دور مراكز الدراسات في صنع السياسة الخارجية الأمريكية

 

  • (الكاتب/ (دكتور في كلية العلوم السياسية- جامعة دمشق مدير المركز الوطني للبحوث والدراسات عضو اتحاد الكتاب العرب
  • http://thevoiceofreason.de/المصدر
  • تاريخ المقال : 2015-06-16 

إن النظام الأمريكي يسمح لمختلف القوى والتيارات المجتمعية الإدلاء برأيها والتأثير في السياسة الخارجية دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث انقلاب حاد في التوجهات العامة للحكومة الأمريكية. 
وتحظى دراسة مؤسسات الفكر والرأي باهتمام خاص لأنها منبع لمختلف الأفكار والنظريات التي تؤثر بشكل أو بآخر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقد برهنت أحداث أيلول 2001 على تزايد أهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات الأكاديمية في هذا المجال. 
لقد ظهرت هذه المؤسسات نتيجة دعوات لجعل عمل الحكومة الأمريكية عملاً مؤسساتياً، قائماً على الحرفية ومتوائماً مع أحدث النظريات السياسية والاقتصادية.
إن هذه المؤسسات تؤمن لصانع القرار السياسي خمس فوائد رئيسة: فهي تولد تفكيراً جديداً لدى صانعي السياسة الأمريكية، وتوفر خبراء للعمل في الحكومة والكونجرس، وتؤمن لصانع السياسة حيزاً لإيجاد تفاهم مشترك على الخيارات السياسية المختلفة، وتثقف المواطن الأمريكي عن العالم، وتوفر إمكانية قيام فريق ثالث بالوساطة بين طرفين متنازعين.(1)

فما هي هذه المؤسسات؟ ومتى نشأت؟ وما آلية عملها ومصادر تمويلها؟ وما تأثير أحداث 11 أيلول 2001 على دور هذه المؤسسات في التأثير على السياسة الأمريكية؟. 

1- تعريف مؤسسات الفكر والرأي: 
لعل التعريف الأكثر تداولاً لمراكز الأبحاث  هو تعريف دونالد إبلسون أستاذ العلوم السياسية في جامعة ويست أونتاريو حيث عرفها بأنها: هيئات ذات توجه بحثي لا تهدف إلى الربح، ولا تعبر عن توجه حزبي معين – دون أن ينفي ذلك عنها الصفة الإيديولوجية – وتتمثل أهدافها الرئيسة في التأثير على الرأي العام والسياسات العامة.(2)

2- نشأة مؤسسات الفكر والرأي وتطورها: 
إن مؤسسات الفكر والرأي هي مؤسسات مستقلة، تم إنشاؤها بهدف إجراء الأبحاث المتصلة بالسياسة. وهي تسد فراغاً في غاية الأهمية بين العالم الأكاديمي من جهة، وعالم الحكم من جهة أخرى.
ومع بروز الولايات المتحدة كدولة عظمى في العالم، ظهرت هذه المؤسسات كجزء من حركة تستهدف الاحتراف في العمل الحكومي. وكانت رسالتها المعلنة غير سياسية، فهي تهدف إلى تزويد المسؤولين بالنصائح السياسية غير المنحازة. 
ومن الأمثلة لهذه المؤسسات: مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي التي تأسست عام 1910، وتعد أول مركز أبحاث مخصص للسياسة الخارجية فقط. وقد أنشئت للتحقيق في أسباب الحروب والعمل على إيجاد الحل السلمي للنزاعات. وتضم مجموعة كبيرة من الخبراء والأكاديميين البارزين، وقد شكلت عام 1921 ما يعرف بـ مجلس العلاقات الخارجية. 

وفي المراحل الأول لنشأتها، نأت هذه المراكز بنفسها عن التحزب السياسي، باعتبار أن مهمتها الأساسية هي خدمة الصالح العام من جراء تزويد الحكومة بوجهات نظر حيادية ونصائح متعلقة بالسياسات التي تخدم الأمة ككل. 
أما الموجة الثانية من مؤسسات الفكر والرأي فقد برزت بعد عام 1945، عندما أصبحت الولايات المتحدة تدافع عن العالم الحر ضد التهديد السوفييتي السابق. وقد قدمت الحكومة الأمريكية دعماً كبيراً لهذه المؤسسات. 
أما الموجة الثالثة من مؤسسات الفكر والرأي فقد ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة، بهدف تقديم المشورة السياسية المطلوبة في الوقت المناسب، بهدف التأثير في القرارات السياسية. وقد شهدت هذه المراكز الأكاديمية عصرها الذهبي في عهد الرئيس بيل كلينتون، إذ استعانت إدارته بمجموعة من الأكاديميين الذين اختارهم الرئيس وما يتناسب مع توجهاته السياسية. 
وفي مطلع القرن الحادي والعشرين بلغ عدد مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة زهاء /2000/ مركز، تغطي بنشاطاتها جميع ألوان الطيف السياسي الأمريكي. وتعد هذه المراكز شديدة التنوع لجهة الأفكار التي تقدمها، والتمويل الذي تحصل عليه والنفوذ الذي تتمتع به. 

