قراءة في تداعيات الميزانية العسكرية الاميركية المقترحة2014-02-28

   التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

 

نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث

لمركز الدراسات الأميركية والعربية

دكتور جمال سليمان 

2014-02-28

249551_10150218106334481_6145355_n

         التخفيضات المقترحة ستطال كافة اذرع القوات المسلحة: مشاة البحرية – المارينز؛ سلاح البحرية؛ وسلاح الجو التي بمجملها ستتأثر بخسارة بضعة آلاف من القوات المقاتلة. اما القوات البرية، الجيش، والذي يعد من اضخم الاذرع العسكرية، سيطاله القسم الاكبر من معدلات التخفيض. اذ ستتراجع اعداده من المستويات الراهنة 522،000 جندي يحمل السلاح الى ما يتراوح بين 440,000 الى 450,000 عنصر؛ كما سيجري تخفيض حجم قوات الحرس الوطني من 205،000 عنصر حاليا الى 195،000. التخفيضات البشرية سيرافقها تقليص ايضا في نوعية الميزات والمكافآت ورواتب القوى العاملة.مطلع الاسبوع اعلان الولايات المتحدة، على لسان وزير الدفاع تشاك هيغل، عن نيتها خفض ميزانيات وزارة الدفاع، البنتاغون، وتقليص حجم ونفقات القوات المسلحة العاملة بنحو 80,000 عنصر، بحيث يبلغ تعدادها الى مستويات ما كانت عليه قبل اعلان الحرب العالمية الثانية. ذهب هيغل بعيدا في تعليل التخفيضات مصوبا الجدل بأنه باستطاعة القوات العسكرية تقليص حجم الانفاقات وتخفيض اعداد الجنود دون المس برقعة الانتشار الكونية الواسعة للعسكرية الاميركية. واضاف انه لا يرى حاجة للابقاء على حجم القوات المسلحة راهنا والتي لا زال باستطاعتها القتال في ساحتي حرب معا، كما اردف، في ضوء انتهاء الحرب (الاميركية) على العراق منذ سنتين ونيف، كما ان الحرب في افغانستان تتراجع حدتها منذ زمن.

         من بين ضحايا تقليص النفقات تبرز الاسلحة التالية: طائرات التجسس من طراز يو-2، والتي ستعوض طائرات الدرونز المهام التجسسية الموكلة لها؛ طائرات من طراز A-10المصممة لتعزيز قتال القوات البرية ضد سلاح الدروع “السوفياتي” في اوروبا ابان عصر الحرب الباردة. اما سلاح الطائرات المقاتلة من طراز F-35، التي ارتفعت كلفتها الى ازيد من 400 مليار دولار، فلم يشملها التخفيض. يذكر ان تلك المقاتلات لا تزال تعاني من ثغرات تقنية متعددة الجوانب وادت التدريبات عليها الى اصابة عدد من الطيارين بالغثيان ونقص في كمية الاوكسجين داخل مقطورة القيادة. تقليص عدد الطرادات البحرية؛ وكذلك لعدد عربات مقاتلة لسلاح البر في طور التصميم. يشار الى ان التخفيضات التي ستطال عديد الحرس الوطني الذي ينضوي تحت سلطة الولايات المختلفة اغضبت عدد من حكام تلك الولايات، من الحزبين الرئيسيين، وانعشت التوتر القائم بين سلطات الحكومة المركزية وتلك لدى الولايات المكونة (وجرى تناول تلك المسألة بالتفصيل في تقرير الاسبوع الماضي – 14 شباط).

         التخفيضات المقترحة بمجملها تعكس النمط السائد في تفكير الحكومة المركزية التي لجأت ولعقود متتالية الى الاقتراض من المؤسسات الخاصة والحكومات الاجنبية لتمويل الانفاق المتعاظم على الاسلحة والنظم العسكرية، كما تؤشر على كارثة تدابير الاقتراض ورفع سقف الميزانية العسكرية باضطراد لعقود متعددة، واعادة النظر بحجم الديون الهائلة المتراكمة على الدولة لتمويل نفقاتها.

