08/02/2013-التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية02/آب/2013

 

نشرة دورية تصدر عن مرصد مراكز الابحاث لمركز الدراسات الأميركية والعربية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 02/آب/2013   —  2013/08/02

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6.portrait

المقدمة:

من نافل القول ان عطلة فصل الصيف لا تزال ترخي ظلالها على انتاج مراكز الابحاث المختلفة. وبرزت قضايا محددة للواجهة، منها تجدد المطالبة باقامة منطقة ىمنة في سورية، والمفاوضات بين السلطة الفلسطينية و”اسرائيل، وانتهاء بفضيحة تجسس وكالة الأمن القومي على المواطنين الاميركيين.

سيستعرض قسم التحليل ادانة المجند برادلي مانينغ صاحب وثائق ويكيليكس الضخمة، وتداعياتها على المشهد الاميركي وما عداه.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية:

         تناول معهد الدراسات الحربية Institute for the Study of War انجع الوسائل العسكرية للنيل من فعالية القوات الجوية السورية “بغية اقامة منطقة عازلة،” تستند الى الادراك بأن ادائها “بالغ الضعف امام قصف مركز بالقذائف الموجهة .. بالرغم من ان تدميرها ونظم دفاعاتها الجوية بالكامل سيتطلب القيام بشن عملية عسكرية كبيرة .. تطلق فيها الذخائر الموجهة والدقيقة من خارج منطقة الاشتباك .. تتلوها غارات اصغر حجما لضمان” تدمير كامل قدراتها الجوية.

مفاوضات واشنطن:

         اقر مركز ويلسون Wilson Center بالصعوبات التي تواجه مسيرة المفاوضات اذ ان “الازمة الاسرائيلية – الفلسطينية كمشروب السحرة دائمة التغير.” واعرب المركز عن شكوكه في امكانية “توصل الطرفين الى اتفاق في الوقت القريب .. بيد ان البديل سيترك الساحة عرضة لمزيد من التدهور.”

مصر:

         رحب مركز السياسة الأمنية Center for Security Policy بالتطورات الاخيرة في مصر بانها “تصحيح واضح للمسار” وتقويض سيطرة الاخوان المسلمين الذين لو تركوا لشأنهم “سيتجذر مسعاهم لانشاء سلطة دينية.” وحمل المركز الرئيس اوباما مسؤولية “عدم توجيه اية انتقادات للاخوان خلال السنة الماضية” من حكمهم والآن “اصبحنا نتحدث وننتقد (اجراء) كان ضروري حقا لتعديل مسار الثورة.”

باكستان:

         الحكومة الباكستانية الجديدة كانت محط اهتمام معهد المشروع الاميركي American Enterprise Institute الذي اعرب عن اعتقاده بالمهمة التي تنتظر حكومة نواز شريف “لتصحيح علاقة عدم التوازن التاريخية في العلاقات بين المؤسسة المدنية ونظيرتها العسكرية” في البلاد. اذ يتطلع رئيس الوزراء شريف الى “الحد من سيطرة المؤسسة العسكرية على مواطن الحكم ومعارضة توجهاتها في قضايا تحظى بدعم شعبي واسع، مثل العلاقة مع الهند.” ولفت الانتباه الى ان مراهنة الحكومة على استغلال رصيدها السياسي ودعم الشعب لها “قد يتبدد سريعا .. ان اطالت الانتظار لحل معضلات وعلل باكستان الضاغطة الاخرى.”

اميركا:

         اعرب معهد كارنيغي Carnegie Endowment عن اعتقادة ان “افراط السياسة الاميركية وتركيزها الانظار على مسائل الارهاب قد اعماها عن تناول قضايا اخرى باهتمام مماثل كمسألتي الحرية الشخصية والسياسة الخارجية.” واوضح ان بروز “وكالة الاستخبارات المركزية، منذ العام 2001، كمؤسسة شبه عسكرية تصرف معظم جهودها على استهداف وقتل افراد مشتبه بعلاقتهم بالارهاب” قد ادى الى تجاهل “الابعاد الاخرى الهامة لظاهرة التطرف العنفي .. كما اهملت الاجهزة الأمنية ظواهر اخرى حيوية، مثل التطورات في الصين .. واستخدام افريقيا كمنصة انطلاق لنشاطات الشبكات الاجرامية العابرة للحدود.”

