التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية ‏13 /أيلول-سبتمبر/‏ 2013

نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث

مركز الدراسات الأميركية والعربية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 ‏13 /أيلول-سبتمبر/‏ 2013

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6.portrait

المقدمة: 

تجاهلت معظم مراكز الابحاث الخوض في خطاب الرئيس اوباما الموجه للأمة، 10 أيلول، مما يعكس حالة الاحباط من تخبط السياسة الاميركية وتصدع مصداقيتها بين اعوانها. سيتناول قسم ملخص الدراسات بعض العينات من الجدل الدائر في اوساط النخب الفكرية.

سيستعرض قسم التحليل حزمة من المسائل السياسية التي يواجهها الرئيس اوباما، والتعرف على كنه تودده للرئيس الروسي وقبول مبادرته دون تأجيل. بالمقابل، شكلت المبادرة اقرارا اميركيا بالدور الرئيسي لروسيا في شؤون الشرق الاوسط، بعد سعيها الحميم لاستبعادها من المنطقة منذ بوادر الحرب الباردة. المبادرة الروسية لا توفر ضمانات للتخلص من ترسانة الاسلحة الكيميائية السورية، كما لا تحدد فترة زمنية لتناولها.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية:       

         اعرب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS  عن استيائه من مضمون المقترح الروسي بشأن الاسلحة الكيميائية السورية، محذرا من المشوار الزمني الطويل الذي ينطوي عليه وضع الاسلحة تحت الرقابة الدولية والتخلص منها “اذ ان هناك العديد من العراقيل وعدم اليقين تعترض مسارها.” كما اعرب عن “حالة الاحباط التي تسود اوساط الحلفاء الاقليميين وعدم التيقن من نوايا الغرب لحمل (الرئيس) الاسد الالتزام” بنصوص معاهدة حظر الاسلحة الكيميائية. واضاف ان الاطراف المتعددة لا تثق بنوايا روسيا لتنفيذ المقترح، وخشيتهم من ان الجهد “ليس الا ثمة تقطيع الوقت واتاحة فرصة زمنية اوسع (للرئيس) الاسد.”

         وحذر المركز من “لعبة فقدان الاعصاب في المعادلة الجيوسياسية في سورية لخطورتها؛ اذ تشكل خطرا على الولايات المتحدة وروسيا وايران، ونظام (الرئيس) الاسد وخصومه في دول الخليج. وكما هو الوضع في لبنان والعراق من قبله، لا ينبغي النظر الى سورية من معيار الفراغ الاقليمي.”

         جددت مؤسسة هاريتاج Heritage Foundation معارضتها للتدخل العسكري في سورية من زاوية اتاحة المناورات السياسية الجارية فرصة زمنية اضافية لسورية لتشديد الحماية على “ممتلكاتها الثمينة وصونها من هجوم اميركي يجري التحضير له بنفس فاتر .. الأمر الذي لا يشكل مهارة سياسية للحفاظ على المصالح القومية الاميركية.” واوضحت المؤسسة ان الخطر الاكبر يتمثل في “سقوط الاسلحة الكيميائية السورية في ايدي القاعدة او حزب الله .. ويتعين على الولايات المتحدة بذل جهود مشتركة مع الاصدقاء والحلفاء للحيلولة دون سيطرة الارهابيين” على تلك الاسلحة، والذين “بوسعهم استخدام الاسلحة المحظورة خارج الساحة السورية ضد الولايات المتحدة او ضد حلفائها.” وحثت الولايات المتحدة على توثيق عرى علاقاتها مع “قوى المعارضة غير الاسلامية .. وتدريبها اما على تدمير الاسلحة او السيطرة عليها ان تطلب الأمر.”

         انتقد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS السياسة الاميركية الراهنة “التي انحرفت عن تحقيق اهدافها في سورية .. وينبغي عليها تصويب بوصلتها والسعي لحظر انتشار الاسلحة الكيميائية او مكوناتها واعتراض تسليمها لقوى اخرى تؤدي في نهاية المطاف الى استخدامها لشن هجمات على الولايات المتحدة او احداث تحولات حساسة في موازين القوى الاقليمية مما سينعكس سلبا على المصالح الاميركية الرئيسة؛” التي تزدهر في اجواء من الطمأنينة والاستقرار “والحيلولة دون انقسام دول المنطقة الاسلامية بين قطبي الصراع، قطب سورية – العراق – وايران، وقطب الدول العربية السنية .. مما سيهدد اسرائيل وتركيا ايضا.”

