أوهام تركيا الضائعة

Portrait of Dominique Moisi

دومينيك مويسي هو مستشار أول في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية  وأستاذ في ‘معهد الدراسات السياسية في باريس (ساينس بو). وهو مؤلف  الجغرافيا السياسية للعاطفة: كيف تعيد ثقافات الخوف والذل، والامل تشكيل العالم.

بروجكت سانديكيت

PROJECT SYNDICATE

Oct.أكتوبر 24, 2013 

باريس–  لقد صرح اجمين باجيس الوزير التركي لشؤون الاتحاد الاوروبي في الاسبوع الماضي: “يوما بعد يوم تبتعد اوروبا عن تركيا ” ولكن العكس صحيح تماما وبفضل اسباب مختلطة تتعلق بالتحرر من الاوهام والتحدي ، بدأت تركيا تنأى بنفسها عن اوروبا في السنوات الاخيره حيث يبدو ان الاتراك بدأوا يقولون “لو لم تريدونا فنحن لا نريدكم كذلك “.

This illustration is by Paul Lachine and comes from <a href="http://www.newsart.com">NewsArt.com</a>, and is the property of the NewsArt organization and of its artist. Reproducing this image is a violation of copyright law.
Illustration by Paul Lachine

في واقع الامر وبعد مضي ثلاث سنوات على بداية “الربيع العربي” فإن تركيا تبدو وكأنها تبحث عن ذاتها اكثر من بحثها عن اوروبا وبالرغم من ان الاتراك يحتاجون اوروبا اكثر من ما قد يعترفون به عادة . ما هي تركيا اليوم وما هي قيمها وما هو قدرها في بيئه اقليمية متغيرة بشكل كبير ؟

لقد كان ينظر الى الربيع العربي في بادىء الأمر على انه يشكل فرصة عظيمة لتركيا أي محيط مثالي من اجل تسليط الضوء على النجاح الاقتصادي للبلاد والنموذج الديمقراطي السياسي المطبق فيها بالاضافة الى دورها الاستراتيجي الذي لا يمكن الاستغناء عنه في المنطقة . ان ورثة واحدة من اعظم الامبرطوريات في العالم كانوا يثبتون للعالم ان هناك تكامل رائع بين الاسلام والحداثة- وهو مثال ملهم لدول عربية مثل مصر .

عوضا عن ذلك ، ألهم الدور التركي المصريين لأن يكون عندهم تحفظات تجاه ذلك الدور ففي واقع الامر حكمت الدولة العثمانية مصر وعلى الجانب التركي كان هناك شعورا بالتفوق على العالم العربي .

ان انهيار الاتحاد السوفياتي قد ايقظ الطموحات التركية (العثمانيون الجدد) في القوقاز واسيا الوسطى وبدا ان الثورة في الشرق الأوسط تمنح ورثة (ان لم يكن ايتام ) امبرطورية انتهت منذ فترة طويلة الفرصة للانتقام لخسارتها . لو ان اوروبا الكسولة والخائفة لا تريد تركيا فإن هذا سيء بالنسبة لاوروبا فالتاريخ يعرض بدائل تنطوي على مجد اكبر للاتراك .

بينما تبدو تركيا شرقية ودينية بشكل كبير في بروكسل او باريس الا انه عندما ينظر اليها من القاهرة او تونس فإنها تبدو كجسر اسلامي مثالي للغرب الديمقراطي واسيا التي تتمتع بالديناميكية الاقتصادية كما يمكن لتركيا ان تلعب باوراق قوية نظرا لسياسة “الجار الطيب” مع شريكين ومنافسين وهما ايران وسوريا بالاضافة الى دعمها للرئاسة القصيرة الاجل لمحمد مرسي في مصر.

للاسف فإن امال النخب التركية (ان لم يكن توقعاتها) لم تتحقق فالثورات العربية كشفت في نهاية المطاف اوجه الضعف والتناقضات التركية والتي زاد منها السياسات القمعية لرئيس الوزراء رجب طيب اردوجان واسلوبه السياسي المتعجرف. لقد بدا ذلك واضحا في التظاهرات والتي انتشرت في الربيع الماضي من ميدان تقسيم في اسطنبول الى اجزاء كثيرة اخرى من البلاد (بالرغم من ان الاحتجاجات كان لديها قواسم مشتركة اكثر  مع الاضطرابات التي حدثت مؤخرا في البرازيل او الثورة في باريس سنة 1968مقارنة بالحركات الشعبية في مصر أو تونس ).

ان ما يميز الاتراك اليوم ليس شعورهم بالفخر والامل بتوسيع نفوذ بلادهم بل الشعور بالخوف من تفككها فالمشكلة الكردية تقلق الاتراك بالاضافة الى شعورهم المتزايد بانهم يفقدون السيطرة فيما يتعلق بقضيتين رئيستين وهما الازمتان السورية والايرانية .

لقد تبنت الحكومة التركية في الاشهر الاخيرة وبشكل متزايد مواقف اكثر صرامة تجاه نظام الرئيس السوري بشار الاسد بسبب اقتناعها ان سقوط هذا النظام هو امر حتمي . ان الاتفاقية التي تم التوصل اليها بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا من وجهة النظر هذه تعتبر انباءا محبطة ففي مقابل تدمير ترسانته الكيماوية يبدو ان النظام قد انقذ نفسه .

اذن تركيا تتساءل عن فائدة الاعتماد على الغرب فلماذا تستأنف تحت الضغوضات الامريكية حوار شبه طبيعي مع اسرائيل لو تم التخلي عن النتائج ان لم يتم خيانتها من خلال السياسات الامريكية ؟

كما ان الخطاب المعتدل للرئيس الايراني حسن روحاني بالاضافة الى التقدم المحتمل في النزاع الايراني مع الغرب فيما يتعلق ببرنامجه النووي قد اعطى تركيا شعورا بانها عديمة الفائدة ومعزولة . كيف يمكن لبلد ما ان ينظر لنفسه او ينظر الغير له على انه لاعب اقليمي رئيس بينما يجد نفسه مهمشا في هذه اللحظات الحرجة ؟

ان التاريخ يتحرك في الشرق الأوسط ولكن ليس في الاتجاه الذي تفضله تركيا ومع تعثر النمو الاقتصادي التركي وزيادة تشدد الحكومة وزيادة خيبة الامل في الاداء الدبلوماسي التركي فإن العديد من الاتراك يتساءلون وبشكل علني عن ما الذي حصل ولكن بدلا من الانخراط في نقد ذاتي مفتوح وايجابي فانهم عادة ما يلجأون الى القومية المتشددة والتي تبدو اكثر دفاعية ولدرجة انها تعكس شعور متزايد بانعدام الثقة بالنفس .

ان التحدي الحالي لتركيا هو التغلب على الاوهام الضائعة وهذا يعني ان الاتراك قد يحتاجون لاوروبا اكثر مما هم على استعداد للاعتراف به وحتى لانفسهم ولكن هل اوروبا اليوم اكثر استعداد وقابلية مقارنة بالماضي للانخراط في محادثات جدية مع تركيا ؟

http://www.project-syndicate.org/

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s