         تداعيات فضيحة التجسس التي كشف النقاب عنها ادوارد سنودن كانت حاضرة في جدول اعمال مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، سيما للشق المتعلق “بالتجسس الاميركي واسع النطاق على الحلفاء.” وسعى المركز للتذكير بصلاحيات الاجهزة الامنية المختلفة اذ ان “وكالة الأمن القومي غير مخولة لبلورة سبل التعاون المختلفة بين الاجهزة المتعددة (وبالتأكيد ليس بمفردها) بل هي من صلب صلاحيات مجلس الأمن القومين الذي يقع عليه مهمة النظر في كافة الاحتمالات والتعقيدات والارصدة المتوفرة وكذلك البحث في كافة التداعيات.” وحذر المركز من ان “كلفة جهود التجسس على اوثق حلفائنا تفوق المردود مرات عدة .. اذ ان الكلفة تتضمن الشعور بالخيانة، وفقدان الثقة، والتردد او عدم الرغبة في التعاون، يرافقها بعض التدهور في صلب التحالف.”

التحليل: 

اميركا تنكفيء عن مبادئها وتنتصر للدولة البوليسية

         عند الانعطافات السياسية الحادة تلجأ الولايات المتحدة الى التذرع بفزاعة الأمن القومي لتمرير اجراءاتها المنافية للحقوق المدنية المعلنة في الدستور، تجلت مؤخرا في سعي ادارة الرئيس اوباما الحثيث لشرعنة التجسس والتنصت الداخلي الذي تقوم به وكالة الأمن القومي التي فضحها المتعاقد الشاب ادوارد سنودن، قبل بضعة اسابيع. المديات التي قد تذهب اليها الوكالة في رصد وجمع معلومات خاصة للمواطنين العاديين “لا تعرف حدودا يكبلها القانون،” على الرغم من انتهاكها الصارخ لبند التعديل الرابع في الدستور الاميركي الذي يحمي المواطن من “رقابة الدولة والتعدي على حريته” المقدسة.

         شراهة ونهم الوكالة للعمل بسرية واخطبوطها المسيطر على كافة مناحي الحياة اليومية اوجزه احد ضباطها “دعنا نجمع كل ما نستطيع اليه الآن ولتطرح الاسئلة لاحقا،” في اشارة واضحة على تعمد انتهاك الحقوق الدستورية. قدرات الوكالة التقنية الفائقة ليس في تتبع المراسلات الالكترونية اليومية الهائلة فحسب، بل لاحتمال قيامها بنسخ كل ما يتوفر من معلومات على اقراص اجهزة الكمبيوتر الخاصة بالافراد المنتشرة، وهي بمئات الملايين، دون علم او استشارة اصحابها، كما يرجح الخبراء في القانون.

         السلطة الرابعة في حلتها الاميركية الراهنة لم تقم بأداء واجبها لكشف الحقائق والانتصار للدستور وادانة سرية الاجهزة والهيئات الحكومية، باستثناء اقل من القليل من اركانها، والاصطفاف الى جانب من قام بالتسريبات للاجهزة الاعلامية، على غرار ما فعلت ابان الحرب الفيتنامية وتألقت عالميا آنذاك لنشر “وثائق البنتاغون” التي قام بتسريبها الموظف في وزارة الدفاع، دانيال ألسبيرغ. بل تراجعت عن مسؤولياتها المهنية وسعت لترويج الرواية الرسمية التي تدين وتجرّم الفاعليْن، برادلي مانينيغ – صاحب وثائق ويكيليكس، وادوارد سنودن الذي رفع الغطاء عن اكبر عملية تجسس في التاريخ الحديث. بل ذهب  الاخير الى توضيح تجنيد الوكالة الاميركية لاجهزة استخبارية اوروبية عدة، وعلى رأسها البريطانية، للقيام بذات المهام في بلدانها لصالح وكالة الأمن القومي، لقاء 100 مليون جنيه استرليني، كما اوردت صحيفة الغارديان البريطانية. العالم الارجنيتني المختص، أتيليو بورون، وصف تبعية اوروبا للولايات المتحدة بانها “عاهرة بابل.”

