روسيا وتغيير قواعد اللعبة

جريدة السفير اللبنانية
04/10/2013 العدد: 12596
هاني شادياستاذ الاقتصاد السياسى فى جامعة موسكو
9ecacfcc7dc0142dd73943d5dd47c4b3
قررت روسيا في الثاني من الشهر الجاري تكثيف تسليح كل من طاجيكستان وقرغيزيا، واتفقت معهما على أنواع الأسلحة التي ستقوم بتوريدها إليهما في إطار برنامج لتحديث جيشي هاتين الدولتين. وفي هذا الشأن أعلن رئيس هيئة الأركان العامة الروسية الجنرال، فاليري غيراسيموف، أن الجيش القيرغيزي سيحصل على أسلحة ومعدات عسكرية روسية بمبلغ 1,1 مليار دولار، بينما سيحصل الجيش الطاجيكي على أسلحة بـ 200 مليون دولار. وتهدف هذه الخطوة الروسية، في غالب الظن، إلى منع الولايات المتحدة الأميركية من تعزيز مواقعها في بعض جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة، حيث تأتي بعد أن أغلقت قيرغيزيا رسمياً القاعدة الأميركية في “ماناس” ورفضت تمديد اتفاقية الوجود العسكري الأميركي على أراضيها، وسمحت للوجود العسكري الروسي طويل الأمد فيها. أما البرلمان الطاجيكي فقد صادق مطلع تشرين الأول الجاري على اتفاقية تمديد مرابطة القاعدة العسكرية الروسية في طاجيكستان حتى العام 2042. ومقابل ذلك، ستحصل طاجيكستان من روسيا على طائرات حربية ووسائل اتصال ومدافع ووسائط دفاع جوي.
سارعت روسيا بالإعلان عن تكثيف تزويد قيرغيزيا وطاجيكستان بالأسلحة، في وقت أبدت فيه هاتان الدولتان اهتماماً ملحوظاً بشراء معدات وأسلحة أميركية سيتم سحبها من أفغانستان. وبالطبع كان يمكن لهذا الأمر أن يعزز المواقع الأميركية في الدولتين المذكورتين وفي آسيا الوسطى عامة. وترجع أهمية الخطوة الروسية تجاه قيرغيزيا وطاجيكستان إلى أن أوزبكستان تتأرجح في علاقاتها الخارجية بين روسيا والولايات المتحدة، حيث علقت عضويتها صيف العام الماضي في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تضم حالياً روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان. كما أن كازخستان شرعت بالتفكير في منح قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في ميناء “أكتاو” الإستراتيجي الواقع على بحر قزوين لمساعدتها في أفغانستان. ويعد ميناء “أكتاو” الأكثر قرباً من روسيا من بين جميع الموانئ والمطارات الواقعة في الدول المشاطئة لبحر قزوين، وهو ما يُشعر موسكو بالقلق. ويعتقد الروس أن المرابطة العسكرية الدائمة للولايات المتحدة في “أكتاو”، حيث تقع حقول كبيرة للنفط والغاز، سوف تسمح للولايات المتحدة بتقوية نفوذها وتأثيرها بشدة في قزوين وآسيا الوسطى.
