التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية واشنطن ديسمبر-05-2015

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

ديسمبر 5  2015  واشنطن 

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6-portrait-e1374407891449

المقدمة

روسيا وسوريا تصدرتا اهتمامات ودراسات مراكز الابحاث الاميركية المختلفة، وتراجع التركيز على مؤتمر المناخ العالمي في باريس، ليحتل تحرك الرئيس الروسي بوتين محور التكهنات والتحليلات على ضوء الازمة اللولبية بين موسكو وانقرة.
في الداخل الاميركي، انشغلت وسائل الاعلام المختلفة بحادث اطلاق النار على حفل رسمي لموظفي مؤسسة اجتماعية، في مدينو بيرناندينو بولاية كاليفورنيا، وسارعت الاجهزة الأمنية الى تحديد هوية شخصين متهمين باطلاق النار بانهما زوجين مسلمين من اصول باكستانية، ولوحظ تصاعد حملات التحريض عبر منابر اعلامية ومن مرشحين عن الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة ترمي الى الصاق تهمة الارهاب بعموم المسلمين.
سيستعرض قسم التحليل التحولات الاخيرة على المشهد الميداني في سوريا وتعزيز الولايات المتحدة وحلفائها ووكلائها الاقليميين من الحضور العسكري الجماعي تحت يافطة استمرار التصدي لتنظيم الدولة الاسلامية. ولفت التطور المستجد انظار الخبراء والمراقبين السياسيين والعسكريين على السواء محذرين من التصعيد في الاجواء السورية “وتوفر فائض القوة النارية .. الذي يؤدي عادة لنشوب الحروب.”

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث 
تنويه واعتذار:
سقط سهوا في تقرير الاسبوع الماضي تسجيل تقرير صحيفة “الاندبندنت” البريطانية، في قسم التحليل عوضا عن قسم مراكز الابحاث، والذي اعتبر “السعودية” مصدراً للارهاب والارهابيين.

تداعيات اسقاط القاذفة الروسية في سوريا
اعرب معهد كارنيغي عن اعتقاده بأن اولى نتائج الحادثة “اغلاق فسحة الأمل الناجمة عن بدء عصر ذهبي جديد قصير الاجل في العلاقات الروسية – التركية،” فضلا عن ان ردود فعل الحكومة التركية لا تعدو كونها مسرحية سياسية، في ظل “اخفاق حزب العدالة والتنمية عن تحقيق هدفه باغلبية (الثلثين) .. تمكنه من تعديل الدستور وبلوغ (رجب طيب) اردوغان مرماه انشاء نظام رئاسي.” واضاف ان تصميم اردوغان على الظهور بموقف زعيم سياسي قوي امام الجمهور حفز “الحكومة على تصعيد خطابها السياسي “بدفاعها عن العالم التركماني،” ليس ضد المسلحين الاكراد فحسب، بل فيما يتعلق بتوجيهها انتقادات قاسية للتدخل العسكري الروسي في سوريا.”

http://carnegie.ru/commentary/2015/11/25/end-of-russian-turkish-golden-age/imca

ادلى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بدلوه فيما يخص احدث التصريحات الاميركية بنشر مزيد من القوات الخاصة في العراق وسورية، في مهمة “قوات استكشافية برية،” قائلا انه ينبغي اعتبارها “رصيدا تكتيكيا .. نظرا لخطورة تحولها الى اداة مزايدة سياسية عوضا عن قوات ضاربة، وامكانية تحولها الى بيدق يتم التضحية به” من قبل الادارة الاميركية. يشار الى ان وزير الدفاع آشتون كارتر وصف مهامها امام لجنة القوات المسلحة في جلس النواب، منتصف الاسبوع الماضي، بانها “قوة مشاة استكشافية متخصصة .. مهمتها شن غارات ضد قيادات تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا.” واعرب المركز عن قلقه من اضطرار الادارة للتحرك قبل الاوان نظرا “لحملة متزايدة من الضغوط تتعرض لها تؤدي الى تبيان تحرك الولايات المتحدة واتخاذها مزيد من الخطوات الملموسة في مواجهة الدولة الاسلامية.”