         واردف ان المصالح الاستراتيجية الاميركية “تقتضي تعزيز القدرة لردع واحتواء ايران وجهودها النووية والعسكرية .. و(ادارة) المخاطر الراهنة التي تعم المنطقة .. سيما خطر مجموعة المتمردين السنة المعتدلين في سورية والذين قد يتوجهون لتبني التشدد لو نجى الأسد.”

         مفهوم المصالح الاميركية يتخلله بعض التباينات في آلية التطبيق، اذ نبهت مؤسسة هاريتاج Heritage Foundation الى بطلان “منطق التضحية بالمصالح الاميركية لصالح مصالح هيئة الامم المتحدة فيما يخص السياسة نحو سورية.” واوضحت ان الازمة ربما ادت الى بعض المزايا الايجابية، منها “اضطرار ادارة (الرئيس) اوباما للاقرار بعدم فائدة ميثاق الامم المتحدة .. عززه تجاهل اعضاء الكونغرس الاشارة لضرورة كسب موافقة الامم المتحدة” لشن عدوان على سورية. وفي معرض تأييدها لتوجه الرئيس اوباما للكونغرس طلبا لموافقته زعمت ان “خزعبلات فعالية هيئة الامم المتحدة تلقى رنينا لدى اولئك الساعين لتفادي اتخاذ قرارات صارمة .. ان ثبت ان مخاطر حقيقة تهدد المصالح الاميركية، فان الرئيس (اوباما) يسيء الى الوطن عبر عودته مرة اخرى للامم المتحدة وطريقها المسدود.”

         ناشد مجلس السياسة الخارجية الاميركية American Foreign Policy Councilصناع القرار انزال عقوبات اقتصادية تشمل “مقاطعة المصارف السورية .. كأحد ابعاد حرب اقتصادية قاسية .. اذ لا يشكل تطبيقها عارا بحد ذاته كونها ترمي الى استهداف اولئك الذين يستخدمون اسلحة الدمار الشامل.”

         اعرب معهد بروكينغز Brookings Institution عن امتعاضه من خطاب الرئيس اوباما الاخير حول سورية لاستناده الى “منطق مرتبك ومضطرب،” سيما “بعد انجلاء الأمر القاضي بأن العمل العسكري المقترح لا ينطوي على اي وعود للمردود .. وقطع الرئيس تعهدا بأنه سيتخذ شكلا محدودا.” ورأى المعهد ان المبادرة الروسية “تعزز توجهات (الرئيس اوباما) في تعامله مع الكونغرس .. كما تعد بتحييد الاسلحة الكيميائية (السورية)، مما يعري حقيقة العمل العسكري الذي لا يوفر مزايا مشابهة.”

         ظاهرة تنامي النزعة الانعزالية داخل التيارات السياسية الاميركية، لا سيما في اوساط المحافظين، اضحت مصدر قلق لمركز السياسة الأمنية Center for Security Policy، خاصة وان “المحافظين ايدوا” العدوان على العراق، وانفراط عقدهم يؤشر على “بروز خلافات حقيقية في صفوفهم” كانت منسية، بين تيار يؤيد العدوان “من منظار ضيق الفهم للمصالح القومية الاميركية” وتيار “اكثر طموحا لتعميم الديموقراطية في العالم العربي .. على الرغم من عدم انسجام متطلباتها مع الوقائع الحقيقية حول العالم.”

التحليل:

جولة حافة الهاوية: ص3

صعود بوتين، صمود الاسد، وصدمة اوباما

         أفول الامبراطورية الاميركية لم يعد مسألة نظرية او ترف سياسي مغلف بتمنيات ورغبات المناوئين لها. ان تجليات “غطرسة القوة،” الناعمة والعسكرية، التي سعى لممارستها بشدة مؤخرا الرئيس اوباما افضت الى خيبة أمل لم تلمس نهايتها بعد، وتلقّي المؤسسة الحاكمة بكافة اركانها صفعة تلو اخرى اصابتها في صميم استراتيجيتها بحكم عدم انتظام الازمة السورية الى ايقاعات استراتيجية الهيمنة التي اعتادت عليها طويلا، وتصدع مراكز القوى الداخلية والخارجية التي كانت تعول عليها.

