النزعة العنصرية في أفكار الهيمنة الأميركية

جريدة السفير اللبنانية

http://www.assafir.com/

08/11/2013 العدد: 12623

هاني شادي

أستاذ الاقتصاد السياسى فى جامعة موسكو

0ceb59deca02f1387f87cabd840fb3d0.square

في الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية احتل عالم السياسة نيقولاس سبيكمان مرتبة الأيديولوجي الرئيسي للطغمة العسكرية في الولايات المتحدة، تلك المرتبة التي احتلها الأميرال ماهان في السابق. وعرض سبيكمان المبادئ الأساسية للجيوسياسة الأميركية في كتابيه «الإستراتيجية الأميركية في السياسة العالمية» في 1942 و«جغرافيا النظام السلمي» في 1944. وتتماس أفكار سبيكمان الأساسية مع تطور الأفكار الرئيسية التي تشكلت في فجر التوسع الأميركي، والتي تتلخص في حتمية التوسع الجغرافي ونظرية الداروينية الاجتماعية للصراع الأبدي للجميع ضد الجميع في العلاقات الدولية، وعبادة القوة، والقناعة بأن الأقوى يحق له دائما إخضاع الأضعف.
وفي سعيه لتعليل العدوانية الأميركية، يقول سبيكمان: «إن شكل الأرض نفسه يلغي الأخلاق ويعطي المبرر لتدمير الضعفاء من قبل من لديه القوة». وفي كتابه «الإستراتيجية الأميركية في السياسة العالمية» الذي ترك تأثيراً كبيراً على الرئيسين فرانكلن روزفلت وهاري ترومان، يقول: «إن كل أشكال العنف، بما فيها الحروب المدمرة، مباحة في المجتمع الدولي، وإن الصراع على القوة هو الهدف الرئيس للسياسة الداخلية والخارجية للدول.. وبالقوة فقط يمكن بلوغ أهداف السياسة الخارجية.. القوة تعني القدرة على البقاء والقدرة على فرض إرادتك على الآخرين وإملاء الشروط على من لا يملك القوة، وإمكانية الحصول على تنازلات ممن لديه قوة أقل».
وطرح سبيكمان مفهوم اضمحلال وتلاشي السيادة الوطنية، حيث اقترح ضرورة عدم أخذ النظام الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بمبدأ تقرير المصير، ورأى ضرورة توحيد دول العالم في بضع تكتلات كبيرة. وأعلن أن «الدول الصغيرة» (والتي ضم إليها فرنسا وإيطاليا) «أصبحت أقل قدرة على الحياة مقارنة بالسابق» وطالب بتصفيتها. هذه المعتقدات اتفق معها الرئيس فرانكلن روزفلت، الذي أعتبر أنه لا يوجد لدى فرنسا أي مستقبل سياسي. لقد تركت أفكار سبيكمان أثراً كبيراً على روزفلت، مثلما تركت أفكار الأميرال ماهان تأثيرها على الرئيس ثيودور روزفلت في السابق.
في العام 1900، وفي كتاب تحت عنوان «الزعامة الاقتصادية لأميركا»، روج المؤرخ بروكس أدمز للعنصرية الأميركية بدعوته لتحويل المحيط الهادي إلى بحر أميركي داخلي. وقامت مجموعة من المؤرخين الأميركيين تحت إشرافه بالتنظير لمبدأ «استثنائية النظام السياسي الأميركي» ومذهب «الاختيار الإلهي» لهذا النظام. وأعلن هؤلاء المؤرخون «حق» و«مسؤولية» الولايات المتحدة في فرض نظامها السياسي في جميع أنحاء العالم. وإيمانا بفكرة «الشعب المختار» و«سلطته الحتمية» على العالم، شرعت هذه المجموعة من المؤرخين في إعداد الفروض الإيديولوجية للنزعة التوسعية الأميركية العالمية المقبلة. ففي محاضرته «القدر المحتوم للعرق الانكلوسكسوني»، عبر المؤرخ جون فيسكي عن ثقته في اقتراب ذلك اليوم، الذي سوف ينتشر فيه النظام الأميركي «من القطب إلى القطب» وفي «كلا القسمين من الكرة الأرضية»، وتُفرض فيه هيمنة وزعامة الولايات المتحدة. وفي كتابه «علم السياسة والقانون الدستوري المقارن» الصادر العام 1890، أشار جون باردجيس