          سعى وزير الدفاع هيغل ايضا الى تبرير نية تقليص القوات المسلحة بانه الثمن الضروري الذي ينبغي التضحية به بغية بلوغ وتسيّد مرحلة “التفوق التقني” والتركيز على قوات العمليات الخاصة وتخصيص الموارد اللازمة لكافة جوانب مهام تجري في الفضاء الالكتروني. وقال “اننا نعيد ترتيب اوضاعنا ونرمي لتسليط الضوء على التحديات والفرص الاستراتيجية التي من شأنها تحديد وجهة مستقبل الأمة، وتخصيص الموارد المطلوبة في مجالات: التقنيات الجديدة، مراكز القوة المتبلورة (عالميا)، لعالم اضحى اشد تقلبا، يتعسر فيه التنبؤ بالنتائج، بل في بعض الحالات يشكل تهديدا اكبر للولايات المتحدة.”

اولويات الاستراتيجية اقتضت التخفيضات 

         حجم التخفيضات المقترحة غير مسبوق في مداه. على سبيل المثال، شكلت ميزانية الدفاع 4.7% من الناتج القومي عام 2011؛ وستتقلص العام الجاري الى 2.7%. بلغت ميزانية وزارة الدفاع لعام 2011 705.6 مليار دولار لتتقلص الى 496 مليار حاليا؛ اي ما يعادل تخفيض بنسبة 30% تقريبا.

         التقلص المضطرد في حجم ايرادات الخزينة العامة دفع ادارة الرئيس اوباما الى ضرورة خفض الانفاقات في كافة المجالات الى ان اتى الدور على وزارة الدفاع. اما عوامل تقليص الايرادات فهي تعود في القسم الاكبر منها الى عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان، وما تبعه من رؤساء جمهويين، بوش الاب والابن، الذين خفضوا حجم الضرائب المفروضة على الاثرياء والميسورين، وكذلك اعفاء غالبية نشاط التبادل المصرفي اليومي الهائل في وول ستريت من الضرائب المستحقة على المصارف الكبرى، وزيادة ثابتة في ميزانيات البنتاغون. وفي حيز الانفاقات الحكومية، اوضح جهاز الاشراف على الانفاق الحكومي التابع للكونغرس ان المبالغ المقررة للبرامج الصحية ورواتب التقاعد ستشهد ارتفاعا في معدلاتها بمبلغ 85 مليار دولار اضافي، ليبلغ مجموعها نحو 2.1 تريليون دولار للعام الجاري.

         عند احتساب الفوائد المترتبة على القروض الحكومية تزداد الصورة قتامة، اذ من المتوقع ارتفاع معدلاتها بنسبة 14% سنويا، وربما تبلغ اربعة اضعاف المستويات الراهنة للفترة الزمنية بين 2014 و2024. واوضح رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، باك ماكيوان، ان البلاد “مقبلة على ارتفاع في معدلات الصرف على الفوائد المترتبة على الديون خلال السنتين القادمتين تفوق الانفاقات الراهنة على بند الدفاع الوطني.”

         يمكن للمرء رصد خط بياني واضح في تخفيض الانفاقات الدفاعية الاميركية بعد انتهاء كل جولة من الحروب، يتناسب مع متطلبات ورؤية الاستراتيجيين وصناع القرار السياسي. اذ بلغ معدل الانفاقات الاميركية في السنوات الاخيرة من الحرب العالمية الثانية، 1943-1944، نحو 43.6% من الناتج القومي العام؛ وانخفضت عام 1945 الى 14.3% من الناتج القومي. وتكرر مسار الخط البياني في الانفاق على شؤون الدفاع، صعودا وهبوطا، بعد نهاية الحرب على فييتنام والحرب الباردة على التوالي.

