التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية- ‏6 /أيلول-سبتمبر/‏ 2013

نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث

لمركز الدراسات الأميركية والعربية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 ‏6 /أيلول-سبتمبر/‏ 2013

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6.portrait

المقدمة: 

العدوان الاميركي المرتقب على سورية، بحيثياته واهدافه، كان على رأس اهتمامات واولويات مراكز الفكر والابحاث، التي ما لبثت ان استأنفت نشاطاتها بعد انقضاء الاجازة الصيفية.

ولعل ما لم تفصح عنه او تصرح بشأنه شكل مؤشرا قويا على نوايا النخب الفكرية والمؤسساتية، اسوة بتصريحات القادة السياسيين والعسكريين، فيما يخص النوايا العدوانية ضد سورية وحلفائها. تجدر الاشارة في هذا الصدد الى تكتم احد اهم المراكز الداعمة “لاسرائيل،” المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي JINSA، على نواياه بشأن سورية، والتركيز على الملف النووي الايراني عوضا عنه.

سيرصد قسم التحليل المرفق نتائح التحركات داخل اروقة الكونغرس لاصدار تفويض للرئيس اوباما يخوله المضي في شن عدوان عسكري على سورية، مع العلم انه باستطاعته القيام بذلك بمفرده دون التوسل الى الكونغرس ولفترة 60 يوما، وفق نصوص القوانين السارية؛ بل من عادة الكونغرس الوقوف بحزم خلف الرئيس في الشؤون الخارجية ، بصرف النظر عن انتمائه الحزبي. اللافت في الشأن السوري، رصد معارضة شعبية اميركية متنامية ضد المغامرات العسكرية بعد تضليلها في حربين شنتا في العقد الماضي، وتصاعد موجات المعارضة في الدول الاوروبية التابعة للولايات المتحدة في آن واحد. يرمي الرئيس اوباما في “اشراكه” الكونغرس بقرار التدخل تحمله مسؤولية مشتركة بغية مساعدته في النزول عن الشجرة العالية بعد تسلقه لقمتها الشاهقة، والمأزق الناجم عن الصمود العالي لسورية وحلفائها في مواجهة عدوانه.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية:       

         مناشدة الرئيس اوباما للكونغرس اعانته على الخروج من مأزق “الخط الاحمر .. ودق طبول الحرب والعدوان على سورية” اقلق العديد من المؤسسات الفكرية. معهد كارنيغيCarnegie Endowment اعرب عن اعتقاده بأن رهان اوباما على استدراج الكونغرس لسياسته العدوانية “ينطوي عليها تداعيات طويلة الأمد، من ضمنها نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة لعام 2016.” واوضح انه على الرغم من تصعيد لغة الخطاب السياسي فان “احدى النتائج النهائية لهذا السعي ان سياسة اوباما الخارجية سيتم قولبتها بصيغة مناهضة للتدخل (الخارجي) ووصفها بفك الارتباط بالشؤون العالمية .. اذ ان جدلية السياسة اكملت تأرجحها من سياسة التدخل في عهد (جورج) بوش (الابن) الى التحول بعيدا عنها في عهد (الرئيس) اوباما.”

         واضاف المعهد انه من المرجح استكشاف تصدع في صفوف الحزب الديموقراطي عشية الحملة الانتخابية الرئاسية بين المرشحين الديموقراطيين للمنصب، هيلاري كلينتون وجو بايدن، اذ “ستسعى كلينتون الى شق نهج متباين” عن السياسة الراهنة، ربما يقودها للعودة الى الشغف بسياسة التدخل الخارجي.