http://csis.org/publication/more-special-forces-iraq-and-syria-tactical-asset-or-strategic-tokenism

حذر معهد كاتو ادارة الرئيس اوباما بانه ينبغي عليها “الابتعاد عن الازمة المستجدة بين روسيا وتركيا في سوريا (لا سيما) وان التفجيرات التي تعرضت لها باريس لا يمكن ردعها عبر تحطيم التنظيم العسكري للدولة الاسلامية في سوريا والعراق.” واوضح ان أمن الولايات المتحدة “سيكون في افضل حال ان استطاعت (واشنطن) التشديد على ان التدابير الاستخباراتية والأمنية الداخلية باستطاعتها الصمود بذات الفعالية لاعاقة هجمات ارهابية كالتي نشهدها منذ احداث 11 أيلول.”

http://www.cato.org/publications/commentary/obama-should-stay-out-turkey-russia-crisis

اوضح معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى ما اعتبره “عنصر مخّل بشكل فريد” في قرار تركيا اسقاط القاذفة الروسية اذ سعت انقره عبره “ضمان مقعد لها على طاولة المفاوضات حينما يحين اوان انعقادها،” محذرا ان الضمانة الوحيدة لذلك هو “استمرار سيطرة القوات الموالية لتركيا على مناطق استراتيجية في الشمال الغربي من سوريا .. الأمر الذي يعزز أهمية الغارات الروسية ضد مواقع المسلحين الرامية لضعضعة تجمعاتهم، وفي نفس الوقت تقويض سياسة تركيا نحو سوريا بعد تقلصها مؤخرا.” واستدرك مستائلا عن “طبيعة الرد الروسي” في هذه المرحلة الحساسة.

http://warontherocks.com/2015/12/when-russia-howls-turkey-moves/

اعتبر معهد الدراسات الحربية تدخل روسيا العسكري في سوريا جاء بدافع “الحد من النفوذ الاميركي في المنطقة وليس بحافز الحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الاسلامية،” على الرغم من ان “موسكو تعتبر الدولة الاسلامية مصدر مخاوف أمنية مشروعة .. وفرصة سانحة لتحقيق اهدافها الاستراتيجية الكبرى.” واضاف ان الرئيس الروسي “يسخر حملة التضليل الاعلامي للتعتيم على حقيقة اهدافه في سوريا واستغلال الولايات المتحدة وحلفائها المحليين في مناورة ترمي لوضعهم في خدمة روسيا تحقيق اهدافها عن غير قصد.”

http://www.understandingwar.org/backgrounder/russias-false-narrative-syria-december-1-2015

استراتيجية اميركية ام ادعاء
جدد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حملة انتقاداته لسياسة الادارة الاميركية في سوريا معتبرا انها “لا تملك استراتيجية واضحة” هناك، خاصة في ظل تنامي الفضائح السياسية الداخلية التي أشرت على توفر دلائل كبيرة لتلاعب القادة العسكريين الكبار في التقارير الاستخباراتية حول حقيقة الحرب الميدانية لتخدم مزاعم القادة السياسيين بمراكمة انتصارات وهمية. وقال المركز ان واشنطن “لا تملك استراتيجية واضحة في سوريا .. وادعاءاتها بقتل وهلاك عدد كبير من مسلحي تنظيم الدولة لا معنى له ومضلل اكثر من المزاعم ابان الحرب الفيتنامية، وكذلك الامر فيما يخص الزعم باستعادة السيطرة على مناطق جغرافية.”

http://csis.org/publication/looking-beyond-tragedy-paris-still-no-clear-strategy-and-no-public-measures-effectivenes

