التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية/ 10-10-2014

نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث

لمركز الدراسات الأميركية والعربية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

المقدمة

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6-portrait-e1374407891449

                    سخرت مراكز الابحاث معظم انتاجها واهتماماتها لمعركة عين العرب – كوباني، وخيبة أملها من نتائج الغارات الجوية « المثيرة للسخرية » في استهداف مسلحي الدولة الاسلامية.

        سيستعرض قسم التحليل تقدم مشروع داعش على الرغم من استمرار الغارات الجوية، وكذلك تردد تركيا في اتخاذ موقف فاعل بصرف النظر عن التصريحات النارية لقادتها؛ واستقراء خيارات الرئيس اوباما عقب اخفاق حملته بتحقيق اهدافها، الامر الذي يستدعي منه اتخاذ اجراءات وتدابير اخرى في المنطقة.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

استشراف مستقبل الامبراطورية الاميركية

        سعى معهد ابحاث السياسة الخارجية الاجابة على سؤال يتبلور في اروقة النخب الفكرية الاميركية حول قتامة مستقبل الولايات المتحدة، خاصة استاذ العلوم الطبيعية والرياضيات في جامعة كونتيكت، بيتر تورتشين – روسي الاصل، وانتاجاته حول « العصبية » او النظرية في المنهج التاريخي لابن خلدون؛ مستندا الى علم الرياضيات وتفسير ابن خلدون لتحويل التاريخ الى علم صارم قادر على التنبؤ وان « كل عصبية (او حضارة) تحمل في طياتها بذور سقوطها، » قائلا ان الولايات المتحدة مقبلة على اضطرابات أهلية كبرى وعنف سياسي في زمن ما مع نهاية العقد الحالي (2013). تورتشين صاحب نظرية « دينامية التاريخ، »  من اهم انتاجاته مؤلف « الحرب والسلم والحرب. »

        وقال المعهد انه ينبغي التقدم بحذر وروية لاحداث التغييرات المطلوبة لمسار معين، اذ ان « رغبتنا المثالية لاحداث قفزات كبيرة تؤدي الى نتائج فورية عادة ما تفاقم الاوضاع من سيء الى اسوأ، وتقتضي جهودا اضافية، بينما انصار الواقعية يطالبون بتطبيق حذر للقوة. »

« الدولة الاسلامية » وتداعياتها المتعددة

انفردت مؤسسة هاريتاج بالنظر الى « مجموعة خراسان » كإطار ينبغي « للولايات المتحدة العمل على الحاق الهزيمة به، سيما وان خطره على اميركا سيتعاظم ان استطاعت جبهة النصرة ترسيخ انتصاراتها في سورية. » وحثت الولايات المتحدة على تنويع اساليب تصديها بالاضافة للعمل العسكري « وبلورة استراتيجية شاملة عريضة لالحاق الهزيمة بالثورة الاسلامية للقاعدة .. وتبني تحولات نموذجية في رؤيتها، منها وقف العمل بمفهوم تهديد القاعدة على انه مسألة تخص اجهزة الشرطة بالدرجة الاولى، واعتماد برنامج شامل في المستويات السياسية والعسكرية والايديولوجية لالحاق الهزيمة بتموضعات القاعدة على المستوى العالمي. »

        طالب معهد كارنيغي دول الاتحاد الاوروبي الارتقاء الى مستوى التحدي الذي تمثله الدولة الاسلامية، وعدم النظر اليها كتهديد ارهابي عادي بل تتميز « بسيطرتها على مناطق شاسعة من الاراضي وآبار النفط، وكم هائل من العتاد العسكري وامكانيات مالية معتبرة؛ فضلا عن جهودها المكثفة لاستدراج وتجنيد مقاتلين اجانب في صفوفها .. »