         من بين المراكز الفكرية التي ازدت النصح للادارة الاميركية حول الاهداف السورية التي يتعين عليها استهدافها، برز معهد واشنطن Washington Institute معربا عن اعتقاده انه يتعين “على الزعامات الاميركية اتخاذ قرار من شأنه ارسال رسالة تهديد قوية” للحكومة السورية، والا تقتصر على “مجرد عمل عسكري رمزي.” واضاف ان “النجاح سيحالف (الولايات المتحدة) ان قررت مفاجأة النظام السوري باستعدادها لتقبل قدر من المخاطرة اعظم مما هو متوقع، او التسبب في احداث حالة دمار شامل غير متوقعة من شأنها تعديل ميزان القوى الراهن” ضد الحكومة السورية. كما طالب المعهد صناع القرار الاميركي التوسع في نطاق العدوان “وفسح المجال امام عمليات تفاعلية مقبلة” لحمل الحكومة السورية على تغيير سلوكياتها.

         شن معهد كاتو Cato Institute حملة انتقاد شديدة اللهجة ضد مجلس الشيوخ الاميركي لنيته تفويض الرئيس الاميركي شن عدوان مسلح على سورية “اذ انه سيشكل انخراط اميركي غير محدد المعالم في الشأن السوري.” وحذر المعهد اصحاب الشأن في النصوص الدستورية ان الموافقة على طلب الرئيس اوباما باعتبار “حيازة سورية لاسلحة غير تقليدية يشكل تهديدا خطيرا للمصالح القومية الاميركية .. بانه يوفر غطاء للرئيس اوباما للمضي ابعد مما ينص عليه التفويض وما ينطوي عليه من تعويم للمدة الزمنية، ونشر قوات برية، واستهداف مصالح واهداف خارج نطاق الاراضي السورية،” في اشارة لايران ولبنان.

         سعى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS النأي بجدل التدخل العسكري الدائر الى “الدوافع الانسانية، وليس لاعتبارات الخطوط الحمر.” واوضح انه ينبغي على الولايات المتحدة وكل الدول المنضوية تحت لوائها في العدوان على سورية “الالتفات الى الكلفة الانسانية الشاملة الناجمة عن الخيار العسكري وضروة توجهها للبحث عن حل بديل لا يفاقم الاوضاع سوءا.” وحذر من ان “انتصار (الرئيس) الاسد سيشكل كابوسا، كما سيكون الامر لو قدر لقوات المتمردين الانتصار.” وحث المركز القوى المختلفة على “ضرورة البحث عن حل تفاوضي .. يضع حداً للحرب الاهلية .. كمقدمة اولية.”

         نبهت مؤسسة هاريتاج Heritage Foundation الى ازدواجية معايير الولايات المتحدة والتي “تسعى لتزويد المعارضة المسلحة بمعدات عسكرية .. وفي الوقت عينه تنظر في التصديق على معاهدة دولية لضبط توريد الاسلحة الخفيفة،” معربة عن معارضتها لجهود المصادقة على المعاهدة اذ انها “تضع عقبات قانونية معتبرة ضد تسليح قوى المعارضة .. الأمر المكنى بمبدأ ريغان” لارتباطه بتسليح قوات الكونترا والافغان، سيما وانه “يعد سلاحا يدعم اهداف السياسة الخارجية الاميركية منذ عام 1945.”

التحليل:

عدوان اوباما يتأرجح في ميزان الكونغرس المتردد

         حبس العالم انفاسه ترقبا للعدوان العسكري الاميركي وقلقا على سورية، رافقه ارتفاع نبرة التهديد العسكري الاميركي، لتجد الادارة الاميركية نفسها وحيدة في المسرح العدواني، قررت على ضوئه الهروب الى الكونغرس الاميركي “لمشاركتها” حفظ ماء وجهها في اخراج مسار التراجع الاميركي على المستوى العالمي. نية العدوان لم تتبخر او تتراجع بصورة نهائية بعد، فالاستراتيجية الاميركية وضعت نصب عينيها استهداف سورية، الدولة والمؤسسات والشعب والحضارة والتاريخ والمقدرات، منذ بوادر نهاية الحرب الباردة، وتترقب الفرصة السانحة لتفعيل ذلك مباشرة بعد فشل حلفائها الاقليميين واعوانها المحليين تدمير البلد لمصلحتها ولأجل الحفاظ على “أمن اسرائيل.”