في المحصلة العامة، اضحت “السلطات الثلاث لحكومة الولايات المتحدة في غالبيتها تحت سيطرة قوى تمثل مصالح كبريات الشركات الأمنية وتصنيع الاسلحة، وتكن ازدراءا وتحقيرا مذهلا لمتطلبات النظام القضائي والحقوق الاساسية كما تستوجبه “لائحة الحقوق” المدنية،” حسب وصف اسبوعية “ذي نيشن.”

بعد ترويج مدروس لمقاضاة برادلي مانينغ، بل ادانته المسبقة في وسائل الاعلام على خلفية فضائح البرقيات الديبلوماسية الاميركية واكاذيب حروب البنتاغون في العراق وافغانستان، صدر الحكم ضده بالادانة في 15 تهمة تتمحور حول “تمرير معلومات سرية،” وبراءته من التهمة الاكبر التجسس و”التعامل مع العدو،” التي كانت ستؤدي الى انزال عقوبة الاعدام به.

“قانون مكافحة التجسس” سن في العام 1917، وعدل في نصوصه الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون كي يوافق اهوائه واستخدامه كسلاح فتاك ضد التسريبات النوعية، لا سيما تسريبات دانيال ألسبيرغ لوثائق البنتاغون وفضيحة ووترغيت؛ وتفادى الكونغرس بمجلسيه البت في صلاحية البنود المعدلة قانونيا منذئذ والى الوقت الراهن – حالة مانينغ. من المفيد تذكر الفرق الجوهري بين وثائق ألسبيرغ وما نشرته ويكيليكس استنادا الى مانينغ للدلالة على نوايا مبطنة لتشويه الفاعل والقفز عن الفعل المشين: كافة وثائق البنتاغون التي سربها الأول حملت تصنيف “بالغ السرية،” بينما وثائق الاخير لم تندرج تحت تصنيف السرية. 

خلال ولايتيه الرئاسيتين لجأ الرئيس اوباما لملاحقة 8 افراد قضائيا استنادا لقانون “مكافحة التجسس” المذكور، مما شكل اعلى نسبة للملاحقة من اسلافه الرؤساء الثلاثة السابقين مجتمعين، وكأن الرسالة التي ينوي ترسيخها في ذهن المواطن العادي تفيد ان الهزيمة العسكرية التي لحقت باميركا في العراق وافغانستان مردها التسريبات الاعلامية.

كان طاقم محامي الدفاع يرغب في تصنيف ما قام به مانينغ بانه لا يتعدى الابلاغ عن مخالفات وانتهاكات للقانون، نافخ الصفارة، لابعاد شبح قانون التجسس سيما وانه اوضح دوافعه من وراء التسريب “لحفز اطلاق حملة نقاش واسعة  حول سياسة خارجية (اميركية) هاجسها القتل والقاء القبض على اناس” بعيدين عن حدود البلد. تذرعت النيابة العامة العسكرية ان عملية مداهمة مقر اسامة بن لادن والاستيلاء على جهاز الحاسوب الخاص به ادت للكشف عن وثائق مسربة عبر ويكيليكس.

كما رمت الحكومة الاميركية ان تؤدي ادانة مانينغ الى ثني من ستخالجه نية الاقدام على تسريب معلومات مستقبلا الى اجهزة الاعلام، بصرف النظر عن تصنيفها سرية. علاوة على ذلك، سعت ايضا لتثبيت اتهامه بـ “التعامل مع العدو” لدلالاتها القانونية كسابقة اذ ان مانينغ لم يسلم الوثائق التي بحوزته مباشرة الى بن لادن، بل الى موقع ويكيليكس الذي تولى نشرها.

تثبيت الاحتكام الى قانون مكافحة التجسس اثار جدلا بين اوساط الخبراء القانونيين. اذ اوضح حديثا استاذ القانون في جامعة “دوك،” سكوت سيليمان ان “معظم التهم الموجهة للتعامل مع العدو، في سياقها التاريخي، كانت تتعلق بأسرى الحرب الذين قدموا معلومات لليابان ابان الحرب العالمية الثانية، او للشيوعيين في الصين خلال الحرب الكورية، او اثناء الحرب الفييتنامية.”

واردف استاذ القانون في جامعة بيتسبيرغ، عقيد طيار متقاعد ديفيد فراكت، ان توجيه تهمة “التعامل مع العدو ستبلور سبلا جديدة لتقديم العون للعدو في سياق بعيد عن التعاون المباشر، وحتى بصورة غير مقصودة.” ومن شأن تجديد العمل بهذا القانون توفير فرصة التهديد للنيابة العامة لأي فرد له ضلع بتسريب اية معلومات لوسائل الاعلام.

