التقرير الاسبوعي لمراكز الابحاث الاميركية ‏13 /كانون الاول-ديسمبر/‏ 2013

نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث

مركز الدراسات الأميركية والعربية 

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

13 /كانون الاول-ديسمبر/‏ 2013 

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6.portrait

المقدمة:

                  ارخت قسوة البرد ثلوجها على واشنطن ومؤسساتها العاملة، وتراجع حجم النشاطات المعتادة لدى مراكز الابحاث الاميركية نتيجة تعثر الحياة العادية.

         سيستعرض قسم التحليل البنود المسربة للترتيبات الأمنية بين اميركا و”اسرائيل” التي يعتقد ان مغزاها يكمن في وضع ضوابط وقيود على الاتفاق النووي مع ايران بشروط مريحة “لاسرائيل؛” وفوزها بضوء اميركي اخضر ولو ضمنيا لقيامها بشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الايرانية؛ والترتيبات الأمنية المهينة ضد الطرف الفلسطيني الناجمة عن زيارة وزير الخارجية جون كيري الاخيرة.

         الابتزاز “الاسرائيلي” لمفاوضات جنيف النووية سيكون ايضا محطة اهتمام لقسم التحليل، بالنظر الى تحول مصدر القلق من تخصيب اليورانيوم الى انتاج ايران للبلوتونيوم وتطوير قذائف نووية حديثة. اي ان “اسرائيل” اضطرت للاقرار بحق ايران في تخصيب اليورانيوم على اراضيها وانتاج سلاح من الجيل الاول يستند الى عنصر اليورانيوم-235، والعمل على اعتراض جهودها لانتاج اسلحة اشد تطورا وطاقة تدميرية، من الجيلين الثاني والثالث للاسلحة النووية.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

التمهيد لجولة كيري

         في توقيت غير مسبوق، عقد مركز صابان التابع لمعهد بروكينغز منتدى فكريا لمناقشة العلاقات الاميركية – “الاسرائيلية” تحدث امامه كل من الرئيس اوباما ووزير الخارجية جون كيري، العائد لتوه من جولة المفاوضات في جنيف. تناول منتدى المركز بحث عدد من القضايا، منها: التحولات الجارية في عموم المنطقة العربية؛ استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية؛ المفاوضات النووية مع ايران؛ استمرار الازمة السورية وتردي الاوضاع الانسانية للاجئين السوريين. (لمزيد من التفاصيل يرجى مشاهدة شريط الفيديو على الرابط التالي:

 http://www.brookings.edu/events/2013/12/06-saban-forum-2013-power-shifts-us-israeli-relations-dynamic-middle-east )

المفاوضات النووية

         دعا مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الى اشراك كل من الكونغرس و”اسرائيل” في المفاوضات الجارية سيما وان “انتقاد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لبنود الاتفاق المتساهلة مع ايران يجد اصداء لدى العديد” من اعضاء الكونغرس ورغبة البعض الآخر ايضا في “امتحان غريزة الرئيس (اوباما) ونزعته لتقديم تنازلات للاعداء.” واوضح انه من اجل نجاح التفاوض مع ايران “ينبغي على الايرانيين الاقرار بامكانية القبول الضمني لدور الكونغرس.”

         كما تناول مركز الدراسات عينه القدرات الصاروخية لايران مؤكدا ان “سباق تسلح نووي بين ايران واسرائيل جارٍ على قدم وساق – والذي تملك فيه اسرائيل القدرة على شن هجوم نووي .. كخيار أول لحين توفير ايران قدرات حماية أمنية لقواتها المسلحة بالنووي.” واضاف ان ما سيترتب عليه للجانب الايراني “نشر قواته النووية خلسة .. ومن ثم منافسة القوى التي تملك مخزون نووي اضخم يشمل اسلحة متطورة وحرارية لحين استطاعة ايران تطوير وامتلاك اسلحة اشد تطورا.”

         تناول معهد واشنطن امكانية استهداف ايران للسعودية التي “ستصبح قريبا هدفا .. نظرا لدور مجموعة كتائب عبد الله عزام المرتبطة بالقاعدة ومسؤوليتها عن التفجير المزدوج للسفارة الايرانية ببيروت.” واضاف ان المنابر الاعلامية المؤيدة لحزب الله “كصحيفة الاخبار اللبنانية” اشارت الى ان المجموعة مدعومة السعودية، “مما يعزز الفرضية باستهداف المصالح السعودية في لبنان والخارج.”

