آخر الاختيارات المضلِّلة في أفريقيا

Photo of Mahamoud Ali Youssouf

 محمد علي يوسف وزير الشؤون الخارجية و التعاون الدولي بجمهورية جيبوتي

PROGECT SYNDICATE بروجكت سانديكيت

نوفمبر NOV 20, 2014

                                                                                    75efb88c2bf664667a6532883eac20d1.landscape

جيبوتي ــ مع صعود الاقتصادات الآسيوية ورغبتها في الاضطلاع بدور أكبر على الساحة العالمية، اقترح بعض المراقبون أن أفريقيا لابد أن تختار بين الحفاظ على شراكتها مع الغرب وبين احتضان تحالفات جديدة مع الشرق. وهو نفس الاختيار المضلِّل الذي قِيل إن الدول الأفريقية لابد أن تتخذه أثناء الحرب الباردة، عندما تَنافَس كل من الاتحاد السوفييتي والغرب بقيادة الولايات المتحدة على فرض نفوذه الشامل على مختلف أنحاء القارة.

الواقع أن الفكرة المتمثلة في اضطرار أفريقيا إلى الاختيار مرة أخرى بين كتلتين متنافستين ــ الصين والغرب ــ أصبحت منتشرة على نطاق واسع بين المخططين الاستراتيجيين، والمراكز البحثية، والصحافيين في الغرب. ومن الواضح أن تقليص الخيارات المتاحة لأفريقيا واختصارها في هذا الاختيار الفظ يستحضر شبح « لعبة كبرى » جديدة، حيث تقطع قوى أجنبية أوصال القارة لصالحها مرة أخرى. ووفقاً لهذا السرد فإن المستثمرين الآسيويين، وخاصة الصينيين، سوف يلتهمون موارد القارة إلى أن لا يتبقى منها شيء.

وتتخذ الحكومات والشركات الأفريقية منظوراً أكثر اختلافا. ففي السنوات الأخيرة، ثَبَّت المستثمرون الغربيون أنظارهم على الأسواق الناشئة مثل البرازيل والصين، الأمر الذي أدى إلى خلق فجوة تمويل للأسواق الرائدة في أفريقيا. وكان العديد من شركائنا الآسيويين ناجحين في تنمية قواعدهم الصناعية، وهو ما تسعى البلدان الأفريقية أيضاً إلى القيام به. فقد أصبحت الصين الآن الدولة صاحبة أكبر اقتصاد على مستوى العالم (قياساً على تعادل القوة الشرائية)، بعد ثلاثة عقود فقط من انفتاحها على التنمية السريعة.

ومن ناحية أخرى، لم يعد النمو الاقتصادي أملاً بعيد المنال في أفريقيا، بل تحول إلى واقع. فوفقاً لتقارير البنك الدولي، سجل الناتج المحلي الإجمالي لبلدان جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا نمواً سنوياً بلغ 4.7% في عام 2013، ومن المتوقع أن تتسارع وتيرة النمو إلى 5.1% في عامي 2015 و2016. واليوم لم يعد بوسع أي مستثمر عالمي أن يتجاهل إمكانات أفريقيا الهائلة. وعلى نحو مماثل، لا ينبغي لأي دولة نامية أن تتجاهل الفرص العظيمة التي ينطوي عليها التلاحم والارتباط مع القوى الناشئة في آسيا. ومن الطبيعي أن تكون العلاقات التجارية والدبلوماسية بين قارتين ديناميكيتين على مسار صاعد.

والواقع أن الأرقام مبهرة. فقد ازدادت الصادرات من أفريقيا إلى آسيا بما يتجاوز ستة أضعاف في غضون الفترة من 2001 إلى 2011. والآن تكاد التجارة بين القارتين تضاهي حجم التجارة بين أفريقيا وأوروبا، وقد أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا، مع ارتفاع تدفقات التجارة من 11 مليار دولار في عام 2000 إلى 210 مليار دولار في العام الماضي. كما سجلت استثمارات الصين المباشرة في أفريقيا نمواً كبيراً من نحو 500 مليون دولار في عام 2003 إلى 15 مليار دولار في عام 2012.

ولا يزال الحيز المتاح للمزيد من النمو كبيرا. فأفريقيا تمثل 5% فقط من إجمال التجارة الأجنبية والاستثمارات الصينية. وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة باستثمارات الصين في الولايات المتحدة على سبيل المثال، حيث تراكم لديها 1.3 تريليون دولار من ديون الحكومة الأميركية وحدها.

وكان رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانج صريحاً بشأن رغبة دولته في تشكيل علاقة تقدمية مع القارة، على أساس الاحترام المتبادل، مع الالتزام بتنمية المجتمعات الأفريقية. وما ينبئنا بالكثير أن أفريقيا، برغم كونها لا تمثل سوى جزء ضئيل من استثمارات الصين الأجنبية، تلقت ما يقرب من نصف المساعدات الخارجية الصينية.

ومن جانب أفريقيا، فإن التركيز لابد أن يكون على بناء البيئة المناسبة للاستثمار. وببناء العلاقات مع آسيا، تحظى الحكومات الأفريقية بالفرصة لكي تتعلم من قصص النجاح الاقتصادي في المنطقة، في حين تعمل على تعزيز التنمية الصناعية في بلدانها.

كان القدر الأكبر من استثمارات آسيا في أفريقيا يركز على البنية الأساسية التي تدعم بشكل مباشر الأولويات الأفريقية: الاتصالات ومحطات الطاقة وخطوط النقل والمياه والصرف الصحي والسكك الحديدية والموانئ والمطارات. وتمثل هذه الاستثمارات التزاماً طويل الأمد، وتستفيد أفريقيا من نواح كثيرة، فتكسب ليس فقط الوظائف اليوم، بل وأيضاً قاعدة صناعية أكثر تقدماً وقادرة على تعزيز فرص تشغيل العمالة ودفع عجلة النمو الاقتصادي لفترة طويلة في المستقبل.

كما تدعم هذه الاستثمارات تحرك أفريقيا نحو تعظيم القدرة على الانتقال، وزيادة الإنتاجية، والاضطلاع بدور أكثر بروزاً في التجارة العالمية. ومن خلال تعزيز المنافسة على المشاريع وحشد مجمع أكثر تنوعاً من المستثمرين، عززت هذه الاستثمارات الأمن الاقتصادي في أفريقيا.

بطبيعة الحال، من غير الممكن أن تأتي الاستثمارات والنمو الاقتصادي في الأمد القريب على حساب التنمية الاجتماعية وخلق فرص العمل في الأمد المتوسط أو الاستدامة والاستقرار في الأمد البعيد. ونحن ندرك هذا، وكذلك شركاؤنا. وكل الحكومات الأفريقية مسؤولة عن ضمان بناء كل الاستثمارات والشراكات ــ سواء مع المستثمرين من الأسواق الناشئة مثل الصين والبرازيل والهند ودول الخليج، أو من أوروبا والولايات المتحدة ــ على أسس عادلة.

إن النظر إلى العلاقات بين أفريقيا وآسيا بوصفها جزءاً من معركة دائرة بين الشرق والغرب يتسم بالتبسيط الشديد، والاستغراق في الماضي، وهو قبل كل شيء تصور فاسد ومنحرف. إن الاهتمام المتزايد بالقارة راجع إلى الإصلاحات التي شجعت المستثمرين الأجانب ــ من الشرق والغرب ــ فضلاً عن تنامي قدرة أفريقيا على الحصول على أفضل صفقة من أجل اقتصادها وشعبها.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

//www.project-syndicate.org/

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s