النيابة العسكرية سلطت الضوء على عامل “نية” مانينغ بتسريب المعلومات، وشاطرتها قاضي المحكمة بان “النية” تشكل عنصرا ينبغي الاخذ به للتعامل مع العدو، لكنها استدركت بالقول ان النيابة العامة لم تثبت بما لا يدع مجالا للشك بان مانينغ كان في نيته التعامل عندما اقدم على تسريب المعلومات. لو توصلت القاضي في استنتاجاتها الى ان عامل “النية” غير ذي صلة، فمن شأن اي فعل تسريب بصرف النظر عن دوافعه، قد يستحق عقوبة الاعدام شريطة تقديم الادلة على استفادة العدو منها بشكل او بآخر. يذكر ان النيابة العسكرية انما كانت تطالب بعقوبة السجن مدى الحياة وليس لانزال عقوبة الاعدام بمانينغ. ووجهت القاضي استفسارا لمحامي النيابة ان كانوا سيوجهون التهم عينها في حال اقدم مانينغ على تسريب معلوماته الى صحيفة نيويورك تايمز بدلا من موقع ويكيليكس؛ الاجابة كانت بالايجاب.

لو جاء حكم القضاء مغايرا لما هو الآن فمن شأنه آنئذ ان يوفر للادارة الاميركية سابقة قانونية صلبة لتعقب ووأد اي محاولة للتسريب، سيما وان ادارة الرئيس اوباما تفوقت على الادارات الثلاث السابقة في مديات ملاحقتها القانونية للتسريبات. وستؤدي على الارجح الى احجام افراد القوات المسلحة مستقبلا عن القيام بتسريب اية معلومات محرجة والا فعليهم مواجهة عقوبة الاعدام. وقد علق مؤسس ويكيليكس، جوليان اسانج، ساخطا من على منبر شبكة سي أن أن، مطلع الاسبوع، انه لو تمت ادانة مانينغ فانها ستؤدي الى “نهاية مهنة الصحافة الخاصة بشؤون الأمن القومي.”

تجدر الاشارة الى ان كبريات الصحف القومية، نيويورك تايمز وواشنطن بوست من بينها، تنشر تسريبات تتعلق بالأمن القومي بصورة شبه يومية، معظمها يتم بموافقة ضمنية من البيت الابيض، كما هو شائع. ايضا، تعج الصحف اليومية الاميركية باخبار تستند الى التسريبات، وجزء لا بأس به من المعلومات المتوفرة للعامة حول السياسة الخارجية الاميركية هي بفعل تلك التسريبات. تسريب بعض اسرار الدولة قد يهدد هيبتها، لكن الجزء الاكبر منها ليست له تداعيات سلبية تذكر. لو تسنى للدولة اعتبار التسريبات العادية بأنها تستحق عقوبة الاعدام، وهو ما سعت اليه النيابة العسكرية في حال مانينغ، فان مدى ادراك الشعب الاميركي لكل ما تقوم به حكومته حول العالم سيتعرض الى ضربة كبيرة.

تقصدت الحكومة الاميركية اصدار احكام قاسية على مانينغ بغية قطع الطريق على ادوارد سنودن، وآخرين. والثابت ان الاخير غادر الاراضي الاميركية، جزر هاوايي، قبل اطلاع العامة على التسريبات عبر صحيفة الغارديان البريطانية، وليس عبر صحيفة اميركية، مما عقد مساعي الحكومة الاميركية لتطويق ووقف نشر المعلومات.

اصرار الحكومة ايضا على معاقبة مانينغ باقصى ما تستطيع أثّر سلبا على نيتها تسلم سنودن، من اي طرف دولي قد يلجأ اليه، قبل توجهه لروسيا. نظرا لاصرار المدعي العام الاميركي على توجيه تهمة “التعامل مع العدو” لمانينغ ايقن سنودن بانه سيواجه ذات التهمة وربما عقوبة الاعدام. جزء كبير من الدول الاوروبية وغيرها حول العالم ترفض تسليم افرادا متهمين بتهم جنائية يستتبعها تفعيل محتمل لعقوبة الاعدام.