سورية

         اشار معهد كارنيغي الى تشكيل الفرع السوري للاخوان المسلمين حزبا سياسيا تحت اسم “الحزب الوطني للعدالة والدستور – وعد،” وتدعيمه ببعض الشخصيات الوطنية، معربا عن اعتقاده بفشل التجربة نظرا “للغموض الذي يكتنف اهداف وعد،” وكذلك “عدم قدرة تنظيم الاخوان على تفنيد الاعتقاد الشائع بأنه يمسك بتلابيب كافة الخيوط لمشهد المعارضة في الخارج، المجلس الوطني السوري،” بصرف النظر عن “برنامج وعد السياسي المثير للاعجاب.” وخلص بالقول ان “وعد تفتقد لجوهر متطلبات تحولها الى حزب سياسي ليبرالي معتبر.”

         اعتبر معهد واشنطن ان استمرار تدفق اللاجئين السوريين “يشكل تهديدا أمنيا،” مستشهدا بتصريحات الرئيس اللبناني ميشيل سليمان عند قوله ان “لبنان يواجه مأزقا حياتيا ومعيشيا” جراء ذلك. كما استشهد المعهد بتصريحات وزير الداخلية اللبنانية مروان شربل الذي “اكد ان عددا من اللاجئين هم في الحقيقة مقاتلين من المتمردين ..”

         ظاهرة المقاتلين الاجانب في سورية شكلت محور اهتمام معهد كارنيغي معربا عن اعتقاده ان “العديد منهم .. لا يملك سوى القليل النادر من الخبرة القتالية .. يضاف اليهم عددا ممن خبروا القتال في افغانستان والبوسنة والشيشان واليمن وليبيا .. اذ شارك المقاتلون الاجانب في عمليات تطهير (طائفي) للعلويين من المناطق التي بسطوا سيطرتهم عليها.” وزعم المعهد ان “الميليشيا الشيعية العراقية” التي تقاتل الى جانب الجيش العربي السوري “اسهمت ايضا في تطهير وتجويع جيوب السنة في منطقة الغوطة.”

التحليل:

دبلوماسية كيري: استرضاء “اسرائيل” اولاً

ضمانات اميركية وترتيبات أمنية من ايران الى فلسطين

         اعلنت الولايات المتحدة، منذ زمن “بعيد” بدءا من عهود الرؤساء روزفلت وترومان وايزنهاور، ان مفهوم الأمن القومي الاميركي يمتد الى الشرق الاوسط بأكمله، اي الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية، مفصله الاساسي حماية المشروع الصهيوني لتمزيق بلاد العرب وكياناتها السياسية، ويؤسس لخروج العرب من التاريخ بتقسيم جغرافيتهم الى “امارات اسلاموية،” يجسدها المشهد السياسي الراهن في القرن الحادي والعشرين.

في الاستراتيجية الاميركية

         امعانا في توضيح الاستراتيجية الاميركية وصف احد اهم العقول الاستراتيجية الاميركية، زبغنيو بريجينسكي، الوطن العربي بأنه اقرب ما يكون الى ساحة استقطاب وتسويات وصراع ارادات، بين الدول الاقوى في العالم. (لمزيد من التوضيح  يرجى مراجعة كتابه الصادر عام 1998 بعنوان “رقعة الشطرنج الكبرى The Grand Chessboard” واسهاماته اللاحقة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية). أهمية بريجينسكي انه لا يزال يعد “الاب الروحي” ومصدر الهام لسياسات الرئيس اوباما واركان ادارته حول العالم قاطبة. بل اعتبر احدهم ان “اوباما صبي بريجينسكي.”