المعسكر الرافض للتخفيضات العسكرية

         سارعت شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري للاعراب عن شديد معارضتها لخطة الادارة الاميركية، على رأسها نائب الرئيس السابق ديك تشيني، مهندس حرب تدمير العراق، بوصفه الاستقطاعات المقترحة “خطيرة بالمطلق .. ومدمرة.” واوضح في حديث صحافي “لم أصنف ضمن المؤيدين بشراسة (للرئيس) باراك اوباما. بيد ان هذه المسألة فاقت كافة التوقعات اذ من شأنها انزال ضررا هائلا طويل الأمد في قواتنا المسلحة.”

          وشاطره الرأي السيناتور الجمهوري جون ماكين قائلا لشبكة (سي ان ان) للتلفزة “باعتقادي ان ثمة ارسالنا اشارة عن نيتنا بخفض الانفاقات العسكرية، في ظل وضع عالمي بالغ الخطورة، هي خطأ فادح .. مع الاقرار انه بالامكان السعي لتوفير بعض النفقات في الشأن العسكري، بيد ان الامر ينصب على بلوغ معدلات تخفيض بهذا الحجم (الكبير)، مما يقلقني بشدة خاصة بالمقارنة مع زيادة  حجم الانفاقات على القضايا الداخلية.”

تداعيات تقليص الانفاقات العسكرية

         التجليات الفورية ستظهر على نطاق الرواتب والمكافآت والميزات للقوات المسلحة، والتي تقدر بعدة مليارات من الدولارات. فمنذ نهاية الحرب على فييتنام سلطت الولايات المتحدة انظارها على اعادة تأهيل قواتها المسلحة والتركيز على المهنية والاحتراف لعناصرها واستيعابهم للتقنية العسكرية المتطورة، عارضة عليهم رواتب مجزية تسمح للقيادة العسكرية اختيار من تراه مناسبا من قدرات وطاقات للانضمام اليها.

         كما ان القيادة العسكرية ستخفض حجم المساعدات المخصصة لشؤون الاسكان يرافقها تقليص اموال دعم اسعار المواد الاستهلاكية المخصصة لاعضاء القوات المسلحة، اذ ان اسعارها المخفضة تشكل دعما اضافيا لدخل العناصر من كافة الرتب العسكرية. ايضا، سيتأثر قطاع الرعاية الصحية وسيتعين على كافة افراد الاسر دفع مبالغ اعلى عما ذي قبل عند تلقيهم الخدمات الصحية. رواتب القوات المسلحة بكامل عديدها ستشهد زيادة طفيفة بنسبة 1%، والتي لا تواكب معدلات التضخم.

         عند احتساب قيمة التخفيضات الشاملة، سيبلغ معدل تقلص الراتب السنوي بنحو 1,000 دولار لكل عنصر في القوات المسلحة، وما سيتركه من انعكاسات تخفض اعداد المجندين عبر سياسة الاستنزاف. كما لا ينبغي اغفال المجالات التي ستتعرض للتقلص وما يرافقه من تراجع في مستوى الجهوزية.

         تقلص اعداد القوات المسلحة سينعكس على حجم شريحة الضباط والرتب الادنى، اذ انها بطبيعتها قد انجزت المتطلبات الضرورية للانضمام للخدمة العسكرية لكن عناصرها لم يقدموا على احتراف الانتظام في المؤسسة العسكرية لسنوات طويلة. يمتلك اعضاؤها قدرا لا بأس به من الخبرة العملية، ويشرفون على ادارة المهام اليومية للمؤسسة العسكرية.

         مؤسسات القطاع الخاص، لاسيما الشركات الكبرى، تطمح لانضمام تلك الشريحة المدربة الى صفوفها وتعرض عليها مكافآت مجزية ومشجعة بغية انكفائها عن الانضمام للقوات المسلحة. وبحكم حداثة السن لمعظم الاعضاء فان الرواتب العالية تشكل عاملا مساعدا لاتخاذ القرار وتعزيز رعايتهم لاسرهم الناشئة، والتمتع باوقات عمل محددة. ما يتبقى في القوات المسلحة، بعدئذ، سيكون متوسط الكفاءة للاضطلاع بمهام تؤهله للترقية.

