أميركا من “مونرو” إلى “الحدود المتحركة”

جريدة السفير البنانية
01/11/2013 العدد: 12618
هاني شادي

أستاذ الاقتصاد السياسى فى جامعة موسكو

fg

أشرنا في مقالنا السابق في 25/10
الهيمنة الأميركية.. الجذور الفكرية المؤسسة إلى أن تاريخ التوسع الأميركي تلاصق مع مبدأ “مونرو” (1823)، الذي أصبح أداة للسيطرة الأميركية على بلدان أميركا اللاتينية. وفي نهاية القرن التاسع عشر ـ مطلع القرن العشرين شهدت الولايات المتحدة صياغة إيديولوجيات تعلل نزعة التوسع الجغرافي والهيمنة. ولعبت تعاليم الأميرال ماهان الخاصة “بالقوة البحرية” دوراً هاماً في هذه العملية، حيث باتت هذه التعاليم ركيزة أيديولوجية للجيوبوليتكا الأميركية. وعرض ماهان في العام 1890 السمات الأساسية لمذهبه في كتاب تحت عنوان “تأثير القوة البحرية على التاريخ في الفترة 1660 ـ 1783”. واستناداً إلى مواد تاريخية تتعلق بالأساطيل البريطانية والفرنسية، شدد ماهان على أن “القوة البحرية” ضرورية للولايات المتحدة من أجل نشر الحضارة في العالم المحيط بها”. وأعطى ماهان أهمية خاصة في عملية تقوية “القوة البحرية” لنشاط الحكومة، التي يجب عليها “فرض التفوق الاستعماري والتجاري والعسكري البحري للولايات المتحدة على دول العالم الأخرى”. وفي الفترة 1890 ـ 1914، روج ماهان في العديد من مقالاته لبرنامج محدد للتوسع السياسي الخارجي للولايات المتحدة. ويمكن حصر هذا البرنامج السياسي ـ الاستراتيجي في ثلاث نقاط:
1. التوسع الاقتصادي الخارجي: التوسع العالمي للتجارة عبر البحار وتصدير رأس المال والاستيلاء على الأسواق الخارجية.
2. التوسع السياسي الخارجي: سياسة استعمارية نشطة، والاستيلاء على المناطق التي لم تقسم بعد والصراع العسكري من أجل تقسيم العالم لمصلحة الولايات المتحدة في حوض المحيط الهادي وأميركا اللاتينية.
3. إجراءات استراتيجية ـ عسكرية: لتعزيز المستعمرات المُستولى عليها ومناطق النفوذ والإعداد المستقبلي من أجل الهيمنة والزعامة العالمية.
وانطلاقاً من فرضية “القدر المحتوم”، أي أن قدر الولايات المتحدة المحتوم هو زعامة العالم والهيمنة عليه، أكد ماهان أن الشعوب “غير الراقية” من حيث العرق لا توجد لديها تقاليد اقتصادية وسياسية ولا يحق لها امتلاك الأراضي، وأعتبر أن العنصر الانكلوساكسوني هو الأرقى، ومن ثم له حق طبيعي في الاستحواذ على أي منطقة. وطبقت هذه النظرية لأول مرة على الفيليبين، التي كان عليها أن تصبح محطة أساسية للقوة البحرية الأميركية ونقطة ارتكاز في المنطقة الأوروبية الآسيوية. وبالاشتراك مع ثيودور روزفلت أعطى تفسيراً جديداً لمذهب “مونرو”، حيث حوله إلى أداة لتبرير تدخل الولايات المتحدة، ليس فقط في أميركا اللاتينية بل وخارج حدود القارة الأميركية. وكان الهدف النهائي لمذهب ماهان الجيوسياسي هو تأسيس إمبراطورية أميركية عالمية. علاوة على ذلك فإن ماهان بصفته المستشار السياسي الرئيسي للإدارة الأميركية، أثر بقوة في صياغة مفهوم “الأبواب المفتوحة” الذي تبلور في العام 1898، حيث وضع بالاشتراك مع فريدريك جاكسون تيرنر التعليل النظري النهائي لتحول مذهب “الأبواب المفتوحة” إلى مذهب للتوسع الأميركي خارج حدود القسم الغربي من الكرة الأرضية.