        اعتبر معهد ويلسون ان الادارة الاميركية « تتبنى الخيار العسكري ضد الدولة الاسلامية دون مواكبة استراتيجية سياسية .. ابعد من الاستناد الى رغبات ذاتية. » كما اعرب عن العقبات التي تعترض بلورة استراتيجية فعالة نظرا « لعدم تحكم الولايات المتحدة بالاوضاع السياسية في العراق او سورية .. فضلا عن تباين مصالح القوى المشاركة في الائتلاف الاقليمي، وكذلك تباين المفاهيم حول درجة الخطورة من التهديد ومصدره، الى جانب اختلاف في الاهداف المرجوة. »

        حث معهد بروكينغز الادارة الاميركية تكثيف الجهود « لانشاء جيش سوري جديد » كبديل لكافة تشكيلات المعارضة السورية المسلحة « وفق عقيدة عسكرية اميركية تتبنى اسقاط النظام وتسلم مقاليد الحكم في البلاد. » وفي الدراسة الصادرة عن المعهد، نبه صناع القرار الى عدم النظر او الالتفات الى « نشر قوات برية اميركية في سورية .. بل ينبغي حث كافة عناصر الفصائل المسلحة الحالية والجيش السوري الحر على التسريح والانخراط التام بتشكيلات الجيش الجديد، » الذي سيجري تدريبه خارج الاراضي السورية « بما فيها السعودية » تدريبا مكثفا « يستغرق 12 شهرا تقريبا. »

        كما طالب المعهد ان تتولى دول الخليج العربي « تحمل الجزء الاكبر من الكلفة، او بشكل كامل » التي « يتوقع ان تصل لنحو 10 مليار دولار. »

اميركا وحلفاءها العرب

تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية « النزعة الاميركية لانتقاد اصدقائها .. من الدول العربية » وتعميم اتهام كل من يخفق في تسخير الجهود « لمحاربة الارهاب والتطرف بأنه يدعم الحركات الجهادية والتطرف الاسلامي. » وطالب صناع القرار التحلي « بالواقعية وتحديد طبيعة الشراكة الاستراتيجية » مع كافة الاطراف. كما حث الجانب الاميركي على « عدم المضي وراء توقعاته بقيام الحلفاء العرب تغيير نظم حكمهم كي تصبح نسخة عن النظام الاميركي، او التخلي عن قيمهم واولوياتهم ومصالحهم الاستراتيجية، » اذ ان حلفاءنا من « الحكومات العربية تواجه قيودا كبيرة حيال ما بوسعها تنفيذه كحليف من عدمه. »

        في السياق عينه، وجه معهد كاتو نقدا لاذعا « للسعودية » نظرا للضرر الناتج عن التحالف الاميركي معها، ووصفها بأنها « عضو مثير للشكوك .. تافه وغير جدير بالثقة في الائتلاف المناهض للدولة الاسلامية؛ » مسلطا الضوء على سياساتها « البربرية في قطع الرؤوس المماثة لداعش .. اذ اقدمت على جز عنق نحو 46 شخصا في العام الجاري وحده، نصفهم على الاقل اتهم بارتكاب جرائم غير عنفية. »

        واضاف المعهد ان « السعودية تتحمل جزءا كبيرا لصعود الدولة الاسلامية بالدرجة الاولى .. وقسم كبير من المعونات المالية السعودية ذهبت لصالح الفصائل المتشددة (في سورية) والتي شكلت نواة قوات داعش. » وطالب القادة الغربيين « اجراء اعادة تقييم ملحة لفرضياتهم المسبقة حول دوافع الرياض » بالانضمام للائتلاف.