         مبررات اميركا لشن العدوان لم تنطلِ على احد، سيما القوى العالمية المناهضة للتدخل الاميركي، التي وعت مبكرا حدود الترهيب بالقوة العسكرية وتنبه الخبراء العسكريين في الجانب الاميركي، تحديدا، وعدم اليقين من ماهية ردات الفعل لسورية وحلفائها على العدوان، مما حدا بالرئيس اوباما التزام التردد، فضلا عن العواقب السياسية المترتبة عن ذلك.

         في الجانب الاميركي الداخلي، يعي اوباما تصاعد وتيرة المعارضة الداخلية لاي صيغة من الانخراط في الشأن السوري، سيما بعدما اوضحت احدث استطلاعات للرأي العام ان غالبية هامة من الشعب الاميركي، 48%، يعارضون الغارات الجوية على سورية، من ضمنهم 40% من الجمهوريين و48% من الديموقراطيين ونحو 50% من المسجلين في خانة المستقلين. كما تعي الادارة الاميركية ان نحو 48% من الاميركيين يعتقدون بعدم وضوح الرواية الرسمية او قناعتهم بها لتبرير التدخل. وجاء في استطلاع آخر اجرته شبكة (ايه بي سي) للتلفزة ان اغلبية تشكل 59% من الناخبين تعارض القصف الجوي لسورية بينما عارضت نسبة اعلى 70% منهم تزويد المعارضين بالاسلحة.

         ترحيل ازمة اتخاذ القرار الى اروقة الكونغرس يراد اشراكه لتحمل عبء التداعيات السياسية والمالية في ظل اجواء الانتخابات النصفية المقبلة والتي ستطال كافة اعضاء مجلس النواب المكون من 435 ممثلا. ان حظي اوباما بدعم الكونغرس، بامكانه حرف مسار وجهة حملات الانتقادات المقبلة، بينما يخوله فشل الكونغرس بتوجيه نصل اللوم الى خصومه السياسيين لعدم جهوزيتهم “لمعاقبة سورية.”

الوقائع السياسية

         لاجدال بمفاجئة العديد من المراقبين اعلان الرئيس اوباما ترحيل مسألة القرار الى الكونغرس، بمن فيهم اقرب المقربين له. عمليا، سعى اوباما استمزاج الكونغرس لمنحه “تفويض لاستخدام القوة العسكرية” ضد سورية حسبما يراه مناسبا، عوضا عن توجيه عدوانه بصورة فورية كما كان يظن.

         الشعب الاميركي بقواه المختلفة عبر مرارا عن مقته لانخراط بلاده بالحروب العسكرية، فضلا عن حالة الانهاك الاقتصادي والتداعيات الاجتماعية المترتبة عن احتلالين متتاليين لافغانستان والعراق. سعي وزير الخارجية جون كيري المحموم لتذكير الجمهور بتوفر ادلة ومعلومات استخبارية تزعم مسؤولية الحكومة السورية عن استخدام الكيميائي نشّط الذاكرة الجمعية لاكاذيب ادارة سلفه جورج بوش الابن بادعاء امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل لم يتم اثباتها بعد احتلال وتدمير البلاد. ومضى كيري بعيدا بالظهور الاعلامي المكثف على شبكات تلفزة متعددة، يوم الاحد الفائت 1 أيلول، مستندا الى موقعه الرسمي وبلاغته الخطابية بتكرار الزعم ان ادارته حصلت على “معلومات جديدة” ينبغي مشاركة الشعب الاميركي بها، استنادا الى عينات من التربة والشعر الآدمي وسواهما، تؤكد استخدام غاز السارين في المنطقة المنكوبة من ضواحي دمشق.

         هاجس الذرائع الواهية في العراق، مضافاً الى اخفاق الدلائل غير القاطعة المقدمة لكسب ود كل من الصين وروسيا الى صف العدوان الاميركي، فضلا عن تبلور معارضة داخل بعض مكونات المؤسسة الحاكمة ساهمت معا في دفع الرئيس اوباما التوجه للكونغرس لترحيل الأزمة مؤقتا وتعينه على ايجاد مخرج مقبول لمأزقه.