         على ضوء هذه الخلفية الضرورية يمكننا النظر الى الجولة الاخيرة في الرحلات المكوكية لوزير الخارجية الاميركي، جون كيري، واعلانه عما اصطلح على تسميته “مبادرة كيري،” سبقتها مبادرات اميركية اخرى لم تنقطع في جوهر مراميها واهدافها: جون فوستر دالاس، دين راسك، ويليام روجرز، ويليام سكرانتون، هنري كيسنجر، هارولد ساوندرز .. الخ. كيري غلف “مبادرته” للترتيبات الأمنية، التي سنتناولها لاحقا، بالموافقة على انشاء مطار فلسطيني “لكن على الاراضي الاردنية،” يرافقه وضع “اسرائيل” محطات انذار مبكر على كل المرتفعات في نواحي “الضفة الغربية” من فلسطين المحتلة. وحتى لا يبقى تفسير “مبادرة كيري” في باب العموميات والديباجات اللغوية، اوضح “قائد المنطقة الوسطى في قوات الاحتلال الاسرائيلي الجنرال نيتسان الون” في تصريح نشرته الصحف “الاسرائيلية” ان مطالب وادعاءات الفلسطينيين بالسيادة “عبارة عن هراء وتفاهة ..” بل الأهم انه يفند دعوة كيري عينها لصيغة تسوية تفضي الى “دولة فلسطينية.”

مبادرة كيري: الابقاء على أمن “اسرائيل”

         شدد كيري في نهاية جولته التفاوضية على عزم الطرفين، “اسرائيل” والسلطة الفلسطينية، التوصل الى اتفاق حول الحل النهائي في غضون شهر نيسان المقبل “يتناول القضايا الرئيسية، مثل الأمن، ومستقبل القدس، ومصير اللاجئين ..” يشار الى ان الجنرال جون الآن، المكلف حديثا بالترتيبات الأمنية، حضر محادثات كيري مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس. وطبقا لمصادر فلسطينية عليمة بلقاء كيري، فان الجنرال الاميركي انجز مسودة خططه الأمنية “بحيث تتيح سيطرة عسكرية اسرائيلية مستمرة للسنوات العشرة المقبلة على منطقة الاغوار – بمحاذاة الحدود الشرقية لأي كيان فلسطيني” مسمى دولة. ودأب الجانب الفلسطيني على ترديد معادلة كيري التي طرحها المتمثلة بعقده “مقاربة بين أمن اسرائيل وسيادة فلسطينية.”

“مبادرة” السيد كيري لم تأتِ بجوهر جديد يستوجب عناء البحث والتدقيق والتمحيص، اذ انها تستند الى الاهداف الاميركية و”الاسرائيلية” المعلنة منذ زمن، نقطة ارتكازها “الاعتراف الفلسطيني والعربي بيهودية الدولة .. وشرعنة المستعمرات “الاسرائيلية،” واقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح.” اما جذورها وفواصلها ونقاط حروفها فقد اشتقت من “اتفاق عباس – بيلين” المعقود عام 1995، والذي تبلور ليصبح “مرجعية المفاوضين السياسيين لمرحلة الحل النهائي،” كما ورد في المصطلحات والتفاهمات السياسية المتتالية منذئذ. وثيقة “عباس-بيلين” وما تبعها من ترتيبات، سميت تفاهمات، تلاها اتفاق آخر اجراه ياسر عبد ربه مع يوسي بيلين عينه، عرفت باتفاق جنيف وتضمنت “المباديء الاساسية للحل النهائي بعلم كل من السيد ياسر عرفات واسحق رابين،” كما اوردته صحيفة “هآرتس” في عددها الصادر يوم 23 شباط 1996.

         واوضح الباحث الفلسطيني، حلمي حنون، ان الوثيقة مكونة من “سبع عشرة صفحة اضافة الى ثلاث ملاحق تتضمن خمس خرائط بيانية تفصيلية بالتعديلات التي تقترحها على حدود عام1967م وعلى حـدود بلدية القـدس الكبرى المنصوص عليها كعاصمة أبدية لإسرائيل، إلى جانب حدود بلدية القدس العربية المسـتحدثة (أبو ديـس وجوارها) كعاصمة إدارية للسلطة الفلسطينية يطلق عليها اسـم “القـدس”، وخارطة تتعلق بالمستوطنات ذات الكثافة السـكانية، وأخرى بمصادر المياه المشتركة.” هآرتس ذهبت ابعد من ذلك قائلة ان الوثيقة تنص على إقرار الطرفين بأن اتفاقيتي أوسـلو(1) و(2) هما الأسـاس الذي يقوم عليه الحل النهائي” المحددة معالمه في هذه الوثيقة. (التشديد في الأصل)

         ومضى جون كيري في توضيح الثابت من توجهاته ومبادرته، نهاية الاسبوع الجاري، ان “أمن اسرائيل” يشكل اولوية قصوى للولايات المتحدة في جولات المفاوضات النووية مع ايران ومع الفلسطينيين. واضاف لمن لم يقرأ تصريحاته بدقة، “لا استطيع اضفاء مزيد من التشديد على ان أمن اسرائيل في جولة المحادثات الراهنة (مع ايران) على رأس سلم جدول اعمالنا .. أمن اسرائيل يعد الركن الاساسي لهذه المفاوضات.”