 

عين العرب – كوباني

        اعتبر معهد واشنطن ان تردد تركيا بالتدخل ضد داعش وضعها امام خيارين: « اما نشر اسلحة ثقيلة للدفاع عن كوباني، او تقبل سيطرة الدولة الاسلامية على ذلك الجيب » من المناطق المحاذية للحدود معها. واضاف ان الخيار الثاني يفرض تحديات جديدة على تركيا، منها « توفير الذريعة لحزب العمال الكردي تحريض الاكراد في تركيا ضد انقرة، التي يحملونها مسؤولية سقوط المدينة .. مما يهدد استقرار البلاد خاصة في الجزء الجنوبي الشرقي. »

ايران

        بحث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مسألة « الاهداف الاستراتيجية لقوات ايران الصاروخية .. التي تعاني حاليا من تواضع المديات الفتاكة » للاسلحة، مما يوفر « حوافز لايران بتحميلها رؤوس نووية ورؤوس حربية تقليدية دقيقة. » واضاف ان مجموعة 5+1 تتحمل مسؤولية فرض « قيود على ايران لتحميل اسحلتها رؤوسا نووية .. وينبغي على الولايات المتحدة والدول المجاورة لايران البدء بتحضير سبل ردعية مناسبة وقدرات دفاعية تعالج قدرات ايران على زيادة دقة الاصابة ولمدى اطول .. »

التحليل:

60 يوما على « تحالف الاوهام » الجوي لاوباما:

هل تبدأ تعديلات الاستراتيجية من البوابة التركية

تواضع حصاد الغارات الجوية

        هناك اجماع شبه تام بين القادة العسكريين والسياسيين الاميركيين بأن الغارات الجوية ضد مواقع الدولة الاسلامية اسفرت عن نتائجة متواضعة لا تذكر، بعد « مضي 60 يوما على حرب الائتلاف الاميركي الجوية ضد داعش » الذي يعزز مواقعه ويحقق انجازات على الارض، في سورية والعراق، واصبح على بعد نحو 10 كلم من محيط مطار بغداد الدولي، كما اكدت شبكة سي بي اس الاميركية للتلفزة، واحتل بعض احياء مدينة عين العرب السورية.

        دخول داعش مدينة عين العرب ينذر « بمجزرة رهيبة قادمة، » كما يحذر الزعماء الاكراد ويرون ان داعش ستقدم على « الفتك بنحو 5,000 مدني خلال 24 – 36 ساعة » من دخوله المدينة، والتي ستتفوق بشاعتها على المجزرة السابقة للاقلية الايزيدية في العراق.

        شبكة (سي ان ان) للتلفزة وصفت تواضع الانجازات « الغارات الجوية للائتلاف دمرت دبابتين لداعش، وجرافة وعربة عسكرية اخرى. »  هزالة الانتصارات اضحت مصدر تندر عند معظم وسائل الاعلام، اذ قالت يومية « انفستر بيزنس ديلي، » لشؤون الاستثمار والاموال، ترسل اميركا « مقاتلات متطورة باهظة الثمن لاطلاق اسلحة موجهة بالليزر لاصطياد جرافات ثابتة. امر مثير للشفقة. »

حرب مفتوحة لمدة 30 عاما

اضحت استراتيجية الرئيس اوباما، لتقويض واحتواء داعش، اثرا بعد عين، كما وصفتها صحيفة « الاندبندنت » البريطانية، ونالت قدرا واسعا من الانتقاد من كافة الاطياف السياسية، مؤيدين ومعارضين، كان آخرهم وزير الدفاع الاسبق ليون بانيتا. في كتابه الصادر حديثا، « معارك جديرة، » شن بانيتا سلسة انتقادات لسياسة اوباما في العراق وسورية والتي ادت الى بروز الدولة الاسلامية، كما افاد.