3- آلية عمل مؤسسات الفكر والرأي: 
تقوم مؤسسات الفكر والرأي بالتأثير على صانع القرار بخمس طرق مختلفة وهي: 

أ- توليد أفكار وخيارات جديدة: إذ تقوم هذه المراكز بتقديم الأفكار الجديدة إلى مؤسسة السياسة الخارجية وهو ما يؤثر في طريقة تفكير صانع القرار، وتحدد ردود أفعاله تجاه مختلف القضايا الدولية. وتساعد هذه الأفكار على ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. ومن الأمثلة على ما قدمته هذه المراكز من مقترحات في مجال السياسة الخارجية: اقتراح إنشاء هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945.(3) وكذلك مبادىء سياسة الاحتواء التي انتهجتها الولايات المتحدة تجاه الاتحاد السوفييتي السابق وأدت إلى سقوطه.(4) وكذلك أطروحة صراع الحضارات لـ صموئيل هينتغتون الأستاذ في جامعة هارفارد التي نشرها في مجلة فورين أفيرز عام 1993. 

ب- إيجاد مجموعة جاهزة من الاختصاصيين للعمل في الحكومة: إذ تقوم هذه المراكز بإيجاد خبرات مهمة للعمل في الإدارات الأمريكية القادمة إلى السلطة والكونجرس المنتخب. فمع وصول الرئيس بوش الابن إلى الحكم اعتمد على عدد كبير من الخبراء القادمين من المؤسسات الأكاديمية لملء الفراغ في عدد كبير من المناصب.(5) فمثلاً تم تعيين جون بولتون مساعداَ لوزير الخارجية لشؤون التسلح والأمن الدولي، بعد أن كان نائب رئيس مؤسسة أمريكان إنتربرايز. ثم أصبح سفير الولايات المتحدة في مجلس الأمن. 

ج- تتخذ مكاناً للنقاش: بتنظيم لقاءات دورية مع صناع القرار للإطلاع على ماهية السياسات المتبعة ضمن الحكومة، وتكون منبراً لأصحاب القرار لشرح سياساتهم للنخب الفكرية والثقافية وقادة الرأي داخل المجتمع وبهدف تكوين حالة من الإجماع والتأييد لهذه السياسات. 
ويدرك صانع القرار الأمريكي أن أي توجه في مجال السياسة الخارجية لن يكتب له النجاح دون مباركة أكبر عدد ممكن من قادة الرأي العام وخبراء الشؤون الخارجية ودعمهم. 
ويعد مجلس العلاقات الخارجية المنبر الأهم لصناع القرار الأمريكي لشرح سياساتهم وأهدافهم، حيث يستضيف المجلس مئات اللقاءات مع المسؤولين على مدار العام، في واشنطن ونيويورك ومدن أمريكية أخرى. 

د- تثقيف مواطني الولايات المتحدة عن العالم: لأن تثقيف الجمهور بالقضايا الخارجية وحشد تأييده لسياسة معينة من أبرز المهام التي تقوم بها مراكز الأبحاث في إطار عملها بالشأن العام. وقد ازدادت أهمية هذا الدور بعد انتهاء الحرب الباردة وانتهاج الإدارة الأمريكية سياسة أكثر تدخلية بعد أحداث 11 أيلول 2001.
وقد أدت العولمة الاقتصادية، وازدياد الحاجة إلى الأسواق الخارجية لتصريف المنتجات الزراعية الأمريكية خاصة، وتنامي الخوف من انتقال الأمراض المعدية، وهاجس وقوع هجمات على المصالح الأمريكية داخل الولايات المتحدة وخارجها إلى زيادة اهتمام الجمهور الأمريكي بالشؤون الخارجية. 