جهد معهد المشروع الاميركي في التخفيف من حدة الانتقادات الموجهة للبيت الابيض لافتا النظر الى ان “قتال الدولة الاسلامية ليست جولة حرب عادية .. وينبغي علينا ايجاد السبل الضرورية لتعزيز فعالية القوات العسكرية في ظرف زمني مناسب.” واستشهد المعهد بالعقبات التي واجهت الرئيس ابراهام لينكولن لاخضاع انفصال الولايات الجنوبية ابان الحرب الأهلية الاميركية، والتي “كانت على وشك نيل اعتراف رسمي بها كدولة ذات سيادة من قبل لندن وباريس” آنذاك. واوضح ان الرئيس لينكولن وظف كفاءات عسكرية مشهود لها اوكل اليها مهمة “تمزيق احشاء المجتمع والاقتصاد لمنطقة الجنوب وتحويل نظام العبودية هناك الى اشلاء.”

http://www.aei.org/publication/the-fight-against-the-islamic-state-is-no-ordinary-war/

ناشد معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى الحكومة البريطانية “توسيع ضرباته الجوية ضد تنظيم داعش من العراق الى سوريا نظرا لما تتمتع به من قدرات ودوافع.. وتوسيع مجموعة الاهداف المحددة التابعة للتنظيم،” ورفد القوات الاميركية بموارد مساعدة “لا سيما طائرات ريبر بدون طيار واخرى للتزود بالوقود جوا .. تخفف عنها اعباء الخدمات اللوجستية والصيانة” لسلاح الجو الاميركي. واوضح ان قرار البرلمان البريطاني المنتظر للموافقة على الانخراط “سيعزز مواقف الشركاء الاخرين في فرنسا والمانيا” للانضمام بفعالية اكبر.

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/why-britain-should-expand-airstrikes-to-syria