        تنبأ بانيتا بحرب طويلة تشنها الولايات المتحدة « ضد الارهاب » تمتد لثلاثة عقود، خلافا للسنوات الثلاث التي وعد بها الرئيس اوباما. وقال في تصريح لصحيفة « يو اس ايه تودايه، » 7 تشرين الاول الجاري: « اعتقد اننا امام حرب مدتها 30 عاما .. والتي ستمتد بالضرورة لتشمل مناطق ابعد من تلك المسيطر عليها من داعش وتتضمن تهديدات بارزة في نيجيريا والصومال واليمن وليبيا ومناطق اخرى. » بعبارة موجزة يعدنا « الناطق بلسان معسكر الحرب » بحرب مفتوحة الافاق الزمنية والمكانية؛ سياسة اميركية خارجية عمادها الرئيس حروب مفتوحة « تدر ارباحا طائلة على شركات الاسلحة نظرا لارتفاع ملحوظ في النزاعات العسكرية عبر العالم. »

المستفيد الاكبر من الحرب المفتوحة هي « صناعات القذائف والصواريخ وطائرات الدرونز واسلحة اخرى تستخدمها الولايات المتحدة لاستهداف مقاتلي الدولة الاسلامية في سورية وفي العراق، » كما نقلت شبكة « بلومبيرغ » الاخبارية عن شركة لوكهيد مارتن، 7 تشرين الاول الجاري. واشارت الشبكة ايضا الى استخدام مقاتلي داعش اسلحة وذخيرة اميركية الصنع، مما يسيل لعاب تلك الشركات التي تزود كافة الاطراف المنخرطة في « صراع مفتوح الاجل .. يغيب فيه تحديد ملموس للطرف العدو وتبرير لا ينضب للحرب. »

في معرض تفسير قصور الغارات الجوية قالت صحيفة « واشنطن بوست، » وما تمثله من قوى ومصالح، والتي اسفرت عن نتائج « شبيهة بالحملة الجوية ضد طالبان عام 2002، » اوضحت ان الفارق الاساس بين التجربتين يكمن في طبيعة سلاح الجو « اذ ليس بوسع اطقم المقاتلات الاميركية الاعتماد على استطلاع القوات الخاصة لتحديد الاهداف، في ظل استبعاد الرئيس اوباما نشر مثل تلك القوات براً على الرغم من طلب القادة العسكريين بذلك. »

اميركا قلقة ايضا من سرعة اندفاع « داعش » نحو بغداد وتمركزه على تخومها بمسافات قصيرة تمكنه من استهداف المطار الدولي بقذائف المدفعية، مما دفع وزارة الخارجية مؤخرا لطمأنة الشعب الاميركي بخطل الانباء التي تحدثت عن تعرض « المنطقة الخضراء » الى قصف بقذائف الهاون من قبل داعش. بيد ان التنظيم توسع واستقر في مناطق اخرى من العراق، منذ الاعلان عن بدء الغارات الجوية، شملت مدينة هيت على ضفاف نهر الفرات، ومحاصرته لمناطق مجاورة في الرمادي عاصمة محافظة الانبار.

الغارات الجوية « للائتلاف » كانت نتائجها « عقيمة تماما، » على الرغم من الحملة الاعلامية المكثفة لترويجها. واقرت وزارة الدفاع الاميركية ضمنيا بفشل الغارات الجوية في العراق من تحقيق اغراضها باعلانها عن ادخال طائرات الاباتشي المروحية لساحة القتال كعنصر اضافي يعزز المرونة في شن العمليات العسكرية، مما حدى ببعض الساسة والمعلقين القول ان استدخال الاباتشي يؤشر على تعاظم نية الادارة نشر قوات برية بصيغة اخرى.

اعادة تصويب الاستراتيجية

        في العرف الاميركي من النادر ان يقوم رئيس الدولة بزيارة وزارة الدفاع اذ يلتقي بالقادة العسكريين والاطقم الداعمة لهم في مكتبه بالبيت الابيض. بيد ان الرئيس اوباما اعلن مسبقا منتصف الاسبوع الجاري عن نيته التوجه للبنتاغون والتحدث مباشرة مع قادة القوات والقادة الميدانيين؛ الأمر الذي يدل على توفر النية لديه لادخال بعض التعديلات على استراتيجيته المعلنة ضد الدولة الاسلامية، سيما والزيارة تمت في ظل تنامي مطالب قطاعات مختلفة بالنظر في ادخال قوات برية تعوّض قصور انجازات الحملة الجوية.