ينبغي ملاحظة الاسلوب الحذر والانتقائي الذي ولجه سنودن في الافراج التدريجي عن محتويات الوثائق التي بحوزته، اذ ان ما وصل لصحيفة الغارديان البريطانية كان يستهدف الافصاح عن برامج محددة وليس افشاء المعلومات بالجملة. كما ان اسلوبه في الاحتفاظ بمزيد من الوثائق لم يكشف محتواها بعد يعزز موقعه في المرحلة المقبلة بالتعامل مع السلطات الاميركية التي تدرك ما قد ستؤول اليه اجراءاتها المتشددة للقبض عليه وافشائه مزيد من المعلومات الحيوية والمحرجة للدولة.

التعريف الجديد لمفهوم الخصوصية الفردية

         الترجمة العملية الراهنة لمفهموم الخصوصية اضفت بعدا جديدا يتجاوز بوعي تأثيرات وسائل التقنية الحديثة وتداعيات تطبيقها، توازي في خطورتها حصر الحكومة المركزية مفهوم بند التعديل الثاني من الدستور الاميركي حول “حق المواطن اقتناء وحمل السلاح” بأنه يقتصر على ما كان متوفرا من اسلحة في ذلك الزمن البعيد. يذكر ان جل الرواية الرسمية لوكالة الأمن القومي استندت الى زعم مواءمة برنامجها التجسسي لنصوص القانون، اذ وفق تفسيرها اعتبرت ان المواطن العادي لا تنطبق عليه الحماية المنصوص عليها في مادة التعديل الرابع للدستور، المذكورة آنفا، حينما يتعلق الأمر بسجلات الاتصالات التي هي ملك لشركات الهاتف وشركات الخدمة الالكترونية الاخرى. كما اعتبرت الوكالة ان اي مواطن غير اميركي خارج البلاد لا تنطبق عليه الحماية المنصوص عليها في الدستور الاميركي؛ وعليه فان ما تقوم به الوكالة من اجراءات تندرج تحت ما يسمح به القانون من حيز.

         الشعب الاميركي يقدس حرياته بالفطرة ولم ينظر بعين العطف على تجاوزات وكالة الأمن القومي، او الحكومة الاميركية واجهزتها بشكل ادق. بل يسخر جزء لا بأس به من زعم الوكالة ان اجراءاتها تراعي القانون لكن الامر غير مبرر.

         في سياق جهود جمع المعلومات الهائل، يبرز برنامج الرعاية الصحية المركزية، المكنى باوباما كير، الذي سيستند الى قاعدة بيانات ضخمة للمواطنين تعرف بـ “مركز البيانات الفيدرالي” يحتوي على ملفات اكثر تفصيلا مما يتوفر لدى وكالة الأمن القومي من معلومات اعترضتها في سياق الاتصالات الالكترونية، وترمي ظاهريا الى توفير التسهيلات المطلوبة ووصول الادارات الحكومية المختلفة اليها بذريعة تطوير مستوى الخدمات الصحية المقدمة. ينبغي ادراك الفرق الهائل بين غرض الطرفين، وكالة الأمن ومركز البيانات الفيدرالي، اذ بينما الطرف الاول يبدو مبررا بحكم طبيعة ونطاق عمله لحماية الأمن، فان الطرف الثاني يفتقد لأي مسوغ او تبرير قانوني للاحتفاظ ببنك معلومات هائل بهذا الحجم والذي سيدار من قبل موظفين عاديين وليس اختصاصيين وتقنيين كفؤين كما هو حال الوكالة. كما ان مؤهلات موظفي الدولة في قطاع الرعاية الصحية متواضعة وربما متدنية في متطلباتها، سيما وانها لا تشترط توفر شهادة التخرج من المرحلة الثانوية، او خلو سجل سلوك الفرد من تهم جنائية او استدعاءات قضائية.