إلى أن التنظيم السياسي للدول يحدده الطابع العرقي للسكان وأن الانكلوسكسون هم العرق السياسي الأرقى. ورأى هودزون مكسيم أن التوسع هو قانون الطبيعة، ولن تكون الولايات المتحدة قادرة على الحياة إذا لم تخضع لهذا القانون، قائلا: «إن قوانين الطبيعة التي كشف عنها دارون تجعل النزعة التوسعية الإمبريالية المصدر البيولوجي للولايات المتحدة، حيث إن الدولة مثلها مثل الكائن البيولوجي، الذي في صراعه من أجل البقاء إما أن ينتصر وإما أن يموت، مشدداً على أنه نتيجة للتفوق العرقي، فإن الولايات المتحدة الأميركية سيكتب لها النصر» .
على المنوال نفسه، أكد جيمس سترونج أن «إرادة الله تكمن في أمركة العالم». وفي كتابه «مستقبل بلدنا المحتمل»، الصادر في العام 1885، أشار سترونج إلى أن «العالم دخل في مرحلة جديدة من التطور التاريخي، مرحلة الصراع العرقي العدائي.. وأن العرق الانكلوسكسوني، الذي يمتلك طاقة فريدة من أجل فرض مؤسساته السياسية، يتحرك في كل مكان من الأرض، وسوف يتقدم إلى المكسيك ووسط وجنوب أميركا وإلى الجزر في المحيط، وبعد ذلك إلى أفريقيا وهلما جراً».
إن الجيوسياسة الأميركية في السنوات الأولى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية استندت في فرض الهيمنة الأميركية العالمية إلى الخصائص الأسطورية والخرافية والدينية لتعليل وإثبات التفوق المزعوم على الشعوب الأخرى، واستند الباحثون الأميركيون أيضا إلى الظروف الطبيعية «الفريدة» والمحيط الجغرافي للولايات المتحدة، والتي في رأيهم تعد ملائمة لتحويل الأميركان إلى «شعب الله المختار». وفي هذا السياق، تعتبر أفكار عالم الاجتماع والجغرافي الأميركي المعروف، صموئيل هينتينغتون، مثالا ساطعاً على تشابك وامتزاج العنصرية بالجيوبوليتكا. ففي مؤلفات عدة، قام هينتينغتون بمهمة تعليل وإثبات «الرسالة الحضارية» للأنكلوسكسون عامة وللأميركان خاصة». ولتحقيق هذا الهدف اعتمد على الجغرافية الطبيعية والنظريات الداروينية الاجتماعية المختلفة. وفي إطار الحديث عن «القدرة المقارنة للأمم على الحياة»، نظر هينتينغتون إلى الولايات المتحدة وإنكلترا «كأمة أكثر قدرة على الحياة في العالم». كما أكد أيضاً على أن الأميركيين هم العرق البشري الأرقى بيولوجياً. وبصفاقة مذهلة برر واحدة من أسود صفحات تاريخ الولايات المتحدة، إبادة الهنود الحمر، بطرح أفكاره عن «الإزاحة الطبيعية» للهنود الحمر «باعتبارهم العنصر البشري غير الراقي».
إن نظرية «القرن الأميركي» المماثلة، بدرجة ما، لمفاهيم «الرايخ الثالث»، استندت أيضاً إلى هذه النظريات العنصرية. ومثلها مثل نظرية الحدود المتحركة ومفهوم شمولية المصالح الأميركية الذي يطابق المصالح القومية للولايات المتحدة مع مصالح كل البشرية، تستند نظرية القرن الأميركي إلى أن أميركا هي الأمة الوحيدة الأرقى المدعوة للتحكم في مصير كل العالم. وفي هذا السياق بدأت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية صراعاً إيديولوجياً عنيفاً ضد مبدأ سيادة الدول والثقافات القومية. ووجد هذا تعبيره في الدعاية والترويج «لنمط الحياة الأميركية» الذي يجب عليه تغيير قيم الثقافات القومية التي لا تتفق ومتطلبات التفوق الأميركي، أي متطلبات «القرن الأميركي»، كما يدّعي منظرو السياسات والإستراتيجيات الأميركية.

http://www.assafir.com/

08/11/2013 العدد: 12623

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s