         تداعيات التغيير في العنصر البشري ستأخذ بعض الوقت، يرافقها تدني مضطرد في نوعية تنفيذ المهام اليومية والتي قد تفرض على المؤسسة العسكرية تخصيص مبالغ اضافية لشؤون التدريب والتخصص لتعويض الكفاءات المهاجرة من صفوفها.

القوات البرية – الجيش

         من الثابت ان ىالقوات البرية ستشهد القسم الاكبر من معدلات التخفيض، كما يستنتج من تصريح وزير الدفاع عند قوله “الحجم الراهن للقوات البرية هو اعلى من المطلوب لتنفيذ متطلبات استراتيجيتنا الدفاعية .. كما انه اعلى كلفة مما يمكننا تحمله للحفاظ على معدلات التحديث والجهوزية العسكرية.” واستدرك بالقول ان القوة الجديدة سيتاح لها التمتع بكافة المجالات التقنية الحديثة كي تؤهلها لالحاق هزيمة مؤكدة لاي عدوان في الحرب “وفي نفس الوقت المحافظة على قدراتها للدفاع عن الوطن الام وتوفير الدعم المطلوب لسلاحي الجو والبحر المنخرطة في عمليات قتالية ضد الخصوم.”

         تجدر الاشارة الى ان التخفيضات المعنية لا تقتصر على جانب الارقام المجردة، اذ ان بعضها سيطال قدرة القوات البرية على شن عمليات قتالية متواضعة في منطقة الشرق الاوسط. اجراءات التخفيض وتقليص النفقات جارية على قدم وساق لعمليات جهاز رأس الحربة في القوات البرية الموكل اليه تنفيذ المهام القتالية في العراق وافغانستان ومناطق اخرى حول العالم، الذي يعرف بـ “المنظمة المشتركة لافشال العبوات المتفجرة المبتسرة – جيدو.” يبلغ طاقم المنظمة نحو 3,000 عنصر والذين سيطالهم التخفيض ليصل الى 1,000 عنصر مع نهاية السنة المالية الجارية (ايلول 2014)، وربما ستخضع لمزيد من التخفيض المقرر بحيث لا يتجاوز العدد 400 عنصر في المدى المنظور.

         مقص التخفيض نال ايضا برنامج انتاج عربة قتالية مدرعة للقوات البرية الذي الغي بالكامل، نظرا لعدة عوامل اهمها تنامي العقبات التقنية التي واجهت جهود انجاز عربة خفيفة الحركة، اذ اضحت اثقل وزنا مما ينبغي وما يشكله ذلك من اعاقة ايضا على سبل نقل العربات بطائرات عسكرية الى مواقع قريبة من ساحات الاشتباك، اضافة لعدم توفر حركة المناورة المطلوبة لها في بيئة جغرافية ادنى تطورا في مناطق العالم النامي.

         السيطرة على قوات الحرس الوطني المنتشرة في عموم الاراضي الاميركية كانت احدى بؤر التوتر بين الولايات المحلية من ناحية ووزارة الدفاع من ناحية اخرى، التي عمدت لنقل سلاح الطائرات المروحية من طراز اباتشي الى سيطرة القوات البرية، واستبدال الاسطول عينه بمروحيات من طراز بلاك هوك. الاجراء يوفر للقوات البرية قوة نارية اضافية دون تحمل اعباء نفقات اضافية، بيد ان تداعياته تصب في تقييد حركة المناورة في ميدان الاشتباكات وكذلك اعاقة القدرة على توفير الدعم المطلوب للقوات في الخطوط الامامية. في المحصلة، يؤدي الاجراء الى اعاقة سرعة الحركة المطلوبة من القوات البرية، وتعزيز الوحدات المتقدمة في خطوط الاشتباك، او توفير سبل الدعم والامداد بالسرعة المطلوبة كما كان الامر عليه في كل من العراق وافغانستان.