         أهمية “اسرائيل” بالنسبة للولايات المتحدة لخصها مستشار الأمن القومي الاسبق، وليم كوانت، في عهد الرئيس جيمي كارتر، 1977-1980، بالقول “ان التعامل مع اسرائيل هو بمثابة التنبؤ بربع قرن قادم امامنا، اما التعامل مع العرب فهو تعامل مع سياسة اللحظة الراهنة .. اسرائيل هي الحليف الوفي للولايات المتحدة في المنطقة؛” اكدته ايضا صحيفة “عل همشمار” في عددها الصادر يوم 29 نيسان 1986 بأن “اسرائيل جعلت من جيشها الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحدة الاميركية.”

ربما المتغير الجديد في “السياسة الاسرائيلية” هو اولوية ايران وبرنامجها النووي مقابل تراجع ملحوظ للمضي في “مفاوضات التسوية” مع السلطة الفلسطينية. الأمر الذي حدا بها الى اطلاق صرخات الاستغاثة العالية لدى عواصم الدول الغربية بضرورة محاصرة تطور البرنامج النووي الايراني، وعدم التوقف عن التهويل بالخيار العسكري ضد المنشآت النووية وغيرها. وكما جرت العادة، فان توجه الكونغرس بمجلسيه نحو المصادقة ودعم اتفاق بهذا الشأن يرتبط عضويا برضى وموافقة “اسرائيل؛” ولا ينتقص منه معارضة الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات “الاسرائيلية،” يوفال ديسكين، الذي انتقد بشدة ايلاء الاولوية لايران على حساب التوصل لتسوية مع السلطة الفلسطينية.

         استنادا الى جملة من المعطيات، باستطاعتنا القول ان “لاسرائيل دور تنفذه من خلف الستار” في المفاوضات النووية الجارية تجسد نظرتها لما تعتبره “قيود مقبولة” تفرض على مستقبل البرنامج النووي برمته. واوضحت يومية “هآرتس” الدور الخفي والاساسي بالقول ان “اسرائيل تبقي على اتصال مستمر بطواقم التفاوض (5+1) .. بغية ادخال الصيغة المقبولة لها في تعديلات الاتفاق، ودرءا للتنازلات التي قد تقدم لايران فيما يتعلق بمفاعلها للمياه الثقيلة في اراك ..”

ترتيبات أمنية مقترحة من كيري لمصلحة “اسرائيل”

         المبعوث الامريكي السابق لـ “عملية السلام” الجنرال جيمس جونز استكمل الترتيبات الأمنية التي بدأها سلفه الجنرال كيث دايتون، الذي ارسى مفاهيم جديدة لعقيدة “قوى الأمن الفلسطينية” محورها “المحافظة على أمن اسرائيل” والمستعمرين اليهود. في عهد جون كيري تم تعيين الجنرال جون آلان في مهمة “المبعوث الاميركي الخاص لقضايا أمن اسرائيل،” لبلورة الاطار النهائي للحل الاميركي. على رأس مهامه، وفق توصيف كيري، مهمة “تقييم التهديدات المحتملة التي تواجه اسرائيل، والمنطقة، وضمان ترتيبات واجراءات أمنية .. لتوفير اعلى مستوى من الأمن لاسرائيل.”