         تطور وتعقيدات الحياة اليومية لم تتوفر حين صياغة الدستور الاميركي بالطبع، والذي لم يأتِ على ذكر او تصور توفر وسائل الاتصال الالكترونية والقدرات الحسابية الهائلة لاجهزة الحاسوب لحفظ ومعالجة كميات هائلة من المعلومات، وهي في تطور مستمر. بيد ان اصرار المؤسسين على صون الحريات كان مغزاه ونصه واضحين: يقارب توفر كتاب خطي بحوزة مصلحة البريد لايصاله للمستلم بانه يعتبر ملكية خاصة بالرغم من خروجه عن نطاق سيطرة المرسل او المستلم. السلطة القضائية لا تزال تدرس نطاق ذلك التعريف واستنباط مغزاه على الواقع المعاش، الا انها لم تستكمل اجراءاتها بعد.

         الشق الآخر المتعلق بمسألة الحقوق والخصوصية هو قدرة وسائل الاعلام على ابلاغ عامة الشعب بتجاوزات محتملة للدولة. عند استحضار تجربة تسريب وثائق البنتاغون، عام 1971، فيما يخص دور السلطة الرابعة نلاحظ بعض الميزات المختلفة الدالة على دور الاعلام في مراقبة اداء الاجهزة الحكومية دون قيود.

         في هذا الصدد، سعت ادارة الرئيس الاسبق نيكسون الى منع صحيفة نيويورك تايمز من نشر الوثائق السرية الخاصة بادارة الحرب على فييتنام؛ واصدرت المحكمة العليا قرارها ضد الحكومة المركزية بنسبة 6 اصوات مقابل 3 للمعارضة.

         وقد علل قاضي المحكمة العليا، هوغو بلاك، قراره التصويت ضد الحكومة بانه يستند الى التفوق المطلق لمادة التعديل الدستوري الاولى، الخاصة بصون حرية التعبير والصحافة، قائلا “رمى الاباء المؤسسون من وراء نصوص مادة التعديل الاولى الى توفير الحماية لحرية الصحافة في سعيها القيام بواجبها الاساسي في نظامنا الديموقراطي. دور الصحافة هو في خدمة المحكومين، وليس الحكام. وتم ابطال قدرة الحكومة على رقابة الصحافة التي ستبقى حرة للابد من سطوة الحكومة. تم توفير الحماية للصحافة كي تقوم باماطة اللثام عن الاسرار الحكومية وابلاغ الجمهور. صحافة حرة حقا وغير مقيدة هي وحدها التي باستطاعتها فضح سبل الخداع الحكومية بفعالية. من بين المهام بالغة الاهمية لصحافة حرة نذكر واجبها للحؤول دون اقدام اي جهاز حكومي على خداع الشعب وارسال ابنائه ليقضي في اراض نائية نتيجة حمى المغامرات والعمليات العسكرية الخارجية .. ان حماية الاسرار العسكرية والديبلوماسية على حساب توفر اجهزة حكومية تتميز باحقية التمثيل وتتجاوب بإعلام الاخرين لا يوفر أمنا حقيقيا .. ان من صاغ نص مادة التعديل الاولى كان على دراية تامة لابعاد كلا مسألتي الحاجة للدفاع عن الدولة الوليدة وتجاوزات الحكومات البريطانية والاستعمارية، وقد سعى لاضفاء ميزات القوة والأمن للمجتمع الوليد عبر توفير الحماية لحرية التعبير والصحافة والمعتقد الديني والتجمهر التي لا ينبغي اختزالها.”

معالم المستقبل

         القضايا التي اثارها كل من سنودن ومانينغ لن تنكفيء مع اصدار الحكم بالنسبة لمانينغ او نيل سنودن صيغة لجوء في دولة اجنبية. بل من المرجح ان المعركة التي اثارتها تلك القضايا سيستمر اوارها سياسيا وفي اروقة القضاء لسنوات عدة مقبلة.

         قبل بضعة ايام صوت مجلس النواب ضد مشروع يمنع وكالة الأمن القومي من ترصد وجمع معلومات عن المواطنين الاميركيين، عبر الضغط على اقرار ميزانيتها. المشروع تقدم به النائب الجمهوري جاستين اماش وسقط في التصويت بفارق حفنة من الاصوات لم تتعدى 12 صوتا، وينبغي الاشارة الى ان المشروع بصيغته الاصلية حظي بدعم لافت من ممثلي الحزبين، الجمهوري والديموقراطي. الضغوط الهائلة التي مارسها الرئيس اوباما واعوانه السياسيين وفي الاجهزة الامنية، برفقة زعامات الحزبين ادت الى تراجع بعض الممثلين عن الاصطفاف الى جانب جمهور ناخبيهم، ادت الى افشال مشروع الحد من سيطرة ونفوذ الاجهزة الأمنية.