         لعل المفارقة تكمن ايضا في تداعي مستزويات الدعم المطلوبة لقوات حفظ السلام المنضوية تحت لواء القوات البرية الاميركية – سيما لجهود الاغاثة من الكوارث التي تستند بشكل رئيس على القدرة لنقل المعونات المطلوبة لمناطق نائية بسرعة. في الشق التقني، من ميزات مروحيات اباتشي قدرتها على مواجهة افضل لسلاح الدروع، والتي لم يعد لها ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف.

         في الجوانب الايجابية، استطاع سلاح القوات البرية الفوز بزيادة حجم القوات الخاصة، من 66,000 الى 70,000 عنصر، والمكلفة بانجاز مهام قاسية محددة كما برز في عملية الهجوم على معقل اسامة بن لادن. الامر الذي يؤشر على حقيقة توجهات الادارة الاميركية واقرارها بأن بعض الاشتباكات الحربية لا ينبغي خوضها باعداد كبيرة من الجنود والتشكيلات العسكرية التقليدية، بل عبر الاعتماد على مجموعات صغيرة الحجم حسنة التدريب باستطاعتها شن هجمات ناجحة في اراضي الخصم بأقل التكاليف والخسائر.

         تلك الوجهة نحو ايلاء اهمية اعلى للقوات الخاصة هي ما توجته معامل هوليوود وتظهير عامل الرعب والهيبة من نتائج خارقة تحققها القوات الخاصة. بينما حقيقة الأمر ان طبيعة تركيبة تلك القوات تندرج تحت بند قوات مشاة خفيفة الحركة والتسليح تنجز مهامها المطلوبة باقصر زمن ممكن وهي غير مهيئة لخوض معارك تمتد لايام ولو معدودة كما هو الحال مع القوات البرية التقليدية.

         تجدر الاشارة الى خصوصية وانتقاء برامج التدريب التي تخضع لها القوات الخاصة والمعايير العالية المطلوب توفرها مما يستغرق فترات زمنية اطول لرفد صفوفها بعناصر جديدة او بديلة. الاحصائيات الاميركية الرسمية تشير الى فترة زمنية تعادل سنتين من الزمن لتجنيد وتدريب الفرد الواحد بكلفة 2 مليون دولار. الاحصائيات لا تأخذ بعين الاعتبار عوامل السقوط والاستنزاف للقوى البشرية بين المجندين، اذ تصل معدلات الانسحاب الى نحو 90%. وعليه، ستبلغ كلفة الزيادة العددية المقترحة للقوات الخاصة نحو 2 مليار دولار تمتد لسنتين على الاقل، كما ان الرغبة سالفة الذكر لا تحاكي آلية وكيفية تجنيد 4،000 عنصر جديد، وهل تضطر القيادة العسكرية للقبول بتدني مستوى المعايير المطلوبة.

         ديمومة انخراط عناصر القوات الخاصة هي ايضا احدى التحديات التي تواجه القيادة العسكرية، وتتعاظم اهميتها على ضوء زيادة الطلب من المؤسسات الخاصة على تجنيد عناصر خبيرة بعمل القوات  الخاصة، لاسيما مؤسسات توفر الحماية للافراد والمرافق، وعامل الرواتب والمكافآت المجزية التي يوفرها القطاع الخاص. في ظل تدني مضطرد للخدمات والميزات الصحية وخفض مستوى الرواتب في عموم القوات المسلحة، من المرجح ان يلجأ عدد اكبر من عناصر القوات الخاصة للعمل خارج مؤسسة الجيش، اذ تصل بعض معدلات الرواتب نحو عشرة اضعاف ما هي عليه في صفوف القوات المسلحة.

