سورية ومصر تكشفان أجندة إردوغان الخفية: “العثمانية الجديدة”

جريدة الغد الاردنية

 http://www.alghad.com/

نشر : 01/12/2013
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني 

نيقولا ناصر* – (غلوبال ريسيرتش) 20/11/2013

http://www.globalresearch.ca/

a4e89381bd7ed902a03dfb6f22064195.portrait

أشر اندلاع الصراع السوري في أوائل العام 2011 على أفول الاستراتيجية التركية المعلنة رسمياً، والقائمة على مبدأ “صفر مشاكل مع الجيران”. لكن الأهم من ذلك هو أنه كشف عن “الأجندة الخفية” للسياسة الخارجية التركية في ظل حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان. وهي ما وصفه سريرام تشوليا، عميد كلية جندال للشؤون الدولية في سونيبات الهندية، بأنه “الأجندة الخفية الزاحفة” المغطاة من الناحية الإيديولوجية بـ”الإسلاموية”، لكنها تتكشف لدى النظر فيها بعمق أكبر عن نزعة عثمانية جديدة، والتي تستخدم عملياً “الأسلمة” الخاصة بإرث مصطفى كمال أتاتورك محلياً، وسياسة تركيا الخارجية إقليمياً، كأداة لإحياء الإمبراطورية العثمانية التي كانت سائدة في السابق.
مستحضراً مجد وعظمة إمبراطورية بلده السابقة، كان وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، قد كتب: “كما فعلنا في القرن السادس عشر… سنصنع مرة أخرى منطقة البلقان والقوقاز والشرق الأوسط سوية مع تركيا، لتكون مركز السياسة العالمية في المستقبل. ذلك هو هدف السياسة التركية الخارجية، وسوف نحققه”. (بإضافة التشديد).
وحسب ما اقتبسه هيليل فرادكين ولويس ليبي، اللذان كتبا في عدد آذار (مارس)/ نيسان (أبريل) الماضي في موقع مجلة شؤون عالمية، فإن هدف حزب إردوغان الحاكم، العدالة والتنمية، للعام 2023، كما أعلنه المؤتمر العام الرابع للحزب، هو: “أمة عظيمة وقوة عظيمة”. وحث إردوغان شباب تركيا على عدم التطلع للعام 2023 فقط، وإنما للعام 2071 أيضاً، عندما تصل تركيا “إلى مستوى أسلافنا العثمانيين والسلاجقة بحلول العام 2071″، كما قال في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي.
ووفق فرادكين وليبي، فإن العام 2071 “سيصادف ذكرى مرور ألف عام على معركة ملاذكرد، عندما هزم السلاجقة الأتراك الإمبراطورية البيزنطية، وأذنوا بقيام الإمبراطورية العثمانية”.
قبل حوالي ستة أشهر، كان داود أوغلو يشعر بثقة كبيرة مقرونة بتفاؤل ليقول إنه “أصبح من الممكن أخيراً قلب وجهة النظام المفروض” من جانب اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية البريطانية في العام 1916 لتقاسم الإرث العربي من الإمبراطورية العثمانية بينهما.
ويعرف داود أوغلو حق المعرفة أن العرب ظلوا يكافحون منذئذٍ وحتى الآن عبثاً ليتحدوا كأمة، وللتخلص من إرث اتفاقية سايكس بيكو، وإنما ليس لإعادة الوضع السابق للإمبراطورية العثمانية. لكنه يعرف تماماً أن الحركات الإسلامية السياسية، مثل الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، تأسست أصلاً في مصر وفلسطين على التوالي، كرد فعل على انهيار الخلافة العثمانية.
ومع ذلك، لا يمكن استثناء أرصدة إردوغان الإسلامية واعتبارها زائفة: ذلك أن خلفيته وممارساته في رئاسة الوزراء منذ العام 2002، بالإضافة إلى سياساته الإقليمية منذ بدء الصراع السوري قبل أقل من ثلاثة أعوام، كلها تكشف عن أنه يؤمن بالفعل بنسخته من الإسلام بذاته باعتبارها الأداة الصحيحة من أجل السعي إلى تحقيق ما لا يخفى كثيراً من “أجندته الخفية” العثمانية.