         على ضوء ما تقدم، سيلتئم الكونغرس بمجلسيه ومباشرة اعماله الاعتيادية في 9 أيلول الجاري، ومن المرجح ان يصل الى كرح ومناقشة صيغة تفويضية للرئيس اوباما تقارب ما رمى اليه بشكل كبير، سيما وان زعماء الحزب الجمهوري اعربوا عن تأييدهم لعدوان عسكري على سورية. يذكر ان الصيغة القانونية السارية تمنح الرئيس فرصة زمنية لا تتجاوز 60 يوما للقيام بعمل عسكري دون اللجوء لطلب موافقة الكونغرس، وربما يجري التمديد لها 30 يوما اضافيا في هذا الحال. الفارق الجوهري بين الراهن والمرجو هو عدم تفويض ارسال او انخراط قوات برية اميركية في الصراع.

         للدلالة على رفض الشعب الاميركي التورط في حرب عدوانية جديدة، افاد مكتب النائب الجمهوري عن ولاية اريزونا، ماثيو سالمون، انه تلقى نحو 500 مكالمة من دائرته الانتخابية بشأن سورية لم يكن سوى اثنتين منها تؤيدان العدوان. وقال النائب ان ظاهرة المعارضة الشاملة للعدوان “غير مبالغ بها،” سيما وان سالمون نفسه من بين المناوئين للعدوان العسكري موضحا موقفه بالقول “لا ارى تعليلا حتميا مبررا (يهدد) الامن القومي لبلادنا مطلقا .. باستثناء حفظ ماء الوجه للرئيس، لا استطيع استيعاب ما يمكننا فعله” بشن العدوان.

         ويذهب “سالمون” الى استشراف نتيجة توجه الكونغرس لتفويض الرئيس اوباما بانها ستقارب صيغة التصويت الذي جرى في شهر تموز الماضي على مشروع قرار تقدم به النائب جاستين اماش لتقويض سلطات وكالة الأمن القومي الواسعة في التجسس الداخلي، باستثناء ان يحالف الحظ قرار العدوان هذه المرة، وقد “يفشل قرار التفويض بفارق 20 صوتا.”

         تجدر الاشارة الى الضوابط الدستورية التي تتحكم بقرار شن الحرب الذي يستدعي تصويتا اما مع او ضد من قبل مجلسي الكونغرس؛ اما مشروع قرار التفويض يمكن “تعطيل النقاش حول، او تأجيله، او اعادة صياغته، او افشاله بالكامل.”

         العامل الحاسم في هذا الصدد يعتمد على مقدار دعم الحزب الجمهوري للرئيس اوباما، والذي يبدو ان احد اهم ركائزه هو السيناتور الجمهوري جون ماكين، الذي يواجه معارضة متنامية لتوجهاته العدوانية داخل حزبه الجمهوري عينه، مستندا الى سجله كمرشح رئاسي منافس للرئيس اوباما، 2008، وخدمته العسكرية الطويلة كطيار في سلاح البحرية الاميركية.

         رئيس مجلس النواب الجمهوري، جون بينر، وزعيم الاغلبية الجمهورية في المجلس، اريك كانتور، اعربا عن تأييدهما لصالح قرار التفويض، اذ صرح كانتور قائلا “لدى الولايات المتحدة مصلحة ملحة لأمنها القومي للرد ومنع استخدام اسلحة الدمار الشامل.”

          على الرغم من تناغم زعامات الحزب الجمهوري مع الرئيس اوباما، فانه يخشى تصدع اوجه الدعم داخل صفوف حزبه الديموقراطي الذي عادة يقف صفا واحدا متراصا خلف اجندة الرئيس. واعربت الممثلة عن مدينة واشنطن العاصمة، الينور هولمز نورتون، ان ما يدفعها للتصويت لصالح الرئيس هو عامل ولائها لشخص الرئيس اوباما، ليس الا. واردفت بالقول انه لو جاءت نتيجة التصويت لصالح قرار التفويض ستكون بدافع “عامل ولاء الديموقراطيين” لحزبهم “وعدم رغبة النواب رؤية الرئيس مهانا يجرجر عاره على المسرح السياسي القومي.”