سلاح البحرية

         سيحتفظ سلاح البحرية بحاملات الطائرات الاحدى عشر (11) في ترسانته، بيد ان التحدي يكمن في القوات والسفن الاخرى الضرورية لحماية الحاملات ضمن التشكيلة البحرية. ويخشى قادة السلاح احالة نحو نصف الحاملات خارج الخدمة الفعلية نظرا لعمليات التحديث المطلوبة لهياكلها واجهزتها.

         مهمة الطرادات العاملة في سلاح البحر تشكيل منصات دفاعية لحماية الحاملة المعنية. اجراءات تخفيض عدد الحاملات العاملة سيترك تداعيات مباشرة على قوة الحماية التي سيواجه افرادها انفسهم امام اطالة فترة الخدمة في عرض البحر، مما سينعكس سلبا على مسألة الاحتفاظ بالخبرات المطلوبة بالغة الحساسية، او مواجهة النقص المترتب عن خفض قوات الحماية في تصديها لهجمات جوية معادية. يذكر ان المدمرات المرافقة لحاملات الطائرات يتوفر لها بعض القدرات للدفاعات الجوية، بيد ان زيادة الاعتماد على تلك الخاصية سيأتي على حساب قدرتها كسلاح مضاد للغواصات في زمن الاشتباك.

         ننوه بتصريحات الرئيس اوباما بأن الاستراتيجية الاميركية الراهنة تحولت للتركيز على آسيا. من المفارقات ان عدد من الدول المقصودة في الاستراتيجية الجديدة تطل على المحيط الهاديء، وهي منطقة لها خبرة طويلة في ايلاء الاولوية للقوات البحرية لحماية مصالحها عوضا عن القوات البرية. وهنا يبرز تحديا آخرا للسياسة الاميركية التي ستضطر لتعويض التخفيضات المقترحة لقواتها المسلحة بامكانيات بديلة من العسير توفيرها وفق الرؤيا المطروحة.

سلاح الجو

         ستفقد ترسانة سلاح الجو طائرات التجسس من طراز U-2 وكذلك طائرات دعم القوات البرية من طراز A-10، وسيتم استبدال مهام الاولى بطائرات الدرونز والثانية بمقاتلات حديثة من طراز F-35 في بدايات العقد الثالث من القرن الحالي. وعلق هيغل على الاجراء بالقول “طائرة A-10 عمرها اربعون (40) عاما، صممت لهدف احادي للانقضاض على مدرعات العدو في ارضية اشتباك عصر الحرب الباردة. وليس باستطاعتها الاستمرار للعمل بفعالية امام مقاتلات ونظم دفاعية متطورة.”

         تجدر الاشارة الى ان تبرير وزير الدفاع باقدمية الطائرات ينطبق ايضا على مروحيات اباتشي التي سيجري سحبها من سلاح الحرس الوطني لتعود الى ترسانة وزارة الدفاع، اذ جرى تصميمها وادخالها الخدمة الفعلية منذ نحو نصف قرن من الزمن للقيان بمهام رديفة للاخرى – كسلاح مضاد للدروع على الاراضي الاوروبية. بل جرى استخدامها في اغراض تحديد الاهداف المطلوبة كي تقوم طائرات A-10 بقصفها في العراق وافغانستان. كما ان الطائرات المذكورة كانت عرضة وهدفا مباشرا لقوات المقاومة في البلدين والتي استطاعت اسقاط بعض منها.

         اعتبر قادة سلاح الجو طائرة A-10 سلاحا متدنيا لانجاز المهام المطلوبة، والذين اعطوا الاولوية للمقاتلات المتطورة وسحر ميزة تفوقها لتأدية المهام ودعم القوات البرية. وعلى الرغم من اقدمية ذلك الجيل من الطائرات المقاتلة، الا انها اثبتت فعاليتها في الفتك بالقوات البرية في كل من العراق وافغانستان، سيما وانها مزودة بمدفع رشاش عيار 30 ملم سريع الطلقات.