من الواضح أن إردوغان يسعى إلى تجنيد مسلمين ليكونوا مجرد “جنود”، والذين لن يحاربوا من أجل الإسلام في حد ذاته، وإنما من أجل طموحات النزعة العثمانية الجديدة. وفي وقت مبكر بشكل كاف، هو شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 1997، كان قد حكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر لأنه ألقى قصيدة تقول: “المساجد ثكناتنا، والقباب خوذنا، والمآذن مناراتنا، والمؤمنون هم جنودنا”. وقد اعتبر النظام القضائي العلماني في تركيا هذه القصيدة خرقاً لمبدأ الكمالية.
“نافذة الفرصة” الخادعة
مع ذلك، لا تجد ميكيافيلية إردوغان أي تضاد بين توجهه الإسلامي وبين ترويجه “للأنموذج التركي”، الذي يسوق ما يعرف بالإسلام السني “المعتدل” في سياق دولة أتاتورك العلمانية والليبرالية، باعتبار أن كليهما يقدمان بديلاً للدول الدينية-القبلية المحافظة، وللمنافس الطائفي المتمثل في الثيوقراطية الشيعية المحافظة في إيران. وقد لمس في تراجع التركيز الأميركي الأخير من الشرق الأوسط باتجاه المحيط الباسفيكي ظهور فراغ في القوة الإقليمية يقدم له نافذة فرصة تاريخية لتعبئة الفراغ الذي تصوره.
في هذا الصدد، كتب غونتر سيوفرت في الصحيفة الألمانية “ستفسنغ أند بوليتيك” يوم 14 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي: “نظر حزب إردوغان الحاكم إلى ضعف أوروبا وخفوت النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط على أنهما فرصة جديدة لتكريس تركيا كلاعب مؤثر في المنطقة”.
من ناحيتهما، غذت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، في خطوة جادة لتجنيد تركيا ضد إيران، وهم إردوغان بالقيادة الإقليمية. وهو خدع ذاته بالاعتقاد غير الواقعي بأن بإمكان تركيا التصدي للنجوم الصاعدة وتجاوزها من القطب العالمي الروسي الناجم، والقطب الإقليمي الإيراني الناجم، واللاعبين الإقليميين التقليديين في مصر والعربية السعودية، ناهيك عن العراق وسورية في حال تغلبهما على الصراعات الداخلية فيهما.
وعلى وجه التأكيد، فإن حلفاءه في حركة الإخوان المسلمين الدولية، ودعمه اللوجستي الميكافيلي المخفي للتنظيمات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة، ليست ولن تكون بمثابة الوزن المكافئ. لقد ركز في المقام الأول في وصوله العربي على ترويج “الأنموذج التركي”، خاصة خلال الشهور الأولى مما يدعى “الربيع العربي”، ليكون مثالاً أمل إردوغان أن تتبعه الجموع العربية الثائرة، وهو الأمر الذي كان ليضعه في موضع المعلم أو الزعيم.
ولكن، بينما أجبره اندلاع الصراع السوري على الكشف عن “أجندته الخفية” الإسلاموية، وعن تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين الدولية، فإن الإطاحة بالإخوان المسلمين عن سدة السلطة في مصر مع كل ثقلها الجيو-سياسي، مدعومة من القوة الإقليمية الثقيلة للعربية السعودية، جرده من أوراقه وبدد طموحاته في القيادة الإقليمية. لكن الأكثر أهمية أن ذلك كشف المزيد من “أجندته الخفية” للعثمانية الجديدة، ودفعه إلى إسقاط كل ادعاءاته العلمانية والليبرالية التي تضمنها خطابه السياسي عن “الأنموذج التركي”.
لم يعد “محبوب العرب”
حاول إردوغان ومهندس سياسته الخارجية داود أوغلو أيضاً استغلال التبني العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية كبند مركزي في أجنداتهما في السياسة الخارجية.