ويوجد حالياً ثمانون مجلساً للشؤون العالمية، منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة. تتخذ منتديات قيمة يمكن فيها لملايين المواطنين أن يتناقشوا في الأحداث الدولية. وعليه فقد أصبح للمواطن الأمريكي حصة متنامية في السياسة الخارجية. 
هـ- المساعدة في حل النزاعات الدولية: وتقوم هذه المراكز بدور الوسيط في حل النزاعات الدولية. ويسعى معهد السلام الأمريكي إلى ترتيب حوارات ومفاوضات غير رسمية بين أطراف متنازعة، ويقوم بتدريب المسؤولين الأمريكيين للتوسط في حل النزاعات المستعصية. وهنالك مراكز أخرى تنهض بأدوار أكثر فعالية في مجال الدبلوماسية الوقائية، وإدارة النزاعات وحلها. 
وتنهض هذه المؤسسات بدور إضافي كمنظمات غير حكومية ناشطة في قضية معينة. فمثلاً: مجموعة الأزمات الدولية تقوم بنشر شبكة من المحللين في بؤر التوتر في العالم لرصد الأوضاع السياسية المتفجرة، وتقوم بوضع توصيات مبتكرة ومستقلة من أجل إيجاد ضغط عالمي لإيجاد حل سلمي لها. 

4- مصادر تمويل هذه المؤسسات: 
إن مراكز الأبحاث هذه لا تقيس نجاحها بهامش الربح الذي تحققه، بل بقدرتها على تشكيل الرأي العام والتأثير في رسم السياسات. وقد أصبحت في الفترة الأخيرة أشبه ما تكون بجماعات الضغط Lobbies أو مجموعات المصالح Group interests التي تتنافس لزيادة نفوذها السياسي. 

أما مصادر تمويل هذه المؤسسات فهي: 
– بعض هذه المؤسسات لديها منح ضخمة فلا تقبل بالتمويل الحكومي، أو تقبل بالقليل منه. مثل: بروكينز. 
– تحصل بعض هذه المؤسسات على إيراداتها من عقود تقدم فيها خدماتها للقطاع الخاص أو للحكومة. مثل مؤسسة راند. 
– وبعض هذه المؤسسات يعتمد بشكل كامل على الدعم الحكومي. مثل معهد السلام الأمريكي. الذي أنشأه الكونجرس عام 1987 وهو الذي يقرر ما يقدم له من دعم مالي بموجب موازنة خاصة يقرها الكونجرس. 
ويعود السبب الرئيس في محاولة مراكز الأبحاث النأي بنفسها عن ميدان العمل السياسي إلى رغبتها في الحفاظ على استقلاليتها كمؤسسة علمية. 

5- أشهر هذه المؤسسات: 
يوجد في الولايات المتحدة أكثر من ألف مؤسسة للفكر والرأي موزعة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ويقع ما يقارب /102/ منها في العاصمة السياسية واشنطن.(6) ويغطي مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية السياسة الخارجية الأمريكية بشكل كامل. 
– مؤسسة كارينغي لأبحاث السلام: وقد تأسست هذه الهيئة عام 1910 بمبادرة من البارون Andrew Carnegie للبحث في أسباب الحروب وتشجيع الحلول السلمية للمنازعات الدولية، فكانت أول مركز أبحاث يختص بالشؤون الخارجية. 
– مؤسسة هوفر للحرب، الثورة والسلام: أسسها الرئيس الأمريكي الأسبق هيربرت هوفر عام 1919 وهنالك العديد من المراكز التي ارتبطت بأسماء رؤساء سابقين لتكريس إرثهم السياسي وأشهر هذه المراكز مركز كارتر في أتلانتا – جورجيا. ومركز نيكسون للسلام في العاصمة واشنطن. وقد أصدرت هذه المراكز عدداً كبيراً من الدراسات ونظمت حلقات نقاش ومؤتمرات في عدد من القضايا الداخلية والخارجية.
– مؤسسة راند RAND: أنشئت عام 1948 للمساعدة في حماية المصالح الأمنية الأمريكية في العصر النووي، وحصلت فور نشوئها على دعم مالي من هيئة أركان سلاح الجو ونشرت لصالحه دراسات مهمة في تحليل النظم والتفاوض الاستراتيجي ونظرية اللعبة. وقد شكلت هذه المفاهيم الأساس الذي بنت عليه الولايات المتحدة سياساتها الدفاعية ومفهومي الردع والاحتواء طوال سنوات الحرب الباردة.(7) وتعد مؤسسة راند الأكثر عراقة من بين مراكز البحث التي تهتم بشؤون السياسة الخارجية والدفاع، ويعمل فيها أكثر من /1000/ باحث بموازنة تزيد على 100 مليون دولار. 
– مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: تأسس عام 1962.