         المواجهة الاخيرة التي توجتها “المبادرة الروسية،” بشأن ترتيب اشراف دولي على الاسلحة الكيميائية السورية، كان لها وقع الصدمة على كافة اجنحة ومؤسسات صناعة القرار سيما بعد احساس الرئيس اوباما ان الكونغرس بمجلسيه لا يبدي حماسا لشن عدوان على سورية او لدعم توجه يعرض القوات العسكرية لآفاق مفتوحة في ساحة ملتهبة وحيوية، ناهيك عن الذرائع الجاهزة زمانا ومكانا، بل تركه وحيدا في لحظة حرجة للغاية من المواجهة الدولية هو في امسّ الحاجة الى وحدة الموقف واصطفافهم خلفه. ربما الصدمة الحقيقية تجلت في رفض اميركي عام لتقبل واقع دولي جديد في طور التشكيل ينهي سيطرة وهيمنة القطب الواحد، خاصة وان روسيا التي نهضت من كبوة انهيار النظام السابق، في ظل اجواء اميركية تكن مشاعر عداء متأصلة ضدها منذ الثورة الشيوعية لعام 1917، اضحت ندا بامتياز باستطاعته التأثير في وجهة النزاعات على المستوى  الدولي ويسترد المبادرة من الطرف الاميركي، وهو الذي ما برح يتغنى بها.

         “هل ستجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مرحلة (تراجع) وانسحاب من شرق السويس،” في اشارة لأفول الامبراطورية البريطانية، بات موضوع متداول كما جاء في يومية “فورين بوليسي،” احدى مكونات الركائز الايديولوجية للمؤسسة الحاكمة. هذا التداول لا يقتصر على بعض ادبيات النخب الفكرية، ولم تعهده الولايات المتحدة، بل كانت تستخف وتشوه كل من يقترب من هذه المقاربة التاريخية الى وقت قريب.

في هذا الصدد، لسنا مع المعسكر المفرط في التفاؤل الذي يرى ان الولايات المتحدة شارفت على الهزيمة والانسحاب، الامر الذي يجافي الواقع الملموس. بل ينبغي تلمس الوقائع والاقرار بالدور التاريخي الذي اسست له سورية، بفضل صمودها وتماسك حلفائها واقرانها وصفاء الرؤيا التي تحلت بها، مما افضى الى تبلور معادلة دولية مغايرة، وامتدادا ارساء معادلة اقليمية جديدة ايضا، تمهيدا لعالم متعدد الاقطاب الذي انتعشت حتمية بروزه بعد تجذر وتماسك دول البريكس، سيما وان سياساتها الاقتصادية الاكثر دراية انقذتها من الازمة المالية الطاحنة التي اجتاحت الغرب والنظام الرأسمالي عامي 2008-2009.

         اوباما كممثل لقمة الهرم السياسي ادرك مبكرا البعد الدولي في الصراع على سورية وسعى لازالتها كدولة وموقع ودور ومؤسسات، وتهيئة المناخ الاقليمي لتثبيت الاستراتيجية الاميركية في المنطقة ودرة تاجها، “اسرائيل،” وترك ادارة الحرب لدول خليجية واقليمية خشية التورط مباشرة وحرصه على الوفاء بوعوده الانتخابية لانهاء التورط الاميركي في الحروب. ودُفِع اوباما سريعا لاتخاذ موقف حاسم والتدخل العسكري المباشر، اثمر في تهديده ووعيده بخط احمر يحذر تجاوزه. وامام تصعيد خطاب الحرب والتدخل وجد اوباما نفسه امام حائط مسدود من الخيارات في “اللغز السوري الذي خلقه بنفسه ببراعة،” كما تندر به عدد من الساسة والمحللين.

