جيوبوليتيك” الغاز والأزمة السورية”

موقع الجمل
2013-07-26
 ترجمة: د. مالك سلمان
"جيوبوليتيك" الغاز والأزمة السورية

دمتري مينين– :
“ستراتيجيك كلتشر فاونديشن”

2013,31أيار/مايو 

في الصورة المناطق الزرقاء: متحالفة مع الولايات المتحدة

5c904e13cf9e266b0fd8ee2f5a6e9e78.portrait (1)

ماذا فعلت واحدة من أكثر البلدان ديمقراطية في الشرق الأوسط, سوريا, لتزعجَ بعض جيرانها في الغرب, أولئك المقاتلين الشرسين من أجل الديمقراطية؟ إن لاعقلانية و لاأخلاقية مقاربات البلدان الغربية للأزمة السورية – حيث يتم اعتبار نفس الأشخاص إرهابيينَ في أوروبا و “مناضلين من أجل الحرية” في سوريا – تتجليان أكثر في ضوء البُعد الاقتصادي للمأساة السورية. هناك أسباب قوية تدفعنا للاعتقاد بأن أوروبا, ومن خلال المساهمة في تدمير جذورها الثقافية والتاريخية في سوريا, تحارب أولاً وآخراً من أجل موارد الطاقة. ويلعب الغاز الطبيعي دوراً خاصاً بصفته الوقود الأساسي في القرن الواحد والعشرين. إن المشاكل الجيو- سياسية المرتبطة بإنتاجه ونقله واستخدامه تحتل المساحة الأكبر على رادار الاستراتيجيات الغربية.
وفي كلمات ف. وليام إنغدال, “الغاز الطبيعي هو المكون القابل للاشتعال الذي يذكي لهيبَ هذا الصراع المجنون على الطاقة في المنطقة.” إذ إن هناك معركة دائرة حول ما إذا كانت خطوط الأنابيب ستتجه نحو أوروبا من الشرق إلى الغرب, من إيران والعراق إلى شاطىء المتوسط في سوريا, أو ستتجه شمالاً من قطر والسعودية عبر سوريا وتركيا. فبعد أن أدرك الغرب أن خط أنابيب “نابوكو” المؤجل, و “الكوريدور الجنوبي” برمته, مدعومة باحتياطي أزربيجان فقط ولا يمكنها أبداً أن تعادلَ المؤونة الروسية المقدمة إلى أوروبا أو تعيق بناء “ساوث ستريم”, فإنه في عجلة من أمره لاستبدالها بموارد من الخليج الفارسي. وتمثل سوريا رابطة رئيسية في هذه السلسلة, وهي تميل باتجاه إيران وروسيا؛ ولذلك تم اتخاذ القرار في العواصم الغربية بتغيير النظام القائم فيها. فالصراع من أجل “الديمقراطية” شعار مزيف يرمي إلى التغطية على أهداف مختلفة تماماً.
ليس من الصعوبة أن نلاحظ أن التمردَ في سوريا أخذ في التوسع قبل سنتين, في الوقت نفسه الذي تم فيه التوقيع على تفاهم في بوشهر في 25 حزيران/يونيو 2011 حول بناء خط أنابيب غاز جديد إيران- العراق- سوريا. سيمتد هذا الخط على طول 1500 كم من أسالويه الواقعة على أضخم حقل غاز في العالم, “نورث دوم”/”ساوث بارز” (تشترك فيه قطر وإيران) إلى دمشق. سيكون طول هذا الخط في الأراضي الإيرانية 225 كم, وفي الأراضي العراقية 500 كم, وفي سوريا 500- 700 كم. وفي مرحلة لاحقة يمكن أن يمتد تحت البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى اليونان. كما يتم التفكير باحتمال تزويد الغاز المسيل إلى أوروبا عن طريق الموانىء السورية المتوسطية. وتصل الاستثمارات في هذا المشروع إلى 10 مليار دولاراً.
كان من المقرر أن يبدأ خط الأنابيب هذا عمله, والمسمى “خط الأنابيب الإسلامي”, في الفترة الواقعة بين 2014 و 2016. وتصل طاقته المتوقعة إلى 110 مليون متر مكعب من الغاز في اليوم (40 مليار متر مكعب سنوياً). سبق أن أعلنت العراق وسوريا ولبنان عن حاجتها للغاز الإيراني (25- 30 مليون متر مكعب في اليوم للعراق, 20- 25 مليون متر مكعب في اليوم لسوريا, و 5- 7 مليون متر مكعب حتى سنة 2020 للبنان). وسوف يتم تزويد بعض الغاز عبر نظام نقل الغاز العربي إلى الأردن. ويعتقد الخبراء أن هذا المشروع يمكن أن يكون بديلاً عن خط أنابيب غاز “نابوكو” الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي (مع طاقة مخططة تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز في السنة), والذي لا يمتلك احتياطيات كافية. تم التخطيط لتسيير خط أنابيب “نابوكو” من العراق, إلى أزربيجان, وتركمنستان, عبر الأراضي التركية. في البداية تم التفكير في إيران كقاعدة توريد, ولكن تم استبعادها من المشروع في وقت لاحق. بعد توقيع مذكرة تفاهم “خط الأنابيب الإسلامي”, صرح رئيس “الشركة الوطنية للغاز الإيراني”, جواد أوجي, أن “ساوث بارز”, الذي يحتوي احتياطيات تبلغ 16 تريليون متر مكعب من الغاز, هو “مصدر موثوق للغاز, وهو الشرط الرئيسي لبناء خط أنابيب والذي لا تملكه ‘نابوكو’.” من السهل أن نلاحظ أن حوالي 20 مليار متر مكعب في السنة ستبقى من هذا الخط لأوروبا, والتي ستتمكن من التنافس مع غاز “نابوكو” البالغ 30 ملياراً, ولكن ليس مع كمية 63 مليار من “ساوث ستريم”.
إن خط أنابيب غاز يمتد من إيران سيكون مربحاً جداً لسوريا. كما أن أوروبا ستفيد منه أيضاً, ولكن من الواضح أن أحداً ما في الغرب لم يعجبه ذلك. كما أن حلفاء الغرب الذين يزودون الغاز في الخليج الفارسي لم يحبوا ذلك أيضاً, بالإضافة إلى تركيا التي كانت ستصبح الناقل رقم واحد للغاز, حيث أنها ستخرج – في تلك الحالة – من اللعبة. إن “التحالف الشيطاني” الجديد الذي تشكل بين هذه الأطراف أعلن – بلا أي خجل – أن هدفه هو “حماية القيَم الديمقراطية” في الشرق الأوسط, مع أن المنطق يقول إن الولايات المتحدة وحلفاءَها يجب أن يبدؤوا بشركائهم في الائتلاف المناوىء لسوريا من بين الأنظمة الملكية في الخليج الفارسي, والذين لا يعرفون معنى “القيَم الديمقراطية”.
تنظر البلدان السنية أيضاً إلى “خط الأنابيب الإسلامي” من وجهة نظر التباينات الطائفية, حيث تعتبره “خط أنابيب شيعياً يمتد من إيران الشيعية عبر أراضي العراق ذات الأكثرية الشيعية وصولاً إلى أراضي الأسد العلوي المتحالف مع الشيعة”. وكما يقول الباحث الشهير في قضايا الطاقة ف. وليم إنغدال, فإن هذه الدراما الجيو- سياسية تتعقد أكثر لأن حقل “ساوث بارز” يقع في الخليج الفارسي مباشرة على الحدود بين إيران الشيعية وقطر السنية. لكن قطر الصغيرة, والتي لا تستطيع أن تجاري إيران في قوتها, تستغل جيداً ارتباطاتها بالوجود العسكري للولايات المتحدة والناتو في الخليج الفارسي. إذ تستقبل قطر على أراضيها عقدة قيادية ﻠ “القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية” التابعة للبنتاغون, ومقرَ “القيادة العليا للقوى الجوية الأمريكية”, و “المجموعة الجوية رقم 83” التابعة ﻠ “القوات الجوية البريطانية”, و “الجناح الجوي رقم 379” للقوات الجوية الأمريكية. وتبعاً لإنغدال, لدى قطر مخططات أخرى بخصوص حصتها في حقل غاز “ساوث بارز”, وهي ليست متحمسة للتعاون مع إيران وسوريا والعراق. فهي ليست مهتمة على الإطلاق بنجاح خط أنابيب إيران- العراق- سوريا, الذي سيكون مستقلاً تماماً عن خطوط الترانزيت القطرية والتركية المؤدية إلى أوروبا. وفي الحقيقة, تفعل قطر كل ما في وسعها لإجهاض بناء خط الأنابيب هذا, بما في ذلك تسليح مقاتلي “المعارضة” في سوريا الذين أتى الكثير منهم من السعودية وباكستان وليبيا.
مما زاد في تصميم قطر اكتشاف شركات التنقيب الجيولوجية السورية في سنة 2011 لمنطقة إنتاج الغاز الضخمة السورية بالقرب من الحدود اللبنانية, على مقربة من ميناء طرطوس المتوسطي الذي تستأجره روسيا, واكتشاف حقل غاز كبير بالقرب من حمص. وتبعاً لتقديرات أولية, يجب أن تزيد هذه الاكتشافات من احتياطيات الغاز في البلاد, التي بلغت سابقاً 284 مليار متر مكعب. ولذلك فإن حقيقة إمكانية تصدير الغاز السوري أو الإيراني إلى الاتحاد الأوروبي عبر ميناء طرطوس, المرتبط بروسيا, لا تسر قطر ولا أسيادها الغربيين.