         مشاعر القلق من التورط بحرب اخرى طغت على مواقف عدد من الممثلين، لا سيما اعضاء الحزب الديموقراطي، اذ اوردت شبكة (اي بي سي) للتلفزة معارضة عدد من اعضاء مجلس النواب عن الحزب الديموقراطي لاي عمل عسكري يستهدف سورية اثناء مكالمة هاتفية جماعية اجراها معهم الرئيس اوباما مطلع الاسبوع. وتجدر الاشارة الى تصويت 70 ممثلا عن الحزب الديموقراطي ضد قرار شن عدوان اميركي – اطلسي على ليبيا عام 2011. وشهد فصل الصيف تصويت 111 مندوبا عن الحزب الديموقراطي في مجلس النواب لصالح تقليص ميزانية وكالة الأمن القومي وبرامجها التجسسية على الداخل الاميركي، مما ارسل اشارة لا تخفى عن ناظرها لمعارضة تتبلور ضد التوجهات العدوانية الاميركية.

         في الجانب الآخر من الطيف السياسي، الحزب الجمهوري، يواجه الرئيس اوباما ايضا معارضة لعدوانه على سورية من قبل اعضاء نافذين في الحزب الذين اوضحوا معارضتهم لتدخل اميركي في الشأن السوري؛ كما ان البعض منهم يراوده حلم دخول حلبة الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2016. من بين تلك الفئة يبرز جون بولتون السفير الاميركي السابق لدى الأمم المتحدة، الحائز على وسام الارز اللبناني من قبل جمعية اميركية مؤيدة لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، اذ اوضح معارضته للتدخل قائلا “بالمجمل، وبما انني لا ارى اية فائدة تعود على استخدام القوة العسكرية في سورية ضمن هذا السياق، فسأصوت ضده. لا اعتقد ان الامر يفيد المصالح الاميركية، كما لا اعتقد انه ينبغي علينا، بالمحصلة، الانحياز لطرف ما في الأزمة السورية ..”

         كما رفض بولتون قلق البعض من تعريض مصداقية الرئيس اوباما للخطر استنادا الى تهديده السابق بعدم تجاوز “الخط الاحمر،” وقال بازدراء شديد “تسديد ضربة كبيرة لمصداقية الولايات المتحدة مقارنة مع ماذا؟ هل هي بالمقارنة مع حالة الفوضى التي تسبب بها الرئيس؟” واضاف انه كان يتعين على الرئيس التوجه مبكرا في العام الماضي الى الكونغرس طلبا للتفويض لو كان صادقا في تطبيق تهديده المشار اليه.

         المرشح السابق لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الجمهوري، بول رايان، اصدر بيانا لاذعا ضد الرئيس اوباما، جاء فيه “لدى الرئيس متسع من الوقت للعمل على استرداد عافيته بعد سلسلة عثراته المخيفة في سورية. ينبغي عليه التوضيح بشكل لا يقبل الجدل ان ادخال القوات العسكرية الاميركية في الصراع سيعزز أمن الولايات المتحدة. سأصغي الى ما قد يقوله للكونغرس وللشعب الاميركي.”

         كما دخلت الحلبة المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس المثيرة للجدل، سارة بيلين، قائلة “المحصلة البيانية تشير ان الأمر يتعلق بسعي الرئيس اوباما حفظ ماء وجهه بعد وعده “لخطه الاحمر” فيما يخص الاسلحة الكيميائية .. الولايات المتحدة لا يتوفر لديها مهمة محددة مقنعة ينبغي تنفيذها في سورية .. في خضم الصراع الداخلي القديم بين متشددين اسلاميين يؤمنون بالعنف وبين نظام ديكتاتوري دموي.” واوضحت بالين “ان كان غزونا للعراق ليس كافيا كعامل رادع ووضع حد لاناس شياطين بعدم استخدام اسلحة كيميائية ضد شعبهم، فلماذا علينا التفكير بأن الامر سيكون مغايرا؟”

         ايضا برز السيناتور الجمهوري راند بول معربا عن قلقه لمصادقة مجلس الشيوخ المرتقبة على قرار التفويض بالتدخل العسكري موضا ان الرئيس اوباما سيخسر في تصويت مجلس النواب، الذي تسيطر عليه اغلبية من الجمهوريين. ويدرك الحزبين حجم المعارضة الشعبية المتنامية للتدخل العسكري التي بلغت 70% وفق احدث استطلاعات للرأي، فضلا عن ان القاعدة الشعبية للحزب الجمهوري تعارض بشدة التدخل العسكري.