         “الخط الاحمر” لم يثمر الا معادلة صفرية تهدد ليس شعوب المنطقة فحسب، بل تدحرجها سريعا الى آفاق دولية غير محددة المعالم تنذر بحرب عالمية ثالثة. وانقلب تهديد الرئيس اوباما الى توسل لاطراف دولية وللكونغرس لاعانته على ايجاد مخرج لمأزقه. عند هذا المفصل، ادرك اركان المؤسسة الحاكمة كم هي عميقة وممتدة معارضة التدخل العسكري وعلى رأسها كبار القادة العسكريين في البنتاغون، والصدمة المباشرة التالية لاوباما كانت في مجلسي الكونغرس على الرغم من طغيان وهيمنة “الحليف الاول للولايات المتحدة في المنطقة” على اعضائه، وتغليبه “المصالح القومية الاميركية” على الاعتبارات الاخرى.

         “المبادرة الروسية” رسمت معالم الحل في الافق بسرعة مذهلة اسهمت مباشرة في التقاط الرئيس اوباما حبل النجاة من مواجهة لم يعد متيقنا من حسم نتائجها، وجاء توقيتها قبل بضع ساعات من القائه خطابه المتلفز للشعب الاميركي. لسنا بصدد اجراء تحليل وتمحيص للخطاب المذكور، اذ ان الأهم هو ما لم يأت على ذكره بشأن فتح كوة في جدار العدوان تجنب سورية والمنطقة اهوال دمار شامل، وترسيخ معادلة دولية جديدة لا تقصي احدا من القوى الصاعدة، وعلى رأسها روسيا وامتدادا الصين ودول البريكس الاخرى، في التفاهمات والترتيبات الدولية على حساب الهيمنة الاحادية للولايات المتحدة.

         ربما من المفيد التذكير ببعض العوامل التي ساهمت مجتمعة في ابعاد شبح الحرب وترحيله الى مكان آخر، اهمها ما برز من معارضة فعالة داخل صفوف ممثلي الحزبين على السواء، ربما امتثالا للضغط الشعبي الذي سئم الحروب وتجرع من كؤوس تكاليفها واهوالها واهمال احواله الاجتماعية والاقتصادية، والمعارضة المتنامية داخل صفوف القادة العسكريين والذي لم يعد مجرد تكهن وتحليل، فضلا عن مناخ الانتخابات النصفية القادمة التي سيتأثر بها كامل اعضاء مجلس النواب، البالغ عددهم 435 ممثلا. زعامات الكونغرس من الحزبين سعت مجتمعة الى اخطار الرئيس اوباما للعدول عن تقديم اقتراحه بالتفويض الى مرحلة التصويت اذ كان سيلقى خسارة حاسمة.

         ردود الافعال لكافة شرائح المجتمع الاميركي وقواه المختلفة لمرحلة ما قبل “المبادرة الروسية” اشرت بوضوح الى عدم ثقة الشعب الاميركي بوعود الرئيس وتبريراته، بل اتهم بتضليل الشعب حول دور الكونغرس في قرار شن العدوان، ولا زال يتذكر مقولته السابقة قبل وقت قريب “لا اعتقد انه أمر صحي .. لترحيل هذا الجدل الى الكونغرس،” اسوة بما سبقه من رؤساء والذين شنوا كافة حروبهم العدوانية دون تفويض من الكونغرس، باستثناء الحرب العالمية الثانية.

         من بين تلك الردود عنوان ليومية “واشنطن تايمز،” 13 أيلول، على صفحتها الاولى اوجزت فيه مأزق اوباما وتراجع الهيبة الاميركية بالقول “في ظل تفاهم سورية مع روسيا، يتلاشى الخط الاحمر الفاصل لاوباما: الخيار العسكري الاميركي اضحى نقطة خلافية.” بعض المعلقين طالبوا اوباما من على شاشات التلفزة “اعادة جائزة نوبل للسلام لانه لم يعد يستحقها.”

كيف نفهم “المبادرة الروسية”

         بداية، الخلاف والصراع بين الولايات المتحدة وروسيا اتخذ بعدا تصاعديا جديدا مع عودة روسيا بقوة الى الساحة الدولية مستندة الى متانة اقتصادها، بخلاف سلفها الاتحاد السوفياتي وحال الولايات المتحدة الراهن، وتنامي قوتها العسكرية بمعدلات اقلقت واشنطن وساهمت في بلورتها لاستراتيجية “الاستدارة نحو آسيا،” لتطويق روسيا والصين معا. من هذه الزاوية، ينبغي النظر الى دعوة الرئيس اوباما لروسيا مؤخرا لعب دور بارز في بلورة صيغة حل للاسلحة الكيميائية السورية، سبقها مساعي عسكرية اميركية متعددة لفحص الجهوزية العسكرية لروسيا في مياه المتوسط وسورية معا. المعلومات المتوفرة بشأن التجربة الصاروخية فوق مياه المتوسط لا توفر ارضية لنقاشها وتقييمها سيما وان الطرفين العظميين آثرا الصمت وعدم الادلاء بأي معلومات مفيدة.