ومنذ تواجه إردوغان مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في القمة الاقتصادية في دافوس في كانون الثاني (يناير) من العام 2009، ثم الهجوم الإسرائيلي على سفينة أسطول المساعدات التركية الذاهبة إلى غزة “مافي مرمرة” في العام التالي، وتودد تركيا لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، حكام الأمر الواقع لقطاع غزة المحاصر من جانب إسرائيل، وفي الوقت نفسه كانت غزة مستهدفة من جانب عملية الرصاص المسكوب في العامين 2008-2009، ثم استهدفت مرة أخرى في العملية الإسرائيلية التي عرفت باسم عمود الدفاع في العام 2012، أصبح رئيس الوزراء التركي “محبوب العرب” ودعي لحضور قمة الجامعة العربية والاجتماعات الوزارية.
مع ذلك، وفي مقابلات مع “ريزيرش تيركي” و”سي أن أن تركيا” وغيرها من المنافذ الإعلامية، أبرز عبد اللطيف سينير، مؤسس حزب العدالة والتنمية الذي سبق وأن كان وزيراً للمالية في حكومات متعاقبة لحزب العدالة والتنمية لمدة سبعة أعوام قبل أن ينفصل عن إردوغان في العام 2008، أبرز ميكافيلية إردوغان وشكك في جديته وصدقيته في موقفه الإسلامي والفلسطيني والعربي العام.
وقال سينير: “إن إردوغان يتصرف من دون اعتبار للدين، وحتى لبعض القضايا الأساسية، لكنه يدلي برسائله الدينية الخاصة الحادة… وأنا لا أعتبر حزب العدالة والتنمية حزباً إسلامياً، لكنه حزب يحصد الأصوات من خلال استخدامه الخطابات الإسلامية”. وأضاف: “لقد أسند إليه لعب دور الشرق الأوسط”، وتقدم تركيا إردوغان أقوى دعم لوجستي” للإسلاميين الذين “ما يزالون ينفذون نشاطات إرهابية” في سورية.
وفي مقابلة مع “سي ان ان التركية”، ألقى سينير قنبلة عندما أشار إلى أن خلاف حزب العدالة والتنمية مع إسرائيل كان “مُسيطراً عليه”. فخلال المقاطعة الدبلوماسية لإسرائيل، تمت إحالة مناقصات عدة لشركات إسرائيلية، ووافقت تركيا على منح مكانة الشريك لإسرائيل في الناتو: “فإذا كان اهتمام حزب العدالة والتنمية هو مواجهة إسرائيل، فلماذا إذن يعملون لفائدة إسرائيل؟”. وفي مقابلة أخرى، قال إن نظام الرادار الخاص بالناتو والذي نصب في مالاتيا موجود هناك لحماية إسرائيل من إيران.
إلى ذلك، حاجج سينير بأن أكبر كاسب نتيجة انهيار حكومة الرئيس السوري بشار الأسد ستكون إسرائيل، لأن ذلك سيضعف حزب الله وإيران. ومع ذلك، نرى أن تركيا إردوغان هي أقوى الداعمين الصلبين لتغيير النظام في سورية.
كانت سياسة إردوغان السورية هي عقدة الموت لاستراتيجيته القائمة على “صفر مشاكل مع الجيران”، والمستنقع الإرهابي الدموي للصراع السوري أغرقها في رماله المتحركة. وأبرزت قصة ليز سيلي المنشورنة في صحيفة “الواشنطن بوست” في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي كيف أن سياساته السورية “أصبحت غريبة” وذات نتائج عكسية، من خلال “وضع تنظيم القاعدة على حدود الناتو (التركية) لأول مرة”. وبتحالفه مع الإخوان المسلمين الدولية، حيد إردوغان مصر، والعربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى الأوزان العربية الثقيلة في سورية والعراق والجزائر، وترك نفسه مع “صفر أصدقاء” في المنطقة. ووفق غنتر سيوفورت، فإن سياسة تركيا الخارجية ككل، وليس فيما يتعلق بسورية وحسب “ضربت الحائط”، لأن قيادة إردوغان “نظرت إلى التحولات السياسية العالمية من خلال عدسات أيديولوجية مظللة -(أي إسلامية)”.
التبديل باتجاه الخلف متأخر جداً
