس عامل تقدم في العمليات العسكرية ضد داعش .. والذين قاتلوا داعش كانوا من ابناء الرمادي امثال الجبور والبونمر وابو ريشة والهايس وصحواتهم وغيرها.” اما الدور الفاعل “او دور الحشد الشعبي فقد كان ثانويا،” وفق روايات من داخل الصحوات، اوردتها تلافيا للتوترات الطائفية السابقة التي رافقت استعادة مدينة تكريت، كما يرجح.

وسائل الاعلام الاميركية الرسمية، قناة الحرة مثالا، اعتبرت كلفة تحرير الرمادي “باهظة .. اسفرت عن تدمير اكثر من 3000 منزل والحاق الضرر بالبنى التحتية.” الامم المتحدة من جانبها اجرت تقديرات اولية لكلفة الاعمار في الرمادي التي ستتطلب ما لا يقل عن “20 مليون دولار، لكن الكلفة الاجمالية على المدى البعيد ستفوق ذلك الرقم بعدة اضعاف.”

الثابت في معركة تحرير الرمادي انها جاءت على ايدي قوات الجيش العراقي بدرجة اساسية، ومشاركة مقاتلين من العشائر المحلية الذين دربتهم بغداد في الآونة الاخيرة، وسيعهد لها لاحقا مهام تطهير المدينة من جيوب داعش المتبقية؛ بعدما اثبت الاداء الميداني للتنظيم انه قوة عسكرية قوية جديرة بالاعتراف. سيطرة داعش على مساحات شاسعة من الاراضي عزز نظرية تميزه عن حاضنته الاصلية، تنظيم القاعدة، ووفر له امكانيات الادعاء بان لديه بنية دولة مهدت استقطابه لاعضاء جدد من شتى اقطار العالم.

واكد الناطق باسم تحالف واشنطن الدولي، ستيف وورين، ان قوات التحالف “ستواصل توفير غطاء جوي للقوات العراقية حتى تطهير الرمادي بالكامل.”

كما فتح الانتصار بوابة انحسار التنظيم الارهابي في واحدة من اهم مواقعه في البلاد، والذي شكل حاجزا مانعا امام تقدم الجهود المشتركة للعراق وسوريا في مكافحة الارهاب، ويقطع خطوط امداد التنظيم وتواصله الجغرافي مع تواجده في سوريا؛ فضلا عن وقف رهاناته بتهديد العاصمة بغداد عسكريا من مسافة جغرافية قريبة متى شاء.

استعادة الرمادي اعاد للجيش العراقي بعضا من الهيبة التي فقدها سابقا في مواجهات لم تكتمل مع التنظيم. اما المواجهة الفاعلة ضد التنظيم فتتأكد يوما بعد يوم انها تتطلب مشاركة دولية لالحاق الهزيمة به، يسخّر فيها سلاح الجو طاقاته لمساندة تقدم القوات البرية في ملاحقة ودحر عناصر التنظيم.

يشار الى ان تنظيم داعش تلقى هزيمة ثقيلة اضطر على اثرها للانسحاب من مدينة عين العرب – كوباني، خريف 2014، بفعل تضافر سلاح الجو والقوات البرية التي استبسلت في قتال عناصر داعش من بيت لبيت اسفرت عن مقتل بضع مئات من عناصره وخروجه منها مدحورا. تأخر سلاح الجو عن الانخراط وتوفير الغطاء للقوات البرية في معركة استعادة تكريت من داعش كانت مكلفة ومضت بوتيرة بطيئة، مما استوجب ادخال وحدات من القوات الخاصة الاميركية “ونحو 80 عنصر من القوات الخاصة الاسترالية” لتعزيز القوات العراقية.

في معركة الرمادي، ابدع سلاح الهندسة في القوات العراقية في تمشيط المنطقة وتطهيرها من العبوات المتفجرة باستخدامه معدات اميركية لازالة الالغام، واستغلت عنصر التنسيق بين القوات البرية والمدرعة بتوفيرها الغطاء الناري المطلوب للتطهير والتقدم.

بشائر النصر في الرمادي هي محطة على طريق طويل من التصدي لداعش وتدمير بنيته وتقليص نفوذه، ينبغي استثمارها دون تردد لمحاصرة التنظيم في مناطق اخرى تمهيدا لضربه في معقله شبه الحصين في “عاصمته” الموصل؛ وامتداداته في سوريا.