         توجه اوباما مباشرة للرئيس الروسي طلبا للعون يؤشر على عدد من ظواهر الازمة الداخلية الاميركية، واخدود الشقوق في المؤسسة الرئاسية عينها. الهدف الاول الرامي لوضع الاسلحة الكيميائية تحت اشراف دولي لا يتعدى كونه مناورة سياسية تكتيكية تعين على تلافي المأزق، سيما وان الادارة عدلت عن اهدافها العدوانية السابقة بالاطاحة بالنظام او عزل الامدادات الايرانية عن حزب الله. وجاء ليوفر ذريعة لانقاذ وجه اوباما بعد تشبثه العشوائي بخطه الاحمر.

         خطوة تكتيتكية نعم انطلاقا من المدة الزمنية الطويلة، التي تقدر بعدد من السنين، التي ستستغرقها هذه المرحلة، كما شاهدنا في حالتي العراق وايران. يضاف الى ذلك الدعم الصارم والحازم الذي اعلنته كلا من ايران وروسيا لتعزيز صمود سورية مما يوفر لها زخما اضافيا للقضاء على المجموعات المسلحة. ايضا، لسورية الحق في الانسحاب من الاتفاقية متى شاءت لاسباب تخصها، قد تشمل عدم توفر جهود دولية ملموسة وجدية للقضاء على اسلحة الدمار الشامل في المنطقة، وظهرها مسنود بضمانات دولية وتعهد اميركي ولو موارب لعدم شن عدوان عليها.

         توسل الرئيس اوباما أشر ايضا على تصدع آلية اتخاذ القرار في المؤسسة الرئاسية الاميركية، وميله لتفادي اتخاذ قرارات حاسمة، ونزعة لتأجيل العمل بالخيارات القاسية. ومن هذا المنظار، فان المبادرة الروسية توفر للرئيس اوباما فرصة اخرى لتأجيل تنفيذ الاهداف المعلنة السابقة الرامية للاطاحة بالرئيس الاسد وانهاء الصراع الدائر في سورية.

         صلاحيات القائد الاعلى للقوات المسلحة تخوله التصرف بسرعة وطاقة وحيوية، عوضا عن التأجيل وبطء التحرك.

         عمق المأزق الذي دفع اوباما نفسه اليه اضطره للتقيد بتسوية سياسية لا توفر سوى بضعة ضمانات، ان وجدت. التزاما بالفرضية النظرية القائلة بأن سورية ستسلم كامل ترسانتها من الاسلحة الكيميائية، يبرز على اثرها تساؤل حول توفر جهود جادة لنزع الاسلحة من المنطقة. الاجابة هي بالنفي سيما وان روسيا ابرقت للولايات المتحدة نواياها في الحل المقترح. وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى خطاب الرئيس الروسي الذي تزامن مع القاء الرئيس اوباما لخطابه، اذ قال الاول “لا يجوز الطلب من سورية، او اي دولة اخرى، لنزع سلاحها بمفردها بينما يستمر التفكير بشن عمليات عسكرية ضدها .. قد تحرز الاتفاقية مصداقية ان اقدمت الولايات المتحدة والدول الاخرى الداعمة لها على اشعارنا بالتخلي عن خططهم لاستخدام القوة ضد سورية.” الامر الذي يقتضي من الولايات المتحدة والسعودية والاطراف الاخرى الداعمة لقوى المعارضة المسلحة التوقف عن جهودهم حتى قبل ان تنظر سورية بمسألة التخلي عن السلاح.

          تصريحات الرئيس بوتين ينطوي عليها اقرار واضح بنجاحها لبلورة “مبادرة السلام” الى آلية مقبولة لكسب الوقت، توفر للجيش العربي السوري ما يحتاجه للمضي في القضاء على المسلحين. اهمية وقيمة العرض الروسي تتعزز بشكل تصاعدي منذ اتخاذ الرئيس اوباما قراره التوجه للكونغرس.