وقال سيوفورت إن تركيا إردوغان تبدو الآن وأنها “تقوم بالتبديل إلى الخلف أصلاً فيما يتعلق بسياستها الخارجية”. وهي “تريد إعادة الربط مع إيران” كما أن “طلب واشنطن إنهاء الدعم للمجموعات الراديكالية في سورية لم يقع على آذان تركية صماء”.
سوف تفضي “إعادة الربط” مع إيران وشقيقها العراقي الطائفي إلى المزيد من تحييد الحاكم السعوديين أكثر وأكثر، والذين لم يقووا على تحمل إعادة ربط مشابهة من جانب حليفهم الأميركي التاريخي والاستراتيجي، والذين أغضبهم أصلاً تحالف إردوغان مع الإخوان المسلمين الممولين قطرياً، وترعاهم الولايات المتحدة، فلم يترددوا في المخاطرة علناً بخلق شق مع حليفهم الأميركي حول إزاحة الإخوان المسلمين عن السلطة في مصر قبل خمسة شهور.
وجاءت ضمن السياق زيارة داود أوغلو الأخيرة لبغداد، والتي “أبرزت الحاجة إلى المزيد من التعاون بين تركيا والعراق ضد الصراع الشيعي-السني”، وفق موقع “دبليو دبليو دبليوتيركيش ويكلي” يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر). وبالإضافة إلى ذلك، أراد هو “شخصياً” قضاء شهر محرم من كل عام (في الأماكن المقدسة الشيعية في كربلاء والنجف مع إخواننا الشيعة هناك).
وفي إطار نفس نهج “التبديل إلى الخلف”، جاء دور إردوغان ليلعب دور المضيف في الأسبوع قبل الماضي لرئيس الحكومة الإقليمية الكردية، مسعود برزاني -ليس في أنقرة، وإنما في ديار بكر التي يعتز بها الأكراد الأتراك باعتبارها عاصمتهم بالطريقة نفسها التي يعتز فيها أكراد العراق بكركوك.
ومع ذلك، وفي نفس يوم زيارة برزاني، استبعد إردوغان احتمال منح الأكراد الأتراك حقهم العالمي في تقرير المصير، عندما أعلن بأن “الأخوة الإسلامية” هي الحل للصراع الكردي الإثني في تركيا، بينما أعلن نائبه، بولنت ارينك أن “عفوا عاماً” عن المعتقلين الأكراد ليس مدرجاً على أجندة اليوم. وقبل ثلاثة أيام، يوم 15 تشرين الثاني (نوفمبر)، قال الرئيس التركي، عبد الله غول “إن تركيا لا تستطيع السماح بإقرار الأمر الواقع” من حيث الإعلان عن محافظة كردية ذات حكم ذاتي على طول حدودها الجنوبية في سورية، والتي خلقتها سياسات رئيس وزرائه سلبية النتائج، سوية مع الشريط الشمالي الشرقي من الأراضي السورية المسيطر عليه من جانب القاعدة.
أتت نزعة إردوغان العثمانية الجديدة المشحونة بإيديولوجيته الطائفية الإسلامية كآلية بنتائج سلبية من حيث تحييد البيئة السنية والشيعية الإقليمية: السوريين والعراقيين والمصريين والإماراتيين والسعوديين والعرب اللبنانيين والأكراد والأرمن والإسرائيليين والإيرانيين، بالإضافة إلى الليبراليين والعلمانيين الإقليميين. وقد أصبحت سياسته الخارجية فوضوية، حيث هناك ثمن اقتصادي ثقيل يجري دفعه، كما ظهر من التخفيض الأخير في قيمة الليرة التركية في مقابل الدولار الأميركي، بنسبة 13.2 %.
قد يكون “التبديل إلى الخلف” في هذه الآونة متأخراً جداً لمساعدة إردوغان وحزبه في الانتخابات المحلية المقبلة المقرر إجراؤها في آذار (مارس) المقبل، كما وفي الانتخابات الرئاسية التي ستليها في آب (أغسطس) من العام المقبل.

*صحفي عربي مخضرم يتخذ من بير زيت في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل مركزاً له.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
Syria, Egypt Reveal Erdogan’s “Hidden Agenda”

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s