البعد الجيوسياسي وما ينطوي عليه من حسابات لاطراف متعددة ومتناقضة سيشهد مواجهات اخرى وتراجعات تكتيكية ينبغي عدم التوقف والتقهقر على خلفيتها. بكلمة اخرى، حسابات بعض القوى الدولية والاقليمية في هذا الشأن لا تطابق او تقارب الاوجاع والرؤى المحلية للعراق وسوريا، ومن المرشح ان تمضي ببطء حصر داعش في بقعة جغرافية اضيق مما هو عليه راهنا، لتوظيفه لاحقا بعد احداث تعديلات مؤاتية في التوازنات الاقليمية، مستثمرا اشاعة جو من تمدد الاعمال الارهابية في عدة مناطق جغرافية متباعدة، والتي يتقنها التنظيم لما يلقاه من رعاية ودعم وتأييد اقليمي ومحلي.

وقد عبر قائد القوات البرية السويسرية عن قلق بلاده من انتشار العمليات الارهابية قائلا ان “الوضع في انحدار مستمر .. تهديد الارهاب يتنامى، وحرب الشوارع تجري على امتداد الكرة الارضية؛ اما المستقبل الاقتصادي فهو قاتم وموجات هجرة اللاجئين الناجمة عنها اتخذت ابعادا غير مرئية.”

ما اراد قوله القائد السويسري ايضا ان تنظيم داعش سيلجأ لتفعيل خلاياه العاملة في الدول الغربية في غضون الاشهر القليلة المقبلة.

2 – تداعيات التجسس الاميركي على نتنياهو وأردوغان

خلفية مغايرة للتطمينات

تأهب الاميركيون لقضاء احتفالات السنة الجديدة، وبينما يقضي المسؤولون عطلتهم السنوية بعيدا عن واشنطن وهواجسها، انفردت يومية وول ستريت جورنال، في وقت متأخر من يوم الجمعة 29 ديسمبر، بالكشف عن “استمرار الولايات المتحدة في التجسس على اتصالات (بنيامين) نتنياهو،” دون ان يرافقه بيان من البيت الابيض ينفي ذلك.

يشار الى ان الرئيس اوباما قطع تعهدا سابقا “بتقليص التجسس الالكتروني” على حلفاء واشنطن، بعد كشف المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي، ادوارد سنودن، لبرنامج التجسس الرسمي قبل نحو عامين؛ كان من بين ضحاياه المستشارة الالمانية انغيلا ميركل ورئيسة البرازيل ديلما روسيف، وآخرين. من بين القادة الذين لم يشملهم تعهد اوباما الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.

اوصى الرئيس اوباما باستمرار وكالة الأمن القومي “التنصت” على اتصالات بنيامين نتنياهو نظرا “لتوفر مبرر قوي يتعلق بالأمن القومي الاميركي،” كما وصفه بعض المقربين من الدائرة الضيقة حول الرئيس اوباما؛ زرعت بموجبها معدات تنصت الكترونية متطورة داخل مكتب نتنياهو.

ترجح المصادر السياسية في واشنطن ان “التسريب” كان متعمدا من قبل الادارة، اذ من غير المستساغ ان يجري الكشف عن قضية حساسة بهذا الحجم “دون الحصول على موافقة الرئيس اوباما نفسه؛” وكأنه يرسل رسالة قوية اللهجة “للوبي الاسرائيلي .. يذكره بأن أمرا بالغ الأهمية شهد تغيرا في العلاقات الاميركية – الاسرائيلية؛ وكشفنا اساليبكم (للتدخل)، ونعوّل على ولاء المواطنين الاميركيين الذين سينتفضون غضبا من افعالكم.”

حادثة التجسس الاخيرة، وفق تقرير الصحيفة المذكورة “استهدفت وكالة الأمن القومي فيها قادة ومسؤولين اسرائيليين وتمكنت من استراق السمع على بعض احاديث هؤلاء السرية مع اعضاء في الكونغرس الاميركي ومع جماعات يهودية اميركية،” استطاع البيت الابيض بموجبها التعرف على الطريقة التي اتبعها نتنياهو ومستشاروه في افشاء تفاصيل المفاوضات “التي حصلوا عليها عبر جهود تجسس اسرائيلية.”