        اوباما، ومع حلول موسم الانتخابات النصفية والتحالفات الحادة، يحسب كل خطوة يمكنه الاقدام عليها ويضعها في ميزان تفاعلاتها وتداعياتها مع ارتفاع او انخفاض نسبة شعبيته، وبالتالي مرشحي حزبه الديموقراطي. في هذا الاطار، رفض الرئيس اوباما في شهر ايار الماضي طلب رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري المالكي، لطائرات الدرونز او المقاتلات الاميركية شن غارات على مواقع داعش بعد ان نال تأييد قائد القيادة المركزية، لويد اوستن. اهمل الرئيس اوباما الطلب لعدم اقتناعه بالمردود السياسي.

        تنامى الضغط الداخلي من القادة العسكريين والساسة واعضاء الكونغرس « للنظر بخيار نشر قوات برية » مما اوعز اوباما لارسال اشارات تدل على نيته اتخاذه اجراءات وتدابير مغايرة لسياساته المعلنة. اما وزارة الخارجية، بطبيعتها وتفضيلها التحرك الديبلوماسي، فقد رفضت الخيار العسكري المنشود، وصرح وزير الخارجية جون كيري في منتصف الاسبوع ان « الحيلولة دون سقوط مدينة كوباني السورية بايدي الدولة الاسلامية لا يعد هدفا استراتيجيا للولايات المتحدة، » في تباين واضح مع سلفه هيلاري كلينتون التي كانت تحبذ استخدام القوة لدى استعصاء الحلول السياسية.

        وحث كيري جميع الاطراف الاميركية المعنية « باتخاذ خطوة تراجعية بغية استيعاب الهدف الاستراتيجي .. لمراكز التحكم والسيطرة والبنى التحتية للدولة الاسلامية، وحرمانها القدرة على شن هجمات ليس في كوباني فحسب، بل في عموم الاراضي السورية وامتدادا الى العراق. »

        ولفت كيري النظر الى تعاطفه مع فكرة « انشاء منطقة عازلة بين سورية وتركيا .. انها فكرة جديرة للاخذ بها بعين الاعتبار .. » بالمقابل، يسعى « حلفاء » اميركا من الدول الاوروبية استدراج الرئيس اوباما لنيل موافقته على المنطقة العازلة، كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند.

        وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، ايضا ايدها بحذر قائلا « ينبغي بحثها مع حلفائنا وشركائنا » والاستقرار على مفهوم موحد لما تعنيه المنطقة العازلة « بيد انني لا استثني ذلك في المرحلة الحالية. »

        يرتكز الجدل داخل الاوساط الاميركية على التدابير التي بوسع الولايات المتحدة اتخاذها لانقاذ مدينة عين العرب – كوباني، وحيثيات الاستراتيجية التي يمكن ان يقدم عليها الرئيس اوباما لوقف اندفاع وتمدد داعش. ليس بوسع اميركا الآن او في المدى المنظور استخدام قواتها البرية في حرب اخرى بعد النتائج الكارثية لسياساتها في افغانستان والعراق، التي لا يزال يتردد صداها في اذهان الشعب الاميركي الرافض لمزيد من الانخراط العسكري الفاعل في مناطق اخرى.