         البنود الواردة في صيغة التفويض المقدمة من البيت الابيض مبهمة في بعض الجوانب، وتنص على الآتي:

التفويض: يخول الرئيس استنادا الى نص البند (ب)، استخدام القوات المسلحة الاميركية كما يراه ضرورياً ومناسباً في نطاق محدود مصمم ضد اهداف عسكرية مشروعة في سورية، لتحقيق : 1- الرد على استخدام الحكومة السورية اسلحة دمار شامل في الصراع داخل سورية؛ 2- ردع سورية من استخدام اسلحة مماثلة من اجل حماية مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة وحماية حلفائنا وشركائنا ضد استخدام مثل تلك الاسلحة؛ 3- تدمير  قدرة سورية على استخدام اسلحة مماثلة في المستقبل.”

         غموض النص المتعمد يتيح للرئيس اوباما ثلاث خيارات لاعتمادها.

         الخيار الاول: اقرب الخيارات للتحقيق هو لجوء الكونغرس اصدار تفويض للقيام بغارات جوية محدودة ترمي لاستعادة الهيبة الاميركية التي تعاني من مسار تراجع بياني. في الماضي القريب، سعى الرئيس الاسبق بيل كلينتون لتطبيق تفويض مشابه بعد تعرض السفارات الاميركية في الساحل الشرقي من افريقيا للتهديد؛ وقيام الرئيس الاسبق رونالد ريغان بقصف بحري مكثف للبنان والقوات السورية المرابطة على اراضيه انتقاما لتفجير مقر قوات مشاة البحرية – المارينز في بيروت عام 1983. وعليه، قصف تشنه ادارة الرئيس اوباما بواسطة صواريخ كروز من شأنه استهداف البنى التحتية السورية، مما يفسر بانه استعاد هيبة الرئيس لخطه الاحمر الذي طوق نفسه به ويعزز تهديداته بان استخدام الاسلحة الكيميائية امر مرفوض ينطوي عليه معاقبة الفاعلين، ويقدم سندا اضافيا لقوى المعارضة المسلحة وتسديد بعض الضربات الموجعة لسورية. كما سيؤدي الاجراء الرئاسي الى تعزيز الطمأنينة في نفس المواطن الاميركي لبعض الوقت، بعد ان تم تضليله بأن أمنه مهدد. فيما يتعلق بالكلفة المادية، عدد محدود من صواريخ كروز تبلغ كلفتها الاجمالية بضعة ملايين من الدولارات باستطاعة ميزانية التقشف الدفاعية تحملها في الزمن المنظور او تعويضها من الدول العربية الخليجية الراغبة في تمويل العدوان. اما في المردود الاستراتيجي، لا يتوقع ان يترك القصف الصاروخي اي تأثير استراتيجي حقيقي سوى توفير خشبة الخلاص للرئيس اوباما ليس الا.