ايضا، ارسل البيت الابيض تحذيرا صريح العبارة لاعضاء الكونغرس الذين انضموا لحملة نتنياهو ضد السياسة الاميركية الرسمية، وتعمد عدم افشاء اسمائهم في المرحلة الحالية، ويحتفظ بحقه في “تسريب” هوياتهم لاحقا. بعض هؤلاء لجأوا الى “الطلب” من مدير وكالة الأمن القومي، مايكل روجرز، تقديم تقرير للجنتي الاستخبارات في الكونغرس للتوقف على اذا ما تعمدت الوكالة “رصد اتصالات الاعضاء” خلال عملية التنصت المذكورة، الذي يعد انتهاكا للقانون الاميركي. الوكالة “اكتفت” بالابلاغ المعنيين انها حذفتاسماء الشخصيات المتورطة قبل تقديم تقريرها للبيت الابيض، وكذلك اهملت كل البيانات المتعلقة بالتصريحات العدائية المناهضة لسياسة البيت الابيض.

الصحيفة اوضحت ان “الادارة الاميركية قررت عدم ازالة اجهزة التجسس” الخاصة بالتنصت على زعماء دول حليفة “نظرا لصعوبة اعادة زرعها وتفعيلها .. ان لم يكن من المستحيل استعادة القدرة على التوصل لتلك البيانات.” وفيما يخص نتنياهو تحديدا فان البيت الابيض كان دائم القلق من جهود نتنياهو “التشويش على المفاوضات النووية مع ايران.”

وكانت الصحيفة عينها قد نشرت تقريرا لها، 23 آذار/مارس 2015، اتهم “اسرائيل” بالتجسس على لقاءات سرية جمعت الوفد الاميركي المفاوض مع الدول الغربية المشاركة لمناقشة الملف النووي الايراني، واستغلال “اسرائيل المعلومات الواردة اليها حوله (وقامت) بتسريبها لعدد من اعضاء الكونغرس بغية معارضة” الاتفاق مع ايران. الأمر الذي اثار حفيظة البيت الابيض، كما وصفته شبكة (سي ان ان) الاخباري، مما حفز “مسؤول اميركي للقول ان التجسس شيء وتوظيف الاسرار ضد اميركا شيء آخر.”

تداعيات الكشف داخليا

اوضح استاذ العلوم السياسية في جامعة نوتر دام، مايكل ديش، ما يعتقده تفاعلات عملية التجسس وانعكاساتها على المشهد الداخلي الاميركي، الخاص باعضاء الكونغرس تحديدا، بالقول ان الكشف عن العملية “يؤشر بشكل قوي على (اولا) تباعد المصالح الاميركية والاسرائيلية في قضايا هامة مثل ايران؛ (ثانيا) تعرية آفاق التنسيق القوي بين اقطاب اللوبي (الاسرائيلي) والحكومة الاسرائيلية في مسعى تأثيرهما على وجهة السياسة الداخلية الاميركية.”

تملك الغضب وارتعدت فرائص اهم ركائز “اللوبي الاسرائيلي،” من نواب حاليين وسابقين في الكونغرس، ابرزهم رئيسة لجنة الاستخبارات السابقة عن الحزب الديموقراطي في مجلس النواب، جاين هارتمان، انتقدت بشدة برنامج التنصت على اعضاء الكونغرس ووصفته بانه “انتهاكاً صارخاٌ للحقوق الشخصية،” في حديث ادلت به لشبكة (ام اس ان بي سي) للتلفزة. واوضحت انها كانت قد طالبت وزير العدل السابق، اريك هولدر، اجراء تحقيق للتيقن من خضوع اي من اعضاء الكونغرس “او اي مواطن اميركي بريء” للتنصت على خصوصيته. واوضحت انها تعتبر ما جرى “تعسف استخدام السلطة .. انني احد اعضاء الكونغرس الذين قد تشملهم تلك الحملة.”

المفارقة ان هارتمان، ابان وظيفتها الرسمية في مجلس النواب، كانت من اشد المناصرين لبرنامج التنصت الشامل ابان عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن. ايضا، تدخلت هارتمان ابان تسلمها مهام وظيفتها لحرف مسار تحقيق كانت تجريه وزارة العدل الاميركية ضد “عميل اسرائيلي بتهمة التجسس،” في لجنة ايباك عرف لاحقا انه حاييم صابان، تعهدت له بتوسلها لدى وزارة العدل لتخفيف لائحة الاتهام بالتجسس. مقابل جهودها، صابان تعهد لها الطلب من رئيسة مجلس النواب آنذاك، نانسي بيلوسي، تأييدها لتعيين هارتمان رئيسة لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، عقب انتهاء انتخابات عام 2006، التي فاز بها الحزب الديموقراطي باغلبية مريحة.