         مبدأ العسكرية الاميركية يستند الى حد بعيد على توفير الحماية الجوية للقوات البرية ويعتبر احد الركائز الاساسية. نظرا لطبيعة تسليح القوات البرية الاميركية ببنادق من طرازM-4 قصيرة المدى، تتعاظم اهمية دعم طائرات A-10 للعمليات البرية خاصة تلك التي تفوق مدى اصابة البنادق المذكورة، او في الحالات التي يتفوق فيها الخصم على اعداد القوات الاميركية. بالنتيجة، سيلجأ سلاح البر الى الاعتماد المكثف على سلاح المدفعية، ذات المدى المحدود، او ادخال المروحيات المقاتلة من طراز اباتشي بكل ما يرافقها من مثالب عملياتية، او ان يجد نفسه في اوضاع يتفوق فيها الخصم عليه بالكثافة النارية.

الحرس الوطني

         تتعاظم حدة التوترات بين الحكومة المركزية، الفيدرالية، والولايات المحلية، بدءا بنطاق الصلاحيات وتداخلها واولويات كل منها، ومرورا بالتخفيضات المقررة لسلاح الحرس الوطني المقيم على اراضي الولايات المختلفة والتي تستند اليه في تنفيذ عديد من المهام خاصة في اعمال الاغاثة ومعالجة الكوارث الطبيعية.

         خطة التخفيض المقترحة تستدعي اقتطاع نسبة 4% من هيكل الحرس الوطني وقوات الاحتياط. اذ اوضح وزير الدفاع الامر بالقول “مع الاقرار ان قوات الاحتياط اقل كلفة خلال فترة عدم انتشارها، الا ان دراساتنا الخاصة تشير الى تقارب كلفة الاحتفاظ بوحدات الاحتياط مقارنة بمثيلتها في القوات العاملة وهي في وضع التعبئة والانتشار.”

         تجدر الاشارة الى ان كلفة قوات الحرس الوطني تتحملها وزارة الدفاع بالكامل، بينما تخضع لسيطرة الحكومات المحلية عند الطلب لاعمال الاغاثة والكوارث الطبيعية. يشغل حاكم الولاية المعنية منصب القائد الاعلى لقوات الحرس المنتشرة في ولايته. وهنا تتفوق سلطة الدولة المركزية في تقرير مصير قوات الحرس الوطني، اذ باستطاعتها تفعيل خدمة عناصر الحرس لدعم القوات العسكرية دون العودة للسلطات المحلية، والتي عادة ما يتم استشارتها بالامر.

         في لقاء قمة جمع الرئيس اوباما وحكام الولايات اعضاء “الجمعية الوطنية للحكام،” اعرب عدد منهم عن عميق قلقه من ردة فعل الرئيس عند استيضاح مدى التخفيضات الخاصة بالحرس الوطني. حاكم ولاية ساوث كارولينا، نيكي هيلي، قالت ان الرئيس اوباما اظهر ضيق ذرعه وغلب نبرة “التحدي” في معرض اجابته مما “ادخل جوا من البرودة داخل القاعة.” في هذا الخصوص، تنص الخطة المركزية على تحريك 24 طائرة اباتشي مقاتلة المرابطة في اراضي ساوث كارولينا للخدمة الفعلية في اماكن اخرى، واستبدالها بعشرين (20) مروحية قتالية من طراز بلاك هوك.

         حاكم ولاية تكساس، الجمهوري ريك بيري، الذي لا يخفي طموحه للترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة عن حزبه عام 2016، شاطر زميلته هيلي قائلا “ارجح عدم اقدامنا على ارتكاب خطأ مأساوي في بلادنا عبر اجراءات تفرغ قوات الحرس الوطني المرابطة في اراضينا من مهامه والتخفي وراء خطاب سياسي مفاده كلكم سيواجه الاذى المترتب، اذ ان ذلك بالضبط هو ما سمعته اليوم من رئيس الولايات المتحدة.”