ويرى تيرنر أن “الرسالة التاريخية” للقوة البحرية الأميركية تكمن في كونها أداة القدر المحتوم لتوسع الدولة الأميركية. ومن خلال تأييده التام للمشروع الجيوسياسي لبروكس أدمز بصدد الاستيلاء على المنطقة الأوروبية الآسيوية وتأسيس إمبراطورية أميركية عالمية، بدأ ماهان في وضع الأحكام والفروض الجيوسياسية للتوسع الأميركي في المنطقة المذكورة، وأعد استراتيجية الاستيلاء على الصين واعتبر تقسيمها من الأمور الضرورية. ومثله مثل غيره من التوسعيين الأميركان نهاية القرن التاسع عشر، اتفق ماهان بالكامل مع نظرية “الداروينية الاجتماعية”. فقد كانت الولايات المتحدة في نظره مثل “الكائن البيولوجي”، الذي يتمثل “قدره المحتوم” في النمو والتقوي عن طريق التوسع.
إن مذاهب الهيمنة الأميركية كانت بمثابة التعليل والغطاء الأيديولوجي للنزعة التوسعية للولايات المتحدة. وكان لهذا التعليل عدة جوانب، منها اللاهوتي والحقوقي والاقتصادي. فقد تمثل العنصر اللاهوتي في مذهب “القدر المحتوم ” الذي طابق “التوسعية الأميركية مع الإرادة الإلهية”. ولعب مذهب “مونرو” دور العنصر السياسي ـ الحقوقي. أما مذهب “الأبواب المفتوحة”، فكان العنصر الاقتصادي للنزعة التوسعية. ويقول وليم وليامز: “إن سياسة الأبواب المفتوحة كانت موجهة نحو خلق الشروط والظروف التي في ظلها تكون الولايات المتحدة، عن طريق استخدام تفوقها في مجال القوة، قادرة على بسط النظام الأميركي في العالم، غير مثقلة نفسها بعبء وعدم فعالية الاستعمار التقليدي”. وحدد هذا المذهب العالم كسوق عالمية يجب أن تكون أبوابها مفتوحة وتظل مفتوحة على الدوام أمام الولايات المتحدة الأميركية. علاوة على ذلك منحت الولايات المتحدة نفسها حق التدخل كضمانة لاستمرار فتح الأبواب، وكضمانة بأن هذه الأبواب ستظل مفتوحة دائماً. ويضيف وليامز قائلا: “إن تاريخ الإمبراطورية الأميركية بعد انتهاء الحربين العالميتين، خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، هو عبارة عن عملية “عولمة” لهذه الإمبراطورية بواسطة استراتيجية “الأبواب المفتوحة” المؤدية إلى تعاظم الاستيلاء على الأسواق العالمية وفرض الهيمنة والزعامة السياسية للولايات المتحدة”.
ويروج منظرو الهيمنة والتوسعية الأميركية المعاصرون لفكرة “الحدود المتحركة” لفريدريك جاكسون تيرنر، تلك الفكرة التي تحدد حدود الولايات المتحدة بالكلمات التالية: “هذه الحدود موجودة في كل مكان وفي أي مكان يمكن الوصول إليه… أميركا في كل مكان، أميركا تصارع على مجمل الكرة الأرضية”. في هذا السياق نظرت الولايات المتحدة لمعاهدة يالطا التي حددت مناطق النفوذ بينها وبين الاتحاد السوفياتي السابق كعقبة أمام فرض هيمنتها العالمية والكونية. وفي أعماله عن الأهمية الجيوسياسية للحدود المتحركة، يلاحظ الجنرال هاوس هوفر أن كتاب فريدريك تيرنر “أهمية الحدود في التاريخ الأميركي”، كتب في نفس الوقت تقريباً الذي كتبت فيه أعمال بروكس أدمز والأميرال ماهان، حيث أعد هؤلاء المنظرون السياسيون الأساس الفكري للموقع الراهن للولايات المتحدة كقوة عالمية، كما أنهم ربوا رجال السياسة الأميركان البارزين، الذين وضعوا الولايات المتحدة على طريق فرض هيمنتها وزعامتها في العالم. إن النظريات الجيوسياسية القديمة لفريدريك ترنير وماهان وبروكس أدمز في نهاية القرن التاسع عشر ولدت مرة أخرى في أشكال جديدة تتكيف مع الظروف التاريخية المعاصرة. وليس من قبيل المصادفة أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، قامت الولايات المتحدة باستخدام يوغسلافيا وغيرها من البلدان كميدان تجارب لفرض نظام عالمي جديد وترسيخ مذهب الحدود المتحركة لخدمة نزعتها التوسعية في محاولة للهيمنة على العالم.
01/11/2013 العدد: 12618
Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s