الخيار الثاني: قد لا يأت تفويض الكونغرس المرتقب على آليات محددة جازمة، بيد ان الهيبة الاميركية لا تستعاد الا بزعزعة الدولة السورية ومؤسساتها مما قد يهيء الاجواء لقيام بعض المرتبطين بالخارج بالانقضاض لمحاواة الاطاحة بالنظام، اذ يبرز هدف اسقاط النظام الى الواجهة بعد تراجع الخطاب السياسي الاميركي عن ترديد ذلك بمناسبة او بدونها. تحقيق هذا الهدف يستدعي حملة قصف مكثفة قد تمتد لاسبوع او اسبوعين ترمي تدمير سلاح الجو ونظم الدفاعات الجوية والمنشآت العسكرية السورية ، وامداد قوى المعارضة المسلحة على غرار العدوان على ليبيا. ما لم تتيقن منه الادارة الاميركية بعد هو طبيعة وحجم ومدى رد ايران والمقاومة في لبنان، وربما في قطاع غزة، فور اطلاق اول صاروخ كروز سيما وان التصريحات المتتالية تدل بوضوح الى نية معسكر المقاومة استهداف المصالح الاميركية وحلفائها في المنطقة، بل جاء في بعضها ان تركيا والسعودية وقطر تحديدا، فضلا عن الاردن و”اسرائيل،” لن تكون بمنأى عن الاستهداف. عدم اليقين الاميركي يصب في خانة ردع الهجوم الا اذا قررت الولايات المتحدة تحمل خسائر باهظة ودمار شامل، لها ولاعوانها، في حرب متدحرجة.

         الخيار الثالث: يستند الى شن حرب قاسية بكل المقاييس تستغل عدم تكافؤ القوة العسكرية الصرفة بين الطرفين والقيام بحملة مكثفة من القصف البحري والجوي تمتد لبضعة اسابيع تضع نصب عينيها اغتيال الرئيس بشار الاسد او ارغامه على التنازل ان فشلت محاولات الاغتيال. ينطوي على هذا الخيار تحلي المعتدي بطول النفس اولا واستعداده للمحافظة على تعبئة شعبية داعمة معتبرة، الامر الذي لا تبشر التجربة الحديثة بامكانية تحقيقه. اما ما سينجم عن هذا الخيار من نتائج يبقى في باب التكهنات سيما وان النفوذ الاميركي يكون قد اصابه ما اصابه من تهديد وتراجع ينعكس حتما على الاداء السياسي والقتالي. عند النظر الى النموذج الاطلسي في ليبيا، نجد ان النظام المنبثق عن المواجهة المحتملة يستند الى ما تبقى من قوة ميدانية لفرض شروطه، وليس الى الطرف الذي تدعمه الولايات المتحدة، كما يشاع في حال “الجيش السوري الحر.” ولم يعد سرا ان البيت الابيض يجري مشاوراته بشأن خيارات اخرى تضم قوات محلية مدربة اميركيا محسوب ولاؤها بدقة.

         الخيار الاخير يشكل مصدر قلق للكونغرس والخشية من ان يؤدي الى بروز نظام حكم مرتبط بتنظيم القاعدة. وعليه، يرجح الاختيار بين السيناريوين الاول والثاني، واستبعاد الخيار الثالث، وهما الخيارين اللذين يجري ترويجهما من قبل اشد انصار “اسرائيل” في مجلس الشيوخ، الجمهوريين جون ماكين وليندسي غراهام. اذ اعلنا مرارا ان تفضيلهما لخيار العدوان العسكري ينبغي ان يكون جزء من استراتيجية اشمل بخصوص سورية، وعدم الاقتصار على بضعة هجمات عشوائية “لمعاقبة” الحكومة السورية.

         تجدر الاشارة الى ان الثنائي المذكور اعرب بعد لقائه الرئيس اوباما، مطلع الاسبوع الجاري، عن ثقته بان البيت الابيض في صدد بلورة استراتيجية للتعامل مع سورية من شأنها اضعاف سيطرة الرئيس الاسد وتوفير الدعم لقوى المعارضة المسلحة – مستدركيْن انه امام الرئيس اوباما كما كبيرا من المهام تستدعي مبادرته لتقديم تفسيرات حول نواياه واهدافه.

         واوضح ماكين انه وشريكه غراهام “لا يزال لديهما تحفظات معتبرة .. لكننا على ثقة بأن جهودا تجري لبلورة استراتيجية لتحديث قدرات الجيش السوري الحر والنيل من قدرات (الرئيس) بشار الاسد. لم تتوفر لنا تلك المعطيات قبل عقد اللقاء” مع الرئيس اوباما.