6- تأثير مؤسسات الفكر والرأي في السياسة الخارجية الأمريكية: 
على الرغم من أن مؤسسات الفكر والرأي منتشرة في العديد من دول العالم، إلا أن ما يميز المراكز الأمريكية عن غيرها هو تأثيرها الهائل في مجال صنع السياسة الخارجية الأمريكية. 
ويقول ريتشارد هاس: (في أكثر الأوقات صعوبة بالنسبة للسياسات الأمريكية في العالم، تشكل هذه المراكز عيوناً وآذاناً للحكومة الأمريكية).(8)
ويعد دور مؤسسات الفكر والرأي من أكثر المؤثرات في صياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة وأقلها فهماً وتقديراً. فقد قامت هذه المؤسسات التي تعد مراكز أبحاث سياسية مستقلة، والتي تشكل ظاهرة أمريكية مميزة، بصياغة التعاطي الأمريكي مع العالم لفترة تقارب المئة عام. وتجلى نشاط هذه المؤسسات بإصدار الكتب والمجلات العلمية المحكمة وغيرها من المنشورات التي هدفت منها إلى التأثير في الشأن العام. 
لقد ساعدت هذه المؤسسات الإدارات الأمريكية في نشر الوعي بقضايا السياسة الخارجية في أوساط الجمهور الأمريكي والدفاع عن أفكار التدخليين في الفترة التي ساد فيها الفكر الانعزالي في أمريكا في الفترة الفاصلة بين رفض الكونجرس الانضمام إلى عصبة الأمم واندلاع الحرب العالمية الثانية. 

وتسعى معظم مراكز الأبحاث إلى تجنيد أكبر عدد ممكن من السياسيين المتقاعدين بغرض الاستفادة من خبراتهم وربط الحقل النظري بحقل السياسة. فعلى سبيل المثال: تلقى الرئيس كلينتون بعد انتهاء ولايته عروضاً للتدريس في جامعات عديدة فيما أصبح نائبه آل غور أستاذاً للصحافة في جامعة كولومبيا. وأنشأ جيمس بيكر معهداً للسياسة العامة في جامعة رايس في تكساس. 
ويعد هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق ثم وزير الخارجية في إدارة نيكسون، أشهر من ترك بصماته على السياسة الخارجية من المؤسسات الأكاديمية. وتضم هذه الفئة أيضاً زيغينو بر جنسكي ومادلين أولبرايت وفي الإدارة الحالية كوندوليزا رايس. 
إن هذه الظاهرة (ظاهرة التناوب الأكاديمي– السياسي) تعد على الرغم من نخبويتها من أبرز علائم التداخل المجتمعي مع الدولة في الولايات المتحدة ويطلق عليها اسم “سياسة الباب الدوار”. 

ومما يزيد من تأثير الأكاديميين ونفوذهم، أن الرأي العام الأمريكي يثق بالأكاديميين أكثر من ثقته بالسياسيين لاعتقاده بأن الأكاديميين يعرضون وجهات نظر موضوعية مجردة عن الأهواء والمصالح التي تحكم عمل السياسيين. فعلى سبيل المثال: وقبل أن يفوض الكونجرس الرئيس بوش الابن حق استخدام القوة ضد العراق في شهر تشرين الثاني 2002 جرى استدعاء عدد من الخبراء لتحديد المخاطر وفرص النجاح أمام أي عمل عسكري للإطاحة بالرئيس صدام حسين. ومن بين من تم استدعاؤهم للاستماع لرأيه كينث بولاك الذي قلل من مخاطر تعرض الأمريكيين لمقاومة في العراق. وكذلك فؤاد عجمي الذي أبلغ الكونجرس أن العراقيين سيستقبلون القوات الأمريكية الغازية استقبال المحررين. 