التحليل

الناتو يصعد لاستدراج روسيا
اخطر مواجهة منذ الحرب الباردة

مخاطر الصدام في المشرق العربي
النيل من روسيا مخطط غربي قديم وليس نتاج لحظة صراع آني بل يسبق ولادة النظام الاشتراكي الذي كرسه لينين، ويستمر بضراوة اشد بعد تراجع نفوذ القطب العالمي الواحد. مراكز التوتر والصراع تستمر بمقربة من الحدود الاقليمية مع روسيا، من ناحية، ومحاصرتها في مناطق النفوذ القليلة المتبقية في الوطن العربي.
صراع روسيا وتركيا يضرب جذوره في اعماق التاريخ منذ العقود الاولى للدولة العثمانية ويمتد لما ينوف عن 500 عام، اشتبك فيها الطرفان 17 مرة في “حروب مباشرة،” فازت روسيا فيها جميعها، آخرها ادت تخلي تركيا عن نفوذها في شبه جزيرة القرم ابان الحرب بينهما بداية القرن التاسع عشر، وخسارتها “مناطق النفوذ العازلة” بينهما في جنوبي اوكرانيا.
تجدد الازمة بينهما وتصاعدها المضطرد “باشراف مظلة حلف الناتو” اعاد تنشيط الذاكرة لتفاقم الصراع الدولي مع تدهور الاوضاع الأمنية على الحدود المشتركة مع سوريا ومقاربة ظروف اندلاع الحرب العالمية الاولى وتشابه استغلال حوادث ثانوية آنذاك، من قبل القيصر الالماني فيلهلم وامبراطور النمسا فرانز جوزيف، وتسخيرها في خدمة اهداف سياسية ضيقة.
القيصر والامبراطور اليوم يجسدهما فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان. الاول يهدد تركيا بانها “ستندم على فعلتها،” والثاني يتوجه لدول الناتو طالبا مزيدا من الدعم العسكري، وان جاء رمزيا. القوات العسكرية للبلدين تقف في مواجهة بعضهما مباشرة على جانبي الحدود السورية، فضلا عن الحجم الهائل للترسانة العسكرية الروسية ووضعها على أهبة الاستعداد. الثابت ايضا ان كلا الدولتين تحافظان على ابقاء مسافة بينهما ولو ضيقة، تسمح بعدم الاقتراب من حافة الهاوية، لا سيما الطرف الاضعف منهما رغم ضجيج الصخب الاعلامي وقعقعة السلاح.
تركيا “سُمح” لها توخي لهجة التهدئة اعلاميا بينما يمضي حلف الناتو في تعزيز وجوده العسكري على الاراضي التركية. اردوغان من جانبه استحدث لهجة “الدفاع عن العالم التركماني،” اسوة بخطاب الدول الاستعمارية في “الدفاع عن الاقليات” العرقية والدينية.
ربما من سخرية القدر هذه الايام رؤية الدول المتورطة في نشوب الحرب العالمية الاولى عينها تتهدد وتتوعد اليوم باعتماد المواجهة العسكرية: فرنسا، المانيا، بريطانيا، اميركا، وتركيا. اليابان في محصلة الأمر ستقف الى جانب حلف الناتو لا محالة.
نوايا حلف الناتو بمحاصرة وتفتيت روسيا لم تعد حبيسة التكهنات ومنطق التحليلات السياسية. تحضرنا في هذا السياق ما اورده القائد الاميركي السابق لقوات حلف الناتو، الاميرال جيمس ستافريديس، مطلع عام 2014، محذرا من تفاقم وتيرة الصراع في وعلى منطقة الشرق الاوسط “وقد يمتد ليلتهم عموم منطقة الشرق الاوسط .. ويؤشر على تهديد حقيقي لأمن القارة الاوروبية.” واوضح في مغزى تصريحاته ان الدول التي ستمتد لها خطر الحروب هي “دول حلف الناتو في اوروبا واصدقاء (اميركا) في المنطقة، من السعودية للخليج العربي للاردن واسرائيل.” يشار الى ان الاميرال ستافريديس اشرف على قصف حلف الناتو لليبيا والعمليات العسكرية في دول بحر البلقان، ومناطق اخرى.
دروس التاريخ القريب والبعيد تؤكد حقيقة لجوء القيادات السياسية لقرع طبول الحرب كاحد الاساليب المفضلة لتعزيز مكانتها داخل مجتمعاتها، وحماية مصالح القوى المتنفذة، وتمديد السيطرة والنفوذ الى مناطق متعددة.