ولا تقتصر محاولات روسيا لتغيير قواعد اللعبة على منطقة آسيا الوسطى وحسب، بل وتمتد إلى جنوب القوقاز أيضاً. فبعد الحرب الروسية ـ الجورجية في 2008، غيرت موسكو هذه القواعد باعترافها باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وبإعلانها عن إقامة قواعد عسكرية لها في هذين الإقليمين الانفصاليين عن جورجيا، وذلك بجانب رفضها التام لانضمام جورجيا إلى حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي عطل وعرقل هذه العملية بالفعل. وفي هذه الأثناء عززت روسيا أكثر فأكثر تواجدها العسكري في أرمينيا، التي تقع عملياً في الفلك الروسي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي سياق محاولات روسيا إلى تغيير قواعد اللعبة في جنوب القوقاز، أقدمت على خطوة هامة ولافتة صيف هذا العام تمثلت في تعزيز التعاون العسكري مع أذربيجان من خلال عقد بنحو مليار دولار لبيع الجيش الأذربيجاني 94 دبابة روسية من نوع “T – 90 S” ونحو 100 مدرعة “BMP – 3” و18 مدفعاً ذاتي الحركة من طراز “MSTA – S ” و18 راجمة صواريخ “SMERCH”، بالإضافة إلى معدات ذات طابع عسكري لوجستي. وتجدر الإشارة أن موسكو وقعت مع باكو، في 2010 عقوداً لبيع الأسلحة الروسية إلى الجيش وأجهزة الأمن في أذربيجان، من ضمنها بطاريات صواريخ الدفاع الجوي “S – 300”. وهذا، في غالب الظن، يهدف إلى وضع باكو، بدرجة ما، تحت التأثير الروسي، خاصة في ظل ميلها نحو الغرب والناتو. ويُذكر أن موسكو طلبت من باكو في تسعينيات القرن الماضي إقامة ثلاث قواعد عسكرية روسية على الأراضي الأذربيجانية، إلا أن الرئيس السابق، حيدر علييف، رفض هذا الطلب.
ومن المعروف أنه في تسعينيات القرن الماضي، تغلغلت الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في القوقاز، وكانت روسيا تتصرف وكأنه «ليس في اليد حيلة»، وفي أحيان أخرى كانت خاضعة للقرار الغربي في عهد الرئيس الأسبق بوريس يلتسين. غير أن فلاديمير بوتين على مدار السنوات الماضية حاول، ولا يزال، استعادة مواقع روسيا المفقودة، على الأقل في الساحة السوفياتية السابقة. ففي العام 2009، أثناء قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي انعقدت في موسكو، دفع بوتين، رئيس الحكومة الروسية آنذاك، الدول الأعضاء في هذه المنظمة إلى التوقيع على اتفاقية لإنشاء قوات مشتركة للانتشار السريع من أجل التصدي للأخطار المحتملة على حدود المنظمة، خاصة الآتية من أفغانستان، وبدرجة معينة من باكستان. إن قرار تشكيل القوات المذكورة كان يعني، في حقيقة الأمر، محاولة روسية لتحويل منظمة معاهدة الأمن الجماعي تدريجياً إلى حلف عسكري لمساعدة أعضاء المنظمة في حال التعرض إلى عدوان أو أوضاع استثنائية أخرى، وكان أيضاً يعني فتح الباب أما تعزيز الوجود العسكري الروسي في الدول الأخرى الأعضاء في تلك المنظمة. لقد كان إنشاء هذه المنظمة صعباً واستغرق وقتاً طويلا، إذ ظلت المعاهدة التي وقعت على أنقاض الاتحاد السوفياتي في العام 1992 شكلية لفترة طويلة. إلا أنها بعد العام 2000 اكتسبت ملامح جدية، حيث شهدت هذه الفترة تنافس روسيا والولايات المتحدة على بسط النفوذ في آسيا الوسطى عبر قيام الثانية في عام 2001 بإنشاء قواعد عسكرية أميركية لدعم نشاطات الناتو في أفغانستان.
عندما تم تشكيل قوات الانتشار السريع لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، وفي العام نفسه اتفقت روسيا مع بيلاروسيا على توحيد منظومتهما للدفاع الجوي في مواجهة الدرع الصاروخية الأميركية الأطلسية في أوروبا الشرقية. كما عرقلت بقوة، قبل ذلك بعدة سنوات قليلة، طموحات أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، خاصة بعد انضمام دول البلطيق الثلاث إلى “الناتو”. إن كل هذه التغيرات والأحداث تعكس بشكل واضح أن روسيا تسعى إلى تحصين مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية في الفضاء السوفياتي السابق، وربما خارجه، كما يتضح من موقفها تجاه الوضع في سوريا. ولكن هذه المحاولات والطموحات الروسية قد تصطدم مستقبلا بعوامل كثيرة تعمل على عرقلتها، وعلى رأسها الوضع الاقتصادي الداخلي.
Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s