إن هذه المؤسسات لم تسع أول الأمر إلى التأثير في القرارات السياسية بشكل مباشر بل سعت إلى زيادة الوعي بين الجمهور وصناع القرار بمزايا تنفيذ مجموعة معينة من الخيارات السياسية. وتساعد هذه المؤسسات في إثراء الثقافة المدنية الأمريكية عن طريق تعريف مواطني الولايات المتحدة بطبيعة العالم الذي يعيشون فيه. وقد زاد تسارع وتيرة العولمة من أهمية وظيفة التواصل مع الجمهور. فمع ازدياد اندماج العالم أكثر فأكثر باتت الأحداث العالمية تطال حياة المواطن الأمريكي العادي وتؤثر فيها. 

إن مشاركة مراكز البحث الأمريكية في صنع القرار- بشكل مباشر أو غير مباشر- ومدى استعداد صانع القرار إلى الاستئناس بآرائها هو ما يعطي هذه المراكز القوة لممارسة أشد أنواع التأثير في مجال صنع القرار. 
ويعد الديمقراطيون أكثر ميلاً إلى استقطاب الأكاديميين من خصومهم الجمهوريين. ففي حين يأتي معظم صناع القرار في الإدارات الجمهورية من المجمع الصناعي الحربي وقطاع النفط (كما هو الحال في إدارة الرئيس بوش الحالية) يتم شغل المناصب الكبيرة والمتوسطة في الإدارات الديمقراطية بالدبلوماسيين المحترفين والمحامين والأكاديميين. 
ولابد من الإشارة إلى أن طبيعة النظام الأمريكي المنفتح وغياب نظام حزبي صارم، إضافة إلى التبرعات والهبات الكبيرة التي يقدمها كبار المساهمين هو ما أدى إلى ازدهار هذه الظاهرة. 

7- تأثير أحداث أيلول على دور المؤسسات الفكرية والسياسية في صنع القرار الأمريكي: 
مع وصول الرئيس بوش الابن إلى الرئاسة في العام 2000، ومع أنه لم يكن متحمساً بشكل خاص للأكاديميين غير أنه لم يتجاهلهم كلياً لكنه استبعد الليبراليين منهم واستعاض عنهم باليمين المحافظ. فأصبحت كوندوليزا رايس أستاذة العلاقات الدولية في جامعة ستانفورد مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي ومن ثم وزيرة للخارجية الأمريكية. وأصبح بول وولفيتز الأستاذ في جامعة هارفارد نائباً لوزير الدفاع ثم رئيساً للبنك الدولي. 

وللدلالة على اعتماد الرئيس بوش على الأكاديميين نشير إلى أسماء معدي الدراسة التي قدمت للرئيس بوش في مستهل ولايته الأولى وتناولت الوضع في الشرق الأوسط تحت عنوان: “الإبحار وسط العواصف: الولايات المتحدة والشرق الأوسط في القرن الجديد”. فقد ضمت المجموعة التي أعدت التقرير /56/ اسماً لامعاً بعضها عمل في الحقل السياسي وانتقل إلى السلك الأكاديمي وبعضها الآخر خدم في الجامعات وانتقل إلى السلك الحكومي، والأكثرية خدمت في المجالين.

وبعد وقوع أحداث أيلول استغلت مراكز الأبحاث الأمريكية هذه الأحداث للتأكيد على دورها الأساسي في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية.(9) فوجد الرئيس بوش نفسه مضطراً للاعتماد بشكل متزايد على الأكاديميين، فجرى تعيين البروفيسور زلماي خليل زاد عضواً في مجلس الأمن القومي ومستشاراً للرئيس لشؤون أفغانستان، ثم سفيراً في العراق. وأصبح يستعين بـ برنارد لويس (أستاذ برينستون) وفؤاد عجمي (أستاذ الشرق الأوسط في جامعة هوبكنز) لحضور اجتماعات مجلس الأمن القومي. وأخذت هذه المراكز تتجه بقوة نحو اليمين، وقد شهد مجلس العلاقات الخارجية الذي يعد أبرز مراكز البحث الليبرالية انعطافة شديدة بهذا الاتجاه، بلغ حد تولي أحد رموز إدارة بوش – رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية– ريتشارد هاس رئاسته. والمعروف أن هاس أسهم في وضع العقيدة الأمنية الجديدة للولايات المتحدة وهو أيضاً من أنصار مبدأ الضربة الوقائية. ونتيجة لانتقاله إلى هذا الموقع أخذت المؤسسة المعروفة بلبراليتها تنحو إلى تبني بعض أفكاره التي هي جزء من سياسات الإدارة الحالية ونظرياتها الأمنية.(10)