اميركا تهدد بصراع مفتوح
استغل الرئيس الاميركي باراك اوباما فرصة لقائه نظيره الروسي في مؤتمر المناخ في باريس للنفخ في ديمومة الصراع الدولي مع “الدولة الاسلامية .. التي تشكل تهديدا جديا لفترة زمنية قادمة،” متراجعا عن توصيفه السابق لها بأنها “لاعب مبتديء؛” ارفقه بالاعلان عن ارسال بلاده قوة اضافية من القوات الخاصة “في مهمة استكشافية” وشن عمليات خاطفة في سوريا والعراق.
نزعة التدخل العسكري في شؤون الغير هي رغبة متأصلة في جذور النظام السياسي، الاميركي والاوروبي. بيد انه ينبغي النظر الى الجولة الاخيرة في تعزيز التواجد العسكري الاميركي واتباعه الغربيين من زاوية المناخ الانتخابي المطبق على المشهد الاميركي، وما يواكبه من مزايدات ومواقف سياسية متشددة، والتي لا تقتصر على حزب او توجه سياسي معين. الثابت في هذا المجال ان بعض القيادات البارزة في الحزب الديموقراطي وانصارها في الطرف المنافس نجحت اخيرا في “ابتزاز” موقف الادارة وتعزيز مطلبها بالتدخل العسكري في سوريا – وان على مراحل.
على الطرف المقابل، برزت النائب عن ولاية هاوايي وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، تولسي غابارد، تحذر من تداعيات الانخراط العسكري، سواء ان كان مدروسا او بخلافه، وما ينطوي عليه من جر الولايات المتحدة الى “حرب نووية” مع روسيا هذه المرة.
واوضحت غابارد مصدر قلقها بأنه ناجم عن “نشر روسيا لنظم وبطاريات دفاعاتها الجوية المتطورة (في سوريا) مما سيضاعف من امكانية حدوث تصادم متعمد او عرضي” بين القوتين العظمتين.
اللافت ايضا ان ابلاغ الكونغرس بارسال مزيد من القوات الخاصة لسوريا والعراق جاء على لسان وزير الدفاع آشتون كارتر، في مثوله امام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، مناشدا الاغلبية من صقور الحرب اصدار تفويض جديد وصريح يخول الكونغرس بموجبه الرئيس اوباما شن حرب على تنظيم الدولة الاسلامية، ينزع القيود الراهنة على قانون التفويض لعام 2001 المعمول به حاليا.
وبرر كارتر دعوته بانه يتعين على اعضاء الكونغرس “النظر .. لشن القوات الاميركية غارات محددة الاهداف غير مقيدة في اي مكان من الاراضي السورية والعراقية .. اينما سنحت الفرصة لذلك،” وما سيترتب عليها من منافع وانجازات “تتيح لها انشاء ارضية افضل لجمع معلومات استخباراتية، ينطوي عليها تحديد اهداف اضافية، وشن مزيد من الغارات، وتعزيز قوة الدفع” العسكرية. لم يغفل كارتر الاشارة بوضوح الى ان مهام “القوات الخاصة الاستكشافية .. تتضمن قيامها بشن غارات احادية الجانب داخل الاراضي السورية.”
تباين تقييم المؤسسة العسكرية والبيت الابيض، فيما يخص “احتواء” داعش برز بوضوح في جلسة لجنة القوات المسلحة المشار اليها، نظرا لعزم الحزب الجمهوري على تفنيد ادعاءات الرئيس اوباما بأن “استراتيجيته” في المنطقة بدأت تؤتي أكلها. رئيس هيئة الاركان المشتركة، جوزيف دنفورد، ابلغ اللجنة المذكورة ان قيادات البنتاغون تختلف في تقييمها لتنظيم الدولة الاسلامية عن الصورة الصادرة عن البيت الابيض، اذ ان خطر التنظيم “لم يعد قيد الاحتواء.”