         لكن المؤشرات العامة، وخاصة بعد انقضاء فصل الاجازات الصيفية، تدل على عدم استدامة قرار فوز وكالة الأمن، اذ يعزم المناهضون لسطوة الاجهزة الأمنية على اعادة ادراج المسألة على جدول اعمال مجلس النواب في فصل الخريف بالتزامن مع نقاش اقرار ميزانية وكالة الأمن.

         كما لا يجوز اغفال عامل الانتخابات لدى الجمهور الاميركي الذي اوضحت نتائج استطلاعات الرأي، قبل تصويت مجلس النواب، ان نحو 56% من الاميركيين يعتقدون ان وكالة الأمن القومي ستذهب الى ابعد مدى وانتهاك “خصوصياتهم” وحقوقهم بشكل واسع. بالمقابل، تتمنى الحكومة الاميركية ان ينسى الجمهور المسألة قبيل اجراء الانتخابات النصفية في شهر تشرين الثاني / نوفمبر العام القادم. وقد لا يثبت التاريخ بطلان توقعاتها سيما وان وسائل الاعلام المختلفة تصطف بمجملها الى جانب الرواية الرسمية وستقوم بدورها لطمس المسألة.

         بالمقابل، اكثر ما تخشاه الادارة الاميركية وصناع القرار السياسي هو ما لم ينشره بعد ادوارد سنودن من معلومات ووثائق بحوزته، بالترافق مع جهود الكونغرس للتحقيق في الأمر. في التطورات السياسية، يراهن عدد من زعماء الكونغرس، ومن ضمنهم رئيس مجلس النواب جون بينر، على استدرار عواطف الناخبين ليغفر لهم افعالهم. وفي ذات السياق، يتبلور تيار داخل الحزب الجمهوري يتجه الى الليبراليةن والذي قد يصوت لاسقاط بينر من منصبه كرئيس للمجلس عندما يلتئم في شهر كانون الثاني / يناير 2015.

         على الجانب الآخر، باستطاعتنا رصد انشقاقات سياسية واعادة اصطفاف للقوى داخل الحزبين، منها توحيد جهود بعض الليبراليين من الحزب الديموقراطي مع المحافظين في الحزب الجمهوري بغية تمرير التعديل على المشروع، بينما يمضي الاعضاء المحسوبين على التيار المعتدل في كلا الحزبين في سعيهم لافشاله. ان استطاع الجمهور العام الحفاظ على مستوى عدائه لصلاحيات وكالة الأمن القومي، فمن المحتمل ان تفضي نتيجة الانتخابات المقبلة الى سقوط بعض الممثلين المحسوبين على التيار المعتدل في مجلس النواب.

         ما افضى اليه الحراك والجدل الاخير هو باكورة تبلور كتلة جديدة في مجلس النواب تتمسك بنصوص الدستور لصيانة الحريات والخصوصية. وعلى المرء مراقبة ما ستقدم عليه “كتلة الخصوصية” من مبادرات في العام المقبل، وهل ستستطيع التصدي للقرارات الجديدة ام ان تقع ضحية التجاذبات والمشاحنات السياسية المعتادة؛ الزمن هو الفيصل.

سنودن في روسيا

         في احدث التطورات، اقدمت روسيا على منح سنودن حق اللجوء المؤقت على اراضيها مما يسمح له باخلاء قاعة الترانزيت في مطار موسكو والعودة الى الحياة الطبيعية في مجتمع لم يألفه من قبل. من الناحية العملية، القوانين السائدة في روسيا تمنع تسليمها سنودن الى السلطات الاميركية، بصرف النظر عن ادعاء واشنطن بانها ستقدم مذكرة رسمية بهذا الشأن. عودته للولايات المتحدة تتم في حالة موافقته الطوعية على ذلك فقط.

         وتجدر الاشارة الى ان روسيا رفضت رسميا الطلب الاميركي بتسليمه سنودن معللة ذلك بأن “المواطن الاميركي ادوارد سنودن لا يمكن تسليمه للولايات المتحدة، اذ انه لم يعبر الاراضي الروسية، فضلا عن ان الدولتين لا يوجد بينهما اتفاقية متبادلة لتسليم المطلوبين.”

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s