         البعض يتوقع بعض التداعيات على استراتيجية القوات البرية، التي سلمت واستندت بقوة في السابق الى مساندة الحرس الوطني وادخاله الخدمة الفعلية، وتعزيز القوات البرية في الظروف الاستثنائية، كما جرى في العدوان على العراق وافغانستان. الرؤيا الجديدة لدور الحرس الوطني تستدعي تطوير بعض التكتيكات المتبعة وايلاء اوسع لمهام الدعم اللوجستي واعتماد اقل عليه للمشاركة ودخول مسرح العمليات القتالية.

الدوافع السياسية

         لا يستبعد عدد من حكام الولايات المحلية ان استراتيجية التخفيضات لها دوافع سياسية، خاصة عند النظر الى الولايات التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري، تكساس واريزونا وساوث كارولينا، والتي تشهد مجتمعة معدلات اعلى من التخفيض. مروحيات A-10، مثلا ستترك تداعيات مباشرة ثقيلة الوطأة على ولاية اريزونا التي تستضيف على اراضيها مراكز وقيادة التدريب على تلك الطائرات. وكذلك الأمر في الولايات الاخرى المذكورة التس تستضيف منشآت عسكرية اساسية.

         بالمقابل، الولايات التي ستجري فيها منافسة قوية على منصب الممثل في مجلس الشيوخ، تشرين الاول المقبل، نجت من اجراءات التخفيض، منها قاعدتي القوات البرية بولاية نورث كارولينا، فورت براغ وفورت كامبل؛ والامر عينه في ولاية كنتكي التي ستنجو من الاجراءات.

الخلاصة

         استراتيجية تخفيض القوات المسلحة المقدمة من البنتاغون ينبغي ان تحظى بموافقة من الكونغرس، الذي ستشهد اروقته ساحة جدال مفتوحة من ممثلي الحزبين لتجنيب مناطقهم من التخفيضات المقترحة. في هذا الصدد، خضعت مروحية A-10 الى ظروف تقلص مشابهة وقدم لها الكونغرس طوق النجاة. كما يتوقع ان ينبري الممثل عن الحزب الديموقراطي لولاية اريزونا، رون باربر، للدفاع المستميت عن مقر قيادة التدريب على الطائرة اذ انه يقع ضمن دائرته الانتخابية المباشرة.

         تخفيض معدلات الانفاق الحكومي لم تلقى ترحيبا يوما ما من قبل الدوائر الانتخابية المعنية، وتتفاقم المعضلة في ظل تدني مستمر لشعبية الرئيس اوباما. الأمر الذي من المرجح ان يدفع ببعض الممثلين عن الحزب الديموقراطي الى الابتعاد عن الرئيس بغية الحصول على ااكبر عدد من اصوات التأييد في الانتخابات المقبلة العام الجاري.

         في حال نجاح استراتيجية التخفيض كما هو منصوص عليها، ستطرأ تعديلات هامة على هيكلية ومهام القوات العسكرية الاميركية برمتها. اذ من المستبعد انخراطها مجددا في حروب تتطلب مشاركة قوات عسكرية كبيرة لفترات زمنية مفتوحة، كما في العراق وافغانستان. وتستدعي الضرورة خفض سقف العمليات الى مهام قصيرة الاجل، كما هو الحال في الكويت. وافصحت الولايات المتحدة عن نيتها اشراك قوات عسكرية محلية في المهام القتالية، بينما يقتصر الدور الاميركي على مهام الدعم اللوجستي والاستخباري – كما يجري حاليا مع القوات الفرنسية في القارة الافريقية. ستتراجع ايضا ميزة القوات المحمولة والجاهزة للتدخل في اي مكان، وليس الغاءها بالمطلق.

         من المفيد النظر الى الخاصية الثنائية للعسكرية الاميركية التي تشهد تغيرات هيكلية في احد تجلياتها، بينما دور الولايات المتحدة في التدخل بشؤون الامم الاخرى لم يتغير ليواكب الاولى. التحدي الاكبر امامها يكمن في قدرتها المستقبلية على الانخراط القتالي كقوة عسكرية عظمى في العقود المقبلة.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

 

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s