نشرت صحيفة “الأخبار” العربية معلومات تفيد بوجود خطة وافقت عليها الحكومة الأمريكية لبناء خط أنابيب جديد لنقل الغاز من قطر إلى أوروبا عبر تركيا وإسرائيل. ليس هناك ذكر لطاقة هذا الخط, ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار موارد الخليج الفارسي ومنطقة شرق المتوسط, يمكن أن تتجاوز طاقة “خط الأنابيب الإسلامي” و “نابوكو” معاً, مما يشكل تحدياً مباشراً لخط “ساوث ستريم” الروسي. المطور الرئيسي لهذا المشروع هو فريدريك هوف, “المسؤول عن القضايا المتعلقة بالغاز في الشرق الأدنى” والعضو في “لجنة الأزمة السورية” الأمريكية. ينطلق هذا الخط الجديد من قطر, ليعبرَ الأراضي السعودية, ويمرَ في الأراضي الأردنية, محايداً الأراضي العراقية, ليصلَ إلى سوريا. يتفرع هذا الخط, بالقرب من حمص, في ثلاثة اتجاهات: إلى اللاذقية, وطرابلس في شمال لبنان, وتركيا. وتشكل حمص, حيث توجد احتياطيات هيدروكربونية, “مفترق الطرق الرئيسي للمشروع”, فليس من المدهش إذاً أن المعارك الأكثر شراسة تحصل بالقرب من هذه المدينة و “مفتاحها” القصير. هنا يتحدَد مصير سوريا. أما الأجزاء الأخرى من الأراضي السورية حيث ينشط المتمردون بدعم من الولايات المتحدة وقطر وتركيا – أي الشمال وحمص ومحيط دمشق – فتقع على الخط الذي سيمر فيه خط الأنابيب إلى تركيا وطرابلس/لبنان. إن مقارنة بين خارطة النزاع المسلح وخارطة مسار خط الأنابيب القطري تشير إلى رابط بين النشاط المسلح والرغبة في السيطرة على هذه الأراضي السورية. يحاول حلفاء قطر تحقيق ثلاثة أهداف: “كسر الاحتكار الروسي للغاز في أوروبا؛ وتحرير تركيا من اعتمادها على الغاز الإيراني؛ ومنح إسرائيل الفرصة لتصدير غازها إلى أوروبا عن طريق البر بكلفة منخفضة.” وكما أشار محلل “إيشا تايمز” بيبي إسكوبار, يبدو أن أمير قطر قد عقدَ صفقة مع “الإخوان الإسلامويين” يدعم بموجبها توسعَهم العالمي مقابل معاهدة سلام مع قطر. ومن شأن نظام إخواني في الأردن وسوريا, مدعوم من قطر, أن يغيرَ على الفور سوق الغاز العالمي الجيو- سياسي كله – لمصلحة قطر, وضد مصالح روسيا وسوريا وإيران والعراق. كما سيشكل ضربة ساحقة  للصين.
إن الحربَ على سوريا تهدف إلى دعم هذا المشروع, كما تهدف إلى تقويض الاتفاق بين طهران وبغداد ودمشق. وقد تم إيقاف تنفيذه عدة مرات بسبب الأعمال العسكرية, لكن العراق أعلنت في شهر شباط/فبراير 2013 عن استعدادها لتوقيع اتفاقية أطرية تمكن من بناء خط الأنابيب. ومن الجدير بالملاحظة أنه بعد ذلك, قامت أعداد متزايدة من المجموعات العراقية الشيعية الجديدة بدعم الأسد؛ وكما اعترفت صحيفة “واشنطن بوست” فإن هؤلاء “لا تنقصهم الخبرات القتالية” التي اكتسبوها من خلال مواجهة القوات الأمريكية في بلادهم. وبالإضافة إلى مقاتلي حزب الله, يشكل هؤلاء قوة ضاربة لا يُستهان بها. إن المصالح الكامنة خلف “لعبة الإقصاء” التي بدأها الغرب في سوريا حول خط أنابيب الغاز مستمرة في التنامي. من المحتمل أن إنهاءَ الحظر الأوروبي على تزويد المعارضة السورية بالأسلحة – والذي كانت معظم دول الاتحاد ضده, تبعاً ﻠ “بي بي سي” (أين أنت أيتها الديمقراطية؟) – لن يتمكن من مساعدة المتمردين.
أما بالنسبة إلى الحضارة والعدالة, عندما تتعلق الأمور بالربح فإن المشاعر لا تهم. المهم في الأمر هو ألا تلعبَ الورقة الخاطئة في هذه اللعبة الظالمة التي تفوح منها رائحة الدم والغاز.

http://www.strategic-culture.org/news/2013/05/31/the-geopolitics-of-gas-…

تُرجم عن “ستراتيجيك كلتشر فاونديشن”, 31 أيار/مايو 2013

الجمل

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s