        وعليه، الخيار المتوفر للولايات المتحدة يستند الى حشد وتدريب قوات محلية للتصدي لداعش، الامر الذي سيستغرق فترة زمنية طويلة نسبيا؛ وربما هذا بالضبط ما يمكننا استخلاصه من تصريح ليون بانيتا بالحرب المفتوحة « ولمدة 30 سنة. »

        عقبات عدة تعترض نضوج قوات الجيش العراقي، الذي راهنت عليه اميركا طويلا، لاستلام زمام الامور والتصدي لداعش بغية استعادة سيطرة الدولة على مدينة الموصل. جاء ذلك على لسان منسق الائتلاف الدولي، الجنرال جون آلان، لصحيفة نيويورك تايمز مطلع الاسبوع الجاري موضحة ان ذلك « يدل على التحديات الهائلة التي تواجهها القيادة العسكرية العراقية وشركائها الدوليين كذلك. »

        تطمح الولايات المتحدة الى « انشاء جيش سوري جديد » بديل لكل التشكيلات المسلحة الحالية، بما فيها الجيش الحر، قوامه 15,000 عنصر ينبغي التدقيق في خلفية وولاء كل منهم على حدة، والذي سيوكل بمهمة « القوات البرية » البديلة عن القوات الاميركية، ويتطعم بالعقيدة القتالية الاميركية، كما ورد على لسان القادة العسكريين في البنتاغون. تدريب وتسليح العناصر سيستغرق نحو 12 شهرا، في المعدل، يتم اعدادها لمرحلة لاحقة.

        اما في المرحلة الراهنة فان الطرف المرشح للاسهام بقوات برية، كما ترغب البنتاغون، فهو تركيا التي يدخل في حساباتها الاعتبارات الاقليمية والتوازنات الدقيقة، والتي لحد اللحظة لم تتجاوز اجراءاتها التصريحات الكلامية. وكما اشرنا سابقا، فان الاهداف الاميركية والتركية غير متطابقة بالكامل فيما يتعلق بسورية بعد مضي قرابة اربعة اعوام على الصراع المسلح. هدف تركيا الرئيس « اسقاط الرئيس الاسد، » اما الولايات المتحدة فقد اثبتت الوقائع السياسية والميدانية ترجعها عن هذا الهدف واعلاء « تقويض الدولة الاسلامية » في المرتبة الاولى. كما ان الولايات المتحدة لا تمانع قيام كيان كردي في المناطق السورية، مما يثير ذعر انقرة التي ترفض رفضا مطلقا اي تعبيرات او تجليات تؤكد على الهوية الكردية.

        الرئيس التركي اردوغان اعلن مرارا رغبته بانشاء « منطقة عازلة » داخل الاراضي السورية وفرض حظر الطيران في اجوائها كشرط مسبق لدخول قوات برية تركية ارض المعركة. كما يبدي ارتياحا بينا لسقوط مدينة عين العرب الحدودية باغلبيتها الكردية في ايدي الدولة الاسلامية دون ان يحرك ساكنا.

        الجانب الاميركي يعتبر اشتراط اردوغان تبريرا لعدم دخول تركيا النشط، اذ ان الغارات الجوية فوق مدينة كوباني ادت الى حظر حركة الطيران السورية هناك. وعلق مسؤول رفيع المستوى في البيت الابيض لصحيفة نيويورك تايمز على تردد تركيا بأنها « تخلق اعذارا لعدم المبادرة وتفادي كارثة انسانية اخرى. » واضاف موبخا انقرة « هذا التصرف لا يعكس آلية عمل حليف للناتو بينما تفتح ابواب الجحيم على بعد مرمى حجر من حدوده. »

        اقتصر دور تركيا الفعلي، في المرحلة الراهنة، على الانضمام لجهود الائتلاف حرمان الدولة الاسلامية من عائداتها المالية، اذ تعبر شاحنات نقل النفط الاراضي التركية وتصدر عبر موانئها ايضا. وقد فرضت حجرا على استخدام داعش الاراضي التركية، كما اوردت وسائل الاعلام المختلفة، وفرضت قيودا اخرى للحد من قدرة داعش شراء ذخيرة وقطع غيار للمعدات الثقيلة التي استولى عليها.