         بيد ان الشك يساور الرئيس اوباما للمدى الذي يريده الثنائي المذكور المضي به لدعم عملية عسكرية نشطة ان لم تتضمن خطة للاطاحة بالرئيس الاسد – بينما يمضي الرئيس اوباما في نفي استهداف مركز الثقل في النظام السوري امعانا في التضليل. وجاء في بيان مشترك للثنائي بعد اللقاء المذكور “ليس بوسعنا دعم غارات عسكرية معزولة في سورية بضميرٍ راضٍ ان لم تشكل جزءا من استراتيجية شاملة ترمي لتغيير مسار الحرب في الميدان، تحقق هدف الرئيس المعلن بازاحة (الرئيس) الاسد عن السلطة، ووضع نهاية للصراع، الذي يمثل تهديدا متناميا لمصالح أمننا القومي. ان اي اجراء يقصر عن هذا الهدف سيشكل ردا غير كافٍ للجرائم ضد الانسانية التي يرتكبها الاسد وقواته. كما من شأنه ارسال رسالة مغايرة لاصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة، والمعارضة السورية، ونظام الاسد، والعالم قاطبة – الذين يترقبون عن كثب ما قد تقدم على فعله اميركا.”

         في حال توفر قوة مسلحة مؤيدة للولايات المتحدة وباستطاعتها انتهاز الفرصة مما سينجم عن قصف جوي مكثف، فان الخيار الثاني يبرز الى الواجهة بشكل اوضح. في هذا الصدد، تجدر الاشارة الى ما ابلغه الرئيس اوباما للثنائي ماكين-غراهام بان مجموعة مكونة من 50 عنصرا جرى تدريبها في الاردن على يد القوات الاميركية الخاصة استطاعت التسلل وعبور الحدود الاردنية الى سورية. شكل الاعلان اول اقرار رسمي بنشر وحدة عسكرية دربتها الولايات المتحدة منذ اعلان الرئيس اوباما في شهر حزيران الماضي مفاده ان الولايات المتحدة ستقدم دعما عسكريا بالاسلحة الخفيفة لقوى المعارضة السورية، وتجسيداً لمراهنته على ان اي جهد يقدم عليه لتقويض الحكومة السورية سيؤدي الى توفير دعم للقوى المتشددة المقاتلة، التي تعد بالآلاف.

         محصلة استعراض الخيارات تشير الى ان ما تبقى امام الرئيس اوباما قبل توجهه طلب تفويض من الكونغرس هو خيار القصف المحدود لاستعادة هيبة ربما فقدت الى أمد بعيد. كما يدرك اوباما ان دعم الثنائي ماكين-غراهام له داخل مجلس الشيوخ ليست مسألة مسلم بها، وقد يصطفان الى جانب الجيل الاشد تشددا من النواب الجمهوريين المناهض لتقديم اي مستوى من الدعم لرئيس ديموقراطي.

         في المستوى الدستوري البحت، الكونغرس وحده الطرف المخول باعلان حالة حرب ضد جهة او اطراف اخرى، ويفوض القائد الاعلى للقوات المسلحة بادارتها، مما يوفر للرئيس اوباما سلطة حصرية في تنفيذ الحرب. في ظل توفر تفويض صريح من الكونغرس، كما جرى في العدوان الاميركي على افغانستان والعراق، تقع مسؤولية اتخاذ القرار على عاتق الرئيس نفسه.

         قد يقدم الكونغرس على الموافقة بمنح الرئيس تفويض محدد بشأن سورية (رغم ان ذلك امر صعب،) وبحكم مكانته كقائد اعلى للقوات المسلحة فهو غير ملزم دستوريا تضييق نطاق صلاحياته، اذ من شأن غارات جوية منتقاة يدعمها عدد محدود من القوات الخاصة ان تتطور الى حرب شاملة سريعا. وما على المرء الا النظر الى قرار تفويض الرئاسة الاميركية بالرد على العدوان المزعوم في خليج تونكين بفييتنام، ليستنتج ان تفويضا مشابها في الحالة السورية قد يفضي الى انخراط اميركي واسع النطاق دون مقدمات او ضوابط كابحة لسرعته.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s