من بوابة إيران يمكن لأوباما أن ينهي حرب أمريكا الطويلة لأجل الشرق الأوسط

موقع الجمل
ترجمة عبد المتين حميد
2013-12-12 
d25230f701a7dbcf177498adab316d8a.portrait

 أندرو باسيفيتش ـأستاذ التاريخ و العلاقات الدولية في جامعة بوسطن

2013/12/06واشنطن بوست
ما بدأه جيمي كاتر, ينهيه باراك أوباما. أخيراً جاء الوقت لكي تسدل واشنطن الستار على محاولاتها العسكرية طيلة 30 سنة لإجبار العالم الإسلامي على الامتثال للرغبات و التصوّرات الأمريكية.
بدأت تلك الجهود في العام 1980 حين أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ما يُعرف بـ” عقيدة كارتر  “, دون أدنى إدراك لما قد ينتج عن هذا الإعلان. فقد اضطر لاتخاذ هذا القرار نتيجةً للأحداث لتي حصلت في المنطقة و هي قلب نظام الشاه في إيران و الغزو السوفياتي لأفغانستان. أو بعبارة أدق, فإن الضجة السياسية الداخلية التي نتجت عن هذين الحدثين أجبرت الرئيس – الذي كان يواجه حملة إعادة انتخاب صعبة – على تقديم استعراض بقيامه بعملٍ ما. أما ما تلا ذلك فكان عسكرةً طويلة الأمد للسياسة الأمريكية على كامل المنطقةd25230f701a7dbcf177498adab316d8a.portrait.
أما الآن, و بدون أي جلبة, فإنّ الرئيس أوباما عملـيّاً يلغي عقيدة كارتر. و بدا التواجد العسكرى الأمريكي في المنطقة بالتناقص. و عندما قال أوباما في خطاب تنصيبه الثاني: “إنّ تعزيز الأمن و تحقيق السلام الدائم لا يتطلبان حرباً أبدية”, فقد كان يردد نفس الإسطوانة المشروخة, بالإضافة إلى أنه كان يعترف بالحماقة و الإخفاق الذي أصاب تلك المغامرة التي أدّت إلى توريط القوات الأمريكية و استنزفت كميات هائلة من الدماء و الثروات و عادت على الأمريكيين بالقليل. تلك المغامرة في طور النهاية الآن.
بشكل مشابه لكارتر في 1980, وجد أوباما نفسه أمام القليل من الخيارات. فقد وجد كارتر نفسه – نتيجةً للغضب السائد وقتها و الهلع المنتشر– مجبراً على البدء بتحضير الأمة الأمريكية للحرب لأجل الشرق الأوسط الكبير. مما ارتدّ على خلفائه الذين ورثوا عن كارتر بنتاغوناً منهمكاً بإظهار قوته في أي مكان من مصر إلى باكستان. لقد أثبتت هذه التركة أنها نعمة و نقمة في نفس الوقت, فقد عززت الوهم بأن القوة العسكرية الموظفة بإتقان قد تضع الأمور في نصابها الصحيح. أما اليوم, فإن تفتّح العقول و زوال الغشاوة عن العيون نتيجةً للحروب المعلنة و الخفيّة تمنع أوباما من بدء حرب جديدة.
خيبات الأمل العسكرية المتتالية – و ليست كلها من صنع أوباما– حدّت من صلاحياته كقائد عام. فهو فقط يصدّق على القرارات عوضاً من أن يكون هو المقرِّر. فعلى سبيل المثال, عند إلغاء تهديد الولايات المتحدة بالهجوم على سوريا, فإن الرئيس كان يعترف بما أوضحته استطلاعات الرأي و الكونغرس (ناهيك عن البرلمان البريطاني): “لن يكون هناك أي دعم لأي مغامرات عسكريّة أخرى لتحرير المسلمين أو إحلال السلام”. فعلى الرغم من أنّ الأمريكيين يبوحون بحبّّهم للجيش, إلا أنّهم فقدوا شهيتهم للحرب.
منذ قرنين من الزمن, قال آرثر ويلزلي : ” ما من أمر بنصف سوداوية معركة رابحة سوى معركة خاسرة “. في يومنا هذا, المعارك العظيمة نادرة, بينما الحروب أمر اعتيادي, و صار النصر هو فن الخسارة, و ما من أمر بنصف سوداوية التوقعات المصاحبة للحروب الأمريكية الحالية كأن يقولوا: “ما إنْ تبدأ الحروب تحقق أهدافها”؛ هل تحققت “الحرية المطلقة”؟ إذاً في واشنطن الأوباميّة, لا وجود للأخلاقيات. وحدها الأمم التي تملك فائضاً مريحاً من القوة تستطيع منح نفسها رفاهية السماح للاعتبارات الأخلاقية بتحديد سياستها.