        لجأ اكراد تركيا الى التظاهر والاحتجاج في المدن الرئيسة تنديدا باغلاق تركيا المنافذ الحدودية مع مدينة عين العرب – كوباني المهددة بالسقوط، ومنعت الامدادات البشرية والمتطوعين من الهبة لنجدة اقرانهم عبر الحدود. استخدمت الحكومة التركية قوات الشرطة والجيش للتصدي وقمع الاحتجاجات مما ادى لسقوط ما لا يقل عن 19 قتيلا وجرح 145 في المظاهرات التي عمت الاراضي التركية، وفرضت حظر التجول على مدن ماردين وسييرت وباتمان وفان.

        تجلت تداعيات ازمة كوباني في انخفاض قيمة الليرة التركية سبقتها تخفيض مكانة الاقتصاد التركي من قبل الشركات المالية الاميركية، الأمر الذي اثار قلق المستثمرين الاجانب وكذلك هاجس تدخل تركيا في سورية. توفر السيولة المالية العالمية امر حيوي للاقتصاد التركي، نظرا لنسبة العجز العالية في ميزان المدفوعات والذي « تضطر » الحكومة التركية للاقتراض من الاسواق العالمية مرة تلو اخرى لتغطية نفقاتها. نائب رئيس الوزراء التركي، علي بابكان، اقر في 8 تشرين الاول ارتفاع معدل التضخم في الاقتصاد التركي الى نسبة 9.4%، بما يقرب من ضعف التوقعات السابقة بنسبة تضخم 5.3% للعام الجاري.

احد المخارج للحكومة التركية يكمن في عدم قيامها بالتدخل وتأزيم الاوضاع الاقليمية، وهو ما قد يلجأ اليه الرئيس اردوغان وحكومته للتكيف مع مطالب المؤسسات الاقتصادية الكبرى في البلاد. ان امتنعت تركيا عن المشاركة الفعالة في التصدي لداعش عسكريا فما يتبقى هو خيار الغارات الجوية واستمرارها للدول المشاركة في الائتلاف، وربما بعض العمليات الموكلة للقوات الخاصة القيام بها.

خيارات الرئيس اوباما

يتضمن الاستعراض السابق بعض العوامل الضاغطة والتي تدفع بالرئيس اوباما اعادة النظر في استراتيجيته المعلنة وادخال تعديلات مطلوبة، سيما لادراكه تنامي معارضة الشعب الاميركي لسياساته المعلنة عززها حادث جز عنق امرأة اميركية في ولاية اوكلاهوما مؤخرا. الأمر الذي يستدعي بلورة سياسة اوضح نحو داعش تسهم في تراجع التهديد الارهابي للداخل الاميركي وللحلفاء ايضا.

لا تبدي المؤسسة الحاكمة حماسا لانخراط قوات برية اميركية، كما اسلفنا، مما يستدعي الرئيس اوباما تقديم بعض التنازلات لارضاء تركيا تتضمن تطبيق محدود لمنطقة عازلة، مقرونة ببعض الاجراءات لمنطقة محدودة لحظر الطيران، وربما تجديد التزامه باسقاط الدولة السورية والرئيس الاسد. ويبدو ان التفاهم الذي توصل اليه الجنرال الاميركي المنسق للتحالف مع الجانب التركي حول تدريب وتسليح ما يسمى بالمعارضة السورية المعتدلة يشكل حلا مُرضيا وسطيا يؤجل التباين حول ترتيب الاولويات في المسرح السوري.

تردد العامل الاميركي في الائتلاف، برفد قوات برية مهمتها تطبيق الاهداف المعلنة، يضاعف الاعتماد على قوات الجيش التركي، مع الاخذ بعين الاعتبار تباين اهداف الطرفين المباشرة، وعدم نضوج تشكيلات قوات المعارضة ودخولها كعامل مساعد. الأمر الذي يقود الى الاستنتاج بأن الازمة ستطول وربما لن تسير على هوى الرغبات الاميركية

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان
العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s