         التفاصيل الهائلة الكامنة في عملية نقل السيطرة على الاسلحة والتخلص منها تنذر بمزيد من العقبات، سيما وان الاسلحة الكيميائية منتشرة على طول الارض السورية التي يتعين على الفرق الدولية المختصة التوجه اليها لمباشرة مهام السيطرة. وفي بعض الحالات، تقع تلك الاسلحة في مناطق تشهد جولات حربية جارية، مما يعرض سلامة الافراد للخطر، خاصة وان الأمر يتعلق بنزع السيطرة عن سلاح كيميائي، وامكانية لجوء المجموعات المسلحة للحصول على بعض من الترسانة الكيميائية رغم المخاطر الكبرى.

         اما مرحلة التخلص من الاسلحة فان لها آليتها الخاصة ومخاطرها ايضا، اذ يتعين على الفرق الدولية الاقرار اما القيام بانشاء  وحدات متخصصة داخل البلاد او ترحيلها للخارج، مع ما يمثله الخيار الاول من مخاطر انسانية وبيئية في ظل اجواء حرب لا تزال مشتعلة. اما الخيار الثاني فينطوي عليه التقيد التام بشروط الوكالة الدولية الصارمة لنقل الاسلحة الكيميائية، فضلا عن الكلفة المالية العالية وطول الفترة الزمنية التي ستستغرقها. في ظل استمرار الاشتباكات لا يوفر اي من الخيارين مخرجا مناسبا، مما يزيد من عامل الضغط السياسي على الاطراف الممولة لانهاء الحرب.

         تأمين الحماية والتنقل داخل البلاد وهي تشهد حربا ضروسا امر لا يمكن تجاوزه، رغم التعقيدات الميدانية من خطورة التنقل بقوافل على الطرق مما يجعلها هدفا سهلا للمسلحين. اما خيار نقل المعدات جوا الى خارج البلاد قد يشكل بديلا رغم ما ينطوي عليه من مخاطر بيئية.

         سؤال يطرح على كل لسان لتحديد الفترة الزمنية التي قد تستغرقها عملية السيطرة والتخلص من الاسلحة الكيميائية، ولنا في المثال الليبي عبرة اذ لا تزال ليبيا تحتفظ بنصف مخزونها السابق من غاز الخردل بعد انقضاء تسع سنوات على اعلان التزامها بالتخلص منه. الولايات المتحدة ذاتها تمضي في اجراءاتها للتخلص من ترسانة اسلحتها الكيميائية التي يتوقع ان تنتهي منها في العام 2023، اي بعد انقضاء 30 عاما على توقيعها اتفاقا للتخلص منها، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الولايات المتحدة لا تعاني من اجواء الحروب وعدم الاستقرار او تعرض جهات معادية لخطة تدمير الاسلحة. كما ان الترسانة الاميركية موزعة على عدد محدود من المواقع بخلاف الترسانة السورية.

استشراف المستقبل

         للمبادرة الروسية الفضل في نزع فتيل الحرب وتأجيل العدوان على سورية. بالمقابل، ستمضي الاطراف الاخرى في جهودها لدعم المجموعات المسلحة مجردة من اية ضوابط ولو شكلية.

         كما لها الفضل في توفير الفرصة للرئيس اوباما للتهرب من تحمل التبعات والكلفة السياسية لسياسته في سورية، والعقبات لا زالت تواجهه. عدم تيقنه من دعم الاغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ له يؤشر على صعوبات قد يواجهها في المستقبل للحصول على تأييد مبادرات قادمة في السياسة الخارجية.

         ولها الفضل ايضا في اتاحة الفرصة للرئيس المأزوم بتنفس الصعداء، على الرغم من بقاء الازمة السورية دون حل. انجرار الرئيس اوباما لخيار العدوان العسكري كان بدافع المحافظة على مصداقية الولايات المتحدة. اما تردده في تنفيذ تهديداته فقد ساهم في اعلاء شأن الرئيس الروسي، وتعزيز مكانة الرئيس السوري، بينما حصد الرئيس اوباما الخزي والاهانة – بشهادة الجميع.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s