وما لبث جون كيري ان اوضح مجددا مراميه في حديث ادلى به في منتدى صابان، التابع لمعهد بروكينغز، من تعيين الجنرال الآن بالقول: سيرافق الجنرال طاقم كبير من الخبراء يصل عددهم نحو 160 فردا يضم “خبراء عسكريين، ضباط استخبارات وآخرين في نطاق تحليل المعطيات لبلورة تصور في منتهى الجدية يطرح على طاولة المفاوضات.” ويدعم طاقم الجنرال الآن “خبراء ومسؤولين عسكريين يعملون في بضع عشرات من الاجهزة في الولايات المتحدة، تضم مكتب وزير الدفاع؛ وكالة التعاون والأمن (في البنتاغون)؛ وكالة خفض التهديد؛ وهيئة البنتاغون للابحاث العلمية – داربا التي لها الفضل في انشاء شبكة الانترنت؛ عدا عن قيادة هيئة الاركان المشتركة واسلحة القوات البرية والبحرية والجوية ومشاة البحرية – المارينز .. والذين يجرون تنسيقا عاليا مع جيش الدفاع الاسرائيلي .. والشين بيت والموساد .. وكذلك مع الفلسطينيين ..”

مبادرة وتوضيحات كيري، في الشق الفلسطيني والملف الايراني، تثبت مجددا ان ما يهم اميركا في اي تسوية او تفاق مرتقب هو الاتساق مع المطالب “الاسرائيلية،” بصرف النظر عن تصريحات مسؤولين “اسرائيليين” سابقين تدغدغ عواطف الرأي العام، كتصريحات ديسكين مثلا.

“اسرائيل” محور التسويات الاميركية

تدرك “اسرائيل” بدقة، استنادا لتقارير الاجهزة الاستخبارية الغربية، ان ايران تخطت حاجز القدرة على تخصيب اليورانيوم؛ بيد ان الاولى ترغب في تقييد جهود التطوير المقبلة. الأمر الذي يشي “باستيعاب اسرائيل” لقدرة ايران انتاج الجيل الأول من القذائف النووية، وترمي الى حرمانها من التوصل لانتاج الجيل الثاني المتطور. تقنية الجيل الأول للقذائف النووية تستند الى عنصر اليورانيوم 235، والذي من العسير تحميله كرأس حربي على الصواريخ الايرانية بعيدة المدى نظرا لوزنه الثقيل نسبيا (قنبلة هيروشيما الاميركية بلغ وزنها 4.5 طن وطولها 3 أمتار، وقوة الانفجار الناجم عنها عادل 12.5 الف طن من مادة تي ان تي، امتد انتشاره على دائرة قطرها من 3 الى 5 كلم ليفتك بكل ما تواجد على القشرة الارضية، من انسان وجماد.)

وعليه، فان مفاعل اراك للمياه الثقيلة يشكل المنصة لأي رغبة محتملة لايران للدخول في صلب مشروع الاجيال المتطورة للقذائف النووية، نظرا لدوره في انتاج عنصر البلوتونيوم الضروري لانتاج قذائف اصغر حجما واشد فتكا واقل وزنا من الجيل الأول. لهذا السبب، تعارض “اسرائيل” السماح لمفاعل اراك المضي في دورة الانتاج. تقلق “اسرائيل” وعينها على اجهزة التفجير النووية المتطورة والتي يمكن تفعيل صواعقها بسهولة نسبية. فعنصر البلوتونيوم يتعرض لتفجير داخلي باستخدام صواعق ومواد تفجيرية متطورة ليصل الى الكتلة الحرجة المطلوبة. للبلوتونيوم خاصية اخرى تتعلق بتطويع مكوناته لانتاج قذائف بالتفجير الحراري صغيرة الحجم والوزن، مما يعزز من اهميته في تحميل الرؤوس المتفجرة على صواريخ قاذفة. ومن هنا يمكن الاستدلال على كنه القلق “الاسرائيلي” لجهود تخصيب اليورانيوم القائمة في ايران، ومطالبتها الدول الغربية بموقف متشدد من جهود ايران كي تتسق مع تحويل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% (190 كلغم) الى اوكسيد اليورانيوم الذي لا يدخل في تطوير وصناعة الاسلحة النووية.

سيناريو “اسرائيل” الخيالي لهجوم عسكري

اضافة لما تقدم، يبقى هاجس “اسرائيل” بشن هجوم عسكري على ايران يراود صناع القرار كوسيلة ابتزاز للدول الغربية، وعلى رأسها اميركا، بعد ارجائها للخيار العسكري ضد ايران. وتطمح “اسرائيل” للحصول على تطمينات “سرية” اميركية تنص على السماح لها بشن هجمات عسكرية ضد المنشآت النووية الايرانية، في حال الفشل بالتوصل الى اتفاق مع ايران، وفي نفس الوقت تعتبر موافقتها الضمنية بالغة الاهمية لاتفاق يتوصل اليه الاميركيون مع الطاقم الايراني المفاوض.