على الأقل فى الوقت الحاضر, استعادت الواقعية روحها؛ بمعنى التوفيق ما بين التطلّعات و الموارد المتاحة, و التمييز ما بين المصالح الحيوية و النزوات. ففي أفغانستان, تم التراجع عن الوعود بالحرية المطلقة,  لأنّ الواقعية اقتضت استبدال “الدعم الراسخ” بـ “الحرية المطلقة” كجائزة ترضية للأفغان. و عندما أخبر مستشار أوباما لشؤون الأمن القومي صحيفة الـ”نيويورك تايمز” بأنّ الرئيس أوباما يرفض “استهلاك كامل وقته على منطقة واحدة” و كما أنه ينوي إعادة تقييم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط “بشكل حاسم و إلى حدٍّ ما بعيداً عن أيّ قيود”. فهذا مؤشر قوي على تسرّب الواقعية إلى واشنطن.
ولكن ما من شيءٍ يشي عملياً بانتهاء الحرب الأمريكية لأجل الشرق الأوسط الكبير. فغارات الزنّانات –التي هي السمة العسكرية الرئيسية لإدارة أوباما– ما زالت مستمرة. مع أن الضربات الصاروخية وحدها لا تخدم أهدافاً استراتيجية أكبر سواءً استهدفت الضربة باكستان أو أفغانستان أو اليمن أو الصومال. لو أن السيد آرثر على قيد الحياة لوصف حملة غارات الزنّانات الأوباميّة بأنّها: “حراسةٌ خلفيّة, ترمي إلى تمكين الكيان الرئيسي من الانسحاب –أي حماية ظهر القوات الامريكية أثتاء انسحابها!–”.
لكن يجب الانتباه إلى المخاطر التي ستنتج عن هذا التراجع. فمع انحسار الحرب الأمريكية لأجل الشرق الأوسط الكبير, يسوء وضع العالم الإسلامي أكثر مما كان عليه عام 1980 حيث يحاصره المتطرفون و يدمّره العنف و تغمره المشاعر المناهضة لأمريكا. لقد تخلت الولايات المتحدة عن الكثير من الحكام المستبدين و أطاحت بالكثير منهم و اغتالت الكثير من الإرهابيين. لكن الفوائد الناجمة عن هذه النجاحات المزعومة ضئيلة جداً. لتتأكدوا من هذا, اسألوا الأفغانيين و العراقيين و الليبيين… أو اسألوا أي أمريكي مهتم بالسياسة. (و لكن لا تزعجوا بسؤالكم هذا أحداً ممن يعملون في الحقل السياسي في واشنطن, حيث الفشل في الانتخابات المحلية في الاتحاد الوطني لكرة القدم يتسبب بالقلق أكثر من فشل الجيش الأمريكي في كسب الحروب).
بالعودة إلى العام 1979, فإن “خسارة” إيران قدّم الحافز الأكبر لانطلاق حرب أمريكا لأجل الشرق الأوسط الكبير. فالشاه تابع أمريكا المخلص أُطيح به. و المتطرفون المشبعون بالحقد على الشيطان الأكبر امتلكوا زمام الأمور. آنذاك, تخبّطت واشنطن جراء هذا الفشل في السياسة. لقد كان فشلاً ذريعاً مماثلاً و ربما أسوأ من الفشل المصاحب لـ “خسارة” الصين قبلها بثلاثين عاماً. لقد كان من الصعب جداً تقبل هذا الفشل في الصين بسبب الافتراض الوقح الأمريكي بامتلاك الصين. إلا أنّ واقعية ريتشارد نيكسون قالت بتجاهل هذا الافتراض, و بإمكانية القيام فقط بأعمال تجارية مع الصين الشيوعية. بالتالي إنّ تقبّل أمريكا لخسارة الصين, مكّنها من تحويل هذا الفشل إلى مصلحة لأمريكا. كذلك الأمر مع إيران اليوم. فالقيادة الإيرانية أخطأت أكثر من مرة في حساباتها, مما أدى إلى الحد من طموحاتها. يمكننا تخيّل نيكسون يتحرق شوقاً لنغتنم هذه الفرصة ناصحاً: “اقبلوا “خسارة” إيران, التي لن تدور في الفلك الأمريكي أبداً, و حوّلوا هذه الخسارة إلى مصلحة لأمريكا”.