تبارى ثلاثة من المرشحين عن الحزب الجمهوري لتوجيه سهام انتقاداتهم للرئيس اوباما وادارته “لاستهداف اسرائيل التي تعد الحليف الاساسي الموثوق” للولايات المتحدة. واوضحت يومية واشنطن تايمز، الاول من العام الجديد، ان المرشح بين كارسون وصف عملية التجسس علىة نتنياهو بانها “عمل مشين .. والرئيس اوباما تعامل مع حليفنا القوي والديموقراطي في الشرق الاوسط على انه عدوه الحقيقي.”

المسألة المحورية في تقرير صحيفة وول ستريت جورنال، تنصت نتنياهو واعوانه على مداولات وخطط الادارة الاميركية ابان مفاوضاتها الطويلة مع ايران، تغاضى عنها اعوان ومؤيدي “اسرائيل،” ابرز الرموز كان رئيس لجنة الاستخبارات السابق في مجلس النواب، الديموقراطي بيت هوكسترا، الذي استشاط غضبا من تقرير الصحيفة مطالبا “اخضاع وكالة الأمن القومي ومسؤولين في ادارة الرئيس اوباما للتحقيق وتقديمهم للمحاكمة ان ثبت صحة ما ورد في تقرير وول ستريت.” واضاف ان “وكالة الأمن القومي فقدت كامل مصداقيتها. أمر مروع.”

حصنت ادارة الرئيس اوباما الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة المانية انغيلا ميركل، وبعض رؤساء دول حلف الناتو – كما اسلفنا – من شبكة التنصت والتجسس. وابقت على استمرار جهود التنصت على كل من بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب اردوغان.

عقب كشف سنودن عن حملة تنصت اميركية منظمة ضد قادة دول حليفة واخرى صديقة لواشنطن، لجأت الادارة الاميركية الى تطمين اوثق حلفائها باستثنائهم من الحملة، تأكيدا لقلق خصومها من انها تستغل الامكانيات الهائلة المتاحة للأجهزة الأمنية المختلفة لاغراض سياسية تخصها، مما ينذر بمزيد من التباعدات والمزايدات بين الحزبين في ظل مناخات الانتخابات الرئاسية الجارية على قدم وساق.

رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، ديفين نونيس، اصدر بيانا يعرب فيه عن نية لجنته التحقيق في حيثيات تقرير صحيفة وول ستريت جورنال ”فيما يخص محاولات جمع معلومات استخباراتية من قبل الاجهزة الأمنية تتعلق باتصالات تمت بين مسؤولين في الحكومة الاسرائيلية وبعض اعضاء الكونغرس .. والتحقق من تطبيقها للقوانين والتدابير الخاصة المعمول بها.”

خصوم الرئيس اوباما، من الحزبين، لزموا جانب التطهر والامتثال المطلق بالقيم العليا، معتبرين ما جرى “اجراءات نعهد تطبيقها في دول العالم الثالث التي تستغل السيطرة على وكالة التجسس كوسيلة لمحافظة النظام السائد على نفوذه وهزيمة مناوئيه السياسيين. ينبغي ان تشكل (الحادثة) فضيحة كبرى حينما نجد تطبيقها داخل اراضي الولايات المتحدة.”

تجدر الاشارة الى ان تطبيق بعض اعمال التنصت والتجسس تم ابان عهد وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون، التي تلاحقها سلسلة متواصلة من العقبات بعضها يصل لدرجة الفضيحة، لا سيما لشغلها منصب عضو في فريق الأمن القومي للرئيس اوباما آنذاك. وعليه من المرجح ان تدخل قضية التنصت واستهداف نتنياهو ومؤيديه اعضاء الكونغرس موسم الانتخابات الرئاسية بقوة، والذين يتربصون بها لاستحداث اي هفوة قد تصدر عنها او لها علاقة بها.

السؤال المحوري يبقى قائما في مدى تأثير القضية على حظوظ ترشيحها عن الحزب الديموقراطي، خاصة وان منافسها بيرني ساندرز اعرب مرارا عن قلقه من برامج التجسس والتنصت منذ عام 2014، وربما يشكل عامل قوة يقفز بحملته الانتخابية ضد كلينتون.

الفترة القريبة المقبلة، لحين مطلع شهر تشرين الثاني / نوفمبر، حبلى بالمفاجآت لكافة المرشحين. وما علينا الا الانتظار والترقب.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s