هجمات باريس ذريعة للتدخل
سارعت الدول الاوروبية الرئيسة، فرنسا وبريطانيا والمانيا، الى استثمار الهجمات المتزامنة في باريس لتواكب المطالب الاميركية بمزيد من الانخراط الفعلي ميدانيا، في سوريا والعراق، توجها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون باستصدار تفويض برلماني يخوله استخدام “سلاح الجو الملكي” شن غارات مكثفة على مدينة الرقة السورية – عاصمة دولة الخلافة الاسلامية.
المانيا، التي عادة ما تبرز فرط حساسيتها لارسال قواتها العسكرية خارج حدودها، انضمت لدعم المطلب الاميركي دشنته المستشارة انغيلا ميركل بموافقة حكومتها على ارسال قواب برية قوامها 1،200 عنصر ترافقها طائرات مقاتلة للعمل في الاجواء السورية؛ عزتها بارسال فرقاطة حربية “لحماية حاملة الطائرات الفرنسية” العاملة في مياه المتوسط.
وزارة الدفاع الالمانية اصدرت تقريرا عن تدني فعالية قواتها الجوية مقارنة بما كان عليه الوضع العام الماضي، اذ انخفض عدد طائراتها من طراز تورنادو من 89 الى 66، صلاحيتها للعمليات القتالية لا تتعدى 29 مقاتلة. يشار في هذا الصدد الى العقبات التي اعترضت مهام المقاتلات الالمانية في عمليات انزال اسلحة وذخيرة لقوى البشمرغة الكردية في شمالي العراق، وتوفيرها مساعدات طبية خلال انتشار وباء ايبولا في الغرب من القارة الافريقية.
زيادة عدد الطلعات الجوية من الدول الاوروبية المختلفة الى جانب المقاتلات الاميركية والتركية في الاجواء السورية يعزز مشاعر القلق من تدهور سبل السيطرة على العمليات العسكرية وحدوث اشتباكات مباشرة مع سلاحي الجو الروسي والسوري، واسقاط تركيا للقاذفة الروسية، وما رافقها من نشر روسيا لاحدث ما في ترسانتها من دفاعات جوية في الاراضي السورية؛ وما ينطوي عليها من استعداد البشرية لما هو اسوأ، كما عبرت عنه النائب الديموقراطي تولسي غابارد.
القطعات البحرية المختلفة تتزاحم ايضا في مياه البحر المتوسط والخليج العربي، كل لاسبابه وتبريراته المختلفة: اميركا وحلفائها في دول الناتو مقابل روسيا بالدرجة الاولى. المصادر الاعلامية الروسية اشارت مؤخرا الى غواصتين تركيتين تواكبات تحرك المدمرة الروسية، موسكوفا، بالقرب من شواطيء مدينة اللاذقية؛ ردت عليها روسيا بارسال سفينة امداد حربية عبرت مضيق الدردنيل رافقتها زوارق خفر السواحل التركية في رحلتها باتجاه الشواطيء السورية.

موسكو والناتو علاقة مضطربة
في العام 1997 عقدت سلسلة ترتيبات بين موسكو – يلتسين وقيادة حلف الناتو ارست قواعد “اشتباك” جديدة بينهما خولت روسيا مقعد المراقب في مداولات الحلف للحد من التوترات المستقبلية. لم تصمد العلاقات الودية امام اي امتحان منذ ذلك الزمن بدءا لاسباب تخص الحلف وقوته الاساسية المتمثلة في الولايات المتحدة لمحاصرة واحتواء روسيا، دشنها بالتعدي على دول الجوار الروسي، جورجيا، لادامة النزيف في الجسد الروسي.
لحظة الافتراق البينة بينهما كان العدوان الغربي على ليبيا، 2011، والمناوشات المستمر للحلف بالقرب من الحدود الاقليمية لروسيا: دول بحر البلطيق والجمهوريات السوفياتية السابقة. تصعيد حلف الناتو ضد روسيا لم يهدأ يوما احدثه جاء مؤخرا باعلان الحلف استعداده لضم “جمهورية الجبل الاسود” الى عضويته، مما عزز مشاعر القلق الروسية وتهديد موسكو باتخاذ “تدابير عقابية،” وفق تصريحات الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، لما تراه روسيا من “تمدد البنية التحتية العسكري للناتو شرقا، لن يسفر الا عن اجراءات عقابية من الجانب الروسي ..”
وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حذر اعضاء الحلف في شهر ايلول / سبتمبر الماضي من التمدد شرقا معتبرا الخطوة “خطأً، بل استفزازا .. وسياسة غير مسؤولة من شأنها تقويض الجهود لبناء نظام متساو وشراكة أمنية في اوروبا.”
في هذا السياق تنظر موسكو الى حادث اسقاط قاذفتها سو-24 من قبل سلاح الجو التركي، كجزء من من مخطط استهداف له ابعاد جيواستراتيجية، يستدعي الرد عليه بحزم وحكمة.
تصعيد الناتو واجهته موسكو بتصعيد عسكري مماثل في القوة باجرائها تجربة ناجحة على نظام صاروخي جديد، نودول، باستطاعته اسقاط الاقمار الاصطناعية العسكرية الاميركية في الفضاء الخارجي، باستغلاله نقاط ضعف بنيوية في تلك الاقمار. واشد ما يخشاه الاميركيون قدرة موسكو على توجيه بضعة رؤوس متفجرة لا تتعدى 20 صاروخا لتشل قدرة الاقمار الاصطناعية الاميركية للمهام الاستخباراتية بالكامل، فضلا عن تقويض حركة الملاحة الفضائية والحاق الضرر بتقنية الاتصالات المتطورة المستخدمة في اغراض عسكرية.