من غير المستبعد حصول “اسرائيل” على موافقة اميركية بهذا الشأن سيما وانها لن تشكل سابقة لضوء اخصر اميركي للجوء الى الخيار العسكري نيابة عنها. ومن المرجح ان تطالب “اسرائيل” بضمانات عدة من واشنطن، منها عدم تعرضها لاجراءات مقاطعة تقودها الولايات المتحدة نتيجة للهجمات العسكرية، وكذلك حماية الدول “الخليجية” والاخرى الميسرة لمرور سلاحها الجوي فوق اراضيها؛ وضمان “تجاهل” القوات الاميركية المتعددة في منطقة الخليج لتنفيذ عدوانها ضد ايران؛ واخيرا ضمان وصولها لاستخدام اسلحة اميركية جد متطورة، مثل القنابل الخارقة للتحصينات.

تطوير العلاقات العسكرية المشتركة بين “اسرائيل” والولايات المتحدة ليس امرا او مطلبا طارئا، بل ستطالب الاولى بالمزيد من المعدات والاجهزة واجراءات التنسيق، للمحافظة على مكانتها كقاعدة عسكرية متقدمة ومتطورة تقوم بمهام الولايات المتحدة نيابة عنها. ومن المجالات البارزة في هذا الشأن، منظومات الدفاع الصاروخية ضد القذائف قصيرة المدى والمديات البعيدة، الامر الذي تعتبره “اسرائيل” مقدمة لموافقتها على تحسين نطاق معاملتها للسلطة الفلسطينية.

“التسوية” الفلسطينية تمر عبر نفق طهران وجنيف

 الاصرار بتوفير الضمانات الاميركية “لأمن اسرائيل” يشكل العنصر الطاغي في مكونات سياسة الادارة الاميركية في الشرق الاوسط. تخلف “اسرائيل” عن دعم اتفاق مع ايران، ولو ضمنيا، سيفرض الفشل لاي مساعي لاتفاق بهذا الشأن، لا سيما اذ نظرنا الى دخول عامل الكونغرس بمجلسيه لتلبية متطلبات الاولى والذي ابدى جهوزيته لانزال عقوبات اقتصادية متشددة ضد ايران مما سيبطل مفعول اي اتفاقية واعاقة الجهود التالية لاحراز تقدم في التوصل لحل ديبلوماسي للأزمة السورية.

عقد توازن بين مطالب ايران و”اسرائيل” هي أس مهمة كيري الديبلوماسية، بحيث يتاح لايران القدرة على تخصيب اليورانيوم على اراضيها، ووعيه لعزم “اسرائيل” حرمان ايران من تطوير جهودها لاقتناء الاجيال التالية من المعدات والصواعق النووية.

يدرك كيري والرئيس اوباما سويا ان موافقة “اسرائيل” على الاتفاق النووي مع ايران مشروطة بابقاء الخيار العسكري قيد التداول برغم معارضة الرئيس اوباما لشن الاولى هجوم عسكري على ايران، بل ستلح على “حقها في اللجوء اليه.” خلافا لذلك، من شبه المؤكد ان تمضي “اسرائيل” في جهودها لتقويض الاتفاق عبر حلفائها الكثر في مجلسي الكونغرس.

من مصلحة “اسرائيل” مطالبة اميركا تكثيف تواجدها العسكري في المنطقة لمستويات ابعد من الحالة الراهنة، على ضوء العلاقات الثنائية المتوترة بين اوباما ونتنياهو. اذ يعتقد الاخير ان مزيدا من عسكرة المنطقة ستدفع ايران الى التفاوض للتوصل الى اتفاق، ويتيح في الوقت نفسه الفرصة للتوصل الى ترتيبات أمنية مع السلطة الفلسطينية.

السياسة الاميركية في المنطقة في عهد كيري تستدعي التوصل الى اتفاق نووي مع ايران ثمرة لمفاوضات جنيف، بحيث تصبح مقبولة لدى ايران و”اسرائيل،” التي تطالب بترتيبات أمنية اضافية مع فريق السلطة الفلسطينية. الزمن كفيل بالاجابة على مدى فعالية وحنكة جون كيري التوصل الى ذلك من عدمه.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s