ومن المفارقات التي فرضتها أحداث الحادي عشر من أيلول أنها حولت بعض الأفكار المهملة إلى سياسات وجعلت من أصحابها نجوماً في المجتمع الأكاديمي ووسائل الاعلام. والملفت أن أكثر المستفيدين من هذا الحدث لم يكونوا فوضويين من أمثال نعوم تشومسكي أو يساريين من أمثال عمانويل والشتاين – ممن دأبوا على انتقاد النظام السياسي الأمريكي وفضح لعبة الاحتكارات الكبرى المهيمنة عليه– بل أشخاص من المحسوبين على التيار المسيطر على المؤسسة السياسية والفكرية الأمريكية. وكان من بينهم أستاذ السياسة الدولية في جامعة هارفارد صموئيل هينتغتون والمؤرخ اليهودي برنارد لويس. ونشوة الأول أتت من أن هجمات سبتمبر حولت نظريته “صراع الحضارات” إلى واقع بعد أن ظلت سنوات عديدة مجرد فانتازيا فكرية. أما الآخر فقد جعلت الهجمات أفكاره وتوصياته -التي ظل ينادي بها على مدى نصف قرن- مرشداً للسياسة الخارجية الأمريكية. 

مما تقدم لابد من الإشارة إلى أن هذه المؤسسات تقوم بمهامها بمعزل عن وسائل الإعلام، لذلك فقد حظيت باهتمام أقل مما تحظى به بقية دوائر صنع القرار الأمريكي. 
ويوجد في الإدارة الأمريكية الحالية العديد من كبار الموظفين الذين لهم خلفيات في مؤسسات الفكر والرأي. لذلك فإن انتصار الديمقراطيين في أي معركة رئاسية قادمة قد لا يعني بالضرورة تغير السياسة الأمريكية. لأن أي إدارة قادمة ستجد نفسها أسيرة التغيرات التي أفرزتها أحداث أيلول والتحولات الفكرية التي طالت اليمين واليسار وراحت تفرض نفسها بصورة متزايدة على الحياة الأمريكية. 

إن هذا الوضع سينعكس حتماً على صانع القرار الذي سيجد نفسه محاصراً بنخبة فكرية – محافظة وليبرالية- تدعم التدخل الأمريكي في شؤون العالم. ورأي عام مهووس بموضوع الأمن. وإعلام أخذ على عاتقه تسهيل المهمة. 
وإن أي إدارة قادمة تحاول الخروج عن هذه الأطر ستجد نفسها عرضة لاتهامات بالضعف والتفريط. وعليه يجب أن لا نتوقع أن تكون السياسة الأمريكية في المرحلة القادمة، أقل عدوانية أو أكثر عقلانية، بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض (جمهورياً أم ديمقراطياً). 

المراجع: 
– http: //usinfo . state . gov/ journals / itps/ 1102/ ijpalhaass. Htm . 
2 – Abelson , Donald E . (2002) , Think Tanks and U.S . Foreign Policy : November. P. 10 . 
3 – Ricci , David M .(1994) , The Transformation of American Politics : The New Washington and The Riseof Think Tanks ( New Haven, CT: Yale University) . 
4 – وضع مبادىء سياسة الاحتواء السفير الأمريكي في موسكو جورج كينان، ونشرها في مجلة فورين أفيرز بعنوان: (أسس السياسة السوفييتية) وقد حملت هذه المقالة توقيع x عام 1947.
5 – Hass, Richard N.(2002) Think Tanks and U.S. Foreign Policy : A Policy – Makers Perspective , November , pp. 5 . 
6– سميث، جيمس آلان (1994) ، سماسرة الأفكار، ترجمة مجدي عبد الكريم، القاهرة: مكتبة مدبولي، مذكور لدى د.خلف الجراد في كتاب أبعاد الاستهداف الأمريكي، ص115. 

7 – Rich, Michael D.(2002) : Rand: How Think Tanks Interact with the Military , in U.S. Foreign Policy Agend, An Electronic Journal of the U.S.Department of state, Vol.No.7,No.3. November p22-25. 
8 – Ibd. p.8. Hass, Richard N.(2002) Think Tanks and U.S.
9- D Agostino , Joseph A.(2002) CATO Institute, Human Events , Vol .58,No. 19 (May 20) p.14. 
10 – قبلان، مروان (2005)، دور مراكز الأبحاث في صناعة القرار السياسي الأمريكي، جامعة دمشق، مجلة دراسات استراتيجية، العدد 16، ص37-38.

http://thevoiceofreason.de/

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s