حقيقة اهداف واشنطن وحلفائها
يجمع الاخصائيون الاميركيون على النتائج الاولية للتدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا بأنه ضرب مخططات حلف الناتو في الصميم لناحية ادامة الصراع الدامي والحيلولة دون التوصل لحل سياسي، لا سيما وان دخول احدث الدفاعات الجوية للاراضي السورية اضاع فرصة تركيا ودول الحلف بانشاء “منطقة آمنة .. او حظر للطيران” في الشمال السوري.
ولا يفوتهم الاشارة الى تصميم القيادة الروسية الدخول في مواجهة عسكرية، ولو محسوبة، للدفاع عن مصالحها كما جرى في اوكرانيا والآن في سوريا. قرار الدخول في حرب جديدة ليس ايسر الخيارات بالنسبة للدول الاوروبية تحديدا، والتي “فرضت” عليها واشنطن اقتطاع مزيد من الموارد المالية لدعم ميزانياتها العسكرية بنسب متفاوتة، 2 الى 7 بالمائة، في ظل ازمات اقتصادية متجددة لن تكون اليونان حالة استثنائية بينها.
من الملاحظ تزايد الجدل السياسي في الداخل الاميركي وتناغم خطابه مع نزعة “احتواء” الازمة في سورية وليس القضاء على الارهاب كما يروج اعلاميا. الثابت ان واشنطن وحلفاءها في حلف الناتو ووكلائها في الخليج العربي يجهدون في الابقاء على تنظيم الدولة الاسلامية ضمن حدود السيطرة عليه واستغلاله لادامة النزيف السوري استعدادا للفرصة غير المرئية في اضعاف الدولة السورية؛ وفي نفس الوقت تخشى الدول الغربية بشكل خاص امداد التنظيم باسلحة ومعدات تمكنه من فك قيود السيطرة عليه. اتخاذ موقف متوازن بين الخيارين أمر لا يحظى باجماع حتى اللحظة.
الترجمة العملية لسياسة “الاحتواء” هي توفير الفرصة الضرورية للادارة الاميركية بالقاء سهام الاتهامات بعيدا عنها وابعادها قدر الامكان عن ادامة اتهامها بالعجز او الفشل الأمني والاستراتيجي. اركان الادارة الاميركية يدركون بوعي ان مهمتهم تنحصر في ابقاء جذوة الازمة مفتوحة وتحت السيطرة، الى حين تسلم الادارة المقبلة زمام السلطة في شهر كانون2 لعام 2017.
الارضية الفكرية لصاحب القرار السياسي في واشنطن، مؤسسات وقوى ومصالح مختلفة، تنسج لحمتها ضمن معادلة “ادارة الصراع،” وليس حله بالضرورة الا حينما يتطابق الحل مع المصالح الاميركية العليا، كما شهدنا في جهودها لتشظي دول البلقان واغراقها بحرب دموية الى ان حانت فرصة اتخاذ قرارها بمفردها مع غياب الاتحاد السوفياتي عن المسرح الدولي، واغراق روسيا-يلتسن بازمات مفتعلة وان كان بعضها يجد مبررات اقتصادية واجتماعية.
تسابق الترسانات البحرية لدول حلف الناتو مجتمعة وروسيا بالمقابل، في قلب الوطن العربي، ينذر بخروج الازمة عن السيطرة وميل بعض القوى الفاعلة ارتكاب خطأً ميداني يجر القوى الاخرى الىمواجهات مباشرة غير محمودة العواقب.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s