زايَدَ المحافظون و هم في ذروة مجدهم بالقول: “بإمكان أي شخص أن يذهب إلى بغداد, لكنّ الرجال فقط هم من يتوقون للذهاب إلى طهران”. إلا أنّ الذهاب إلى بغداد انتهى بفشلٍ ذريع. في طهران تكمن إمكانية الخروج من الحرب المتواصلة. لذا لا بد من عقد صفقة معها (غير صفقة النووي). و على الرغم من عدم وجود أي ضمانات, إلا أنّ أسس الصفقة متوفرة, و الصفقة هي: “نحن نقبل بالجمهورية الإسلامية في إيران, و هم يقبلون بالوضع الراهن الإقليمي؛ هم يضمنون بقاءهم, و نحن نحظى بفرصة لمداواة جراحنا”. و هي نفس الصفقة التي عرضها نيكسون على ماو: “حافظ على ثورتك ضمن حدودك, و سنعقد سلامنا وفقاً لذلك”. و إنّ المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني توفّر الوسط المناسب لإنهاء الحرب لأجل الشرق الأوسط الكبير.
من المؤكد أن صفقة كهذه ستزعج السعودية و اسرائيل اللتين تَعتبران إيران خطراً وجودياً. و لكن بمقدور أوباما أن يتركهما ليموتا في غيظهما.
فعلى الجانب السعودي:
لم تعد الولايات المتحدة مضطرّة بعد الآن لمحاباة السعوديين, لأنّه اتضّح أنّ احتياطات النفط والغاز الطبيعي في الشمال الأمريكي أعظم بكثير مما تمّ تقديره قبل بضع سنوات. كما أنّ احتمال الوصول إلى استقلال شبه كامل في قطاع الطاقة, يحتّم على أمريكا مراجعة الشروط الناظمة للتحالف الأمريكي-السعودي القائم على مبدأ “هم يضخّون و نحن نحمي”. منذ فترة ليست طويلة, بدا أنّه من الضروري و من الضروري جداً إبقاء العائلة الحاكمة السعودية سعيدة. إلا أن الأمور تبدّلت اليوم.
أما على الجانب الاسرائيلي:
الأمر ذاته ينطبق على إسرائيل التي يُنظر إليها كأكبر قوة في محيطها, و الوحيدة التي تملك ترسانة نووية, و تضع أمنها الخاص فوق أي اعتبار آخر, ولها كل الحق في ذلك (من وجهة نظر الغرب). و لكن ما لا يمكن مواصلته هو قيام واشنطن بتكفّل أو غض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية التي تتعارض مع المصالح الأمريكية, ولا سيما استمرار الاستعمار الإسرائيلي للأراضي المحتلة و هي المناطق التي احتلتها اسرائيل إبان حرب 1967. فمثلما تتجاهل إسرائيل الاعتراضات الأمريكية على قيامها بالتوسّع في بناء المستوطنات في الضفة الغربية, يجب على الولايات المتحدة أن ترفض الاعتراضات الإسرائيلية و تدخّلها في تحديد السياسة الأمريكية تجاه إيران.
ختاماً: الطريق الوحيد لخروج أمريكا من مصائبها في منطقة الشرق الأوسط تمرّ عبر الباب المكتوب عليه “طهران”. و إنّ إلغاء الحرب الأمريكية لأجل الشرق الأوسط الكبير لن يؤدي إلى اختفاء المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعكر صفو هذا الجزء من العالم بشكل مفاجئ. بل كل ما هنالك أنّه لن يكون من مشاكل تتوقع من العم سام أن يحلّها. بهذه الطريقة, يمكن للرئاسة التي بدأت بالتفاؤل و الأمل, و لكنها أثبتت نوعاً من الخيابة, تحقيق إنجاز ملحوظ.

أندرو باسيفيتشأستاذ التاريخ و العلاقات الدولية في جامعة بوسطن.

http://www.washingtonpost.com/opinions/with-iran-obama-can-end-americas-long-war-for-the-middle-east/2013/12/06/4ab56fd4-5c3e-11e3-95c2-13623eb2b0e1_story.html

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s