هل يتجدد إحياء معسكر الاعتدال العربي؟

جريدة السفير اللبنانية

http://www.assafir.com/

16/07/2013 العدد: 12530

5d28092d6f79109cedad5c4b957038a3.portrait

فهمي هويدي
القرائن التي لاحت في الأفق السياسي خلال الأيام الأخيرة تستدعي السؤال التالي: هل مصر بصدد العودة إلى دورها في معسكر الاعتدال العربي؟(1)

لعلي لست بحاجة لأن أنوه إلى أن المعسكر المذكور ليس حسن السمعة السياسية، لأنه ببساطة يضم الدول الموالية أو الداخلة في الفلك الأميركي والإسرائيلي، وتلك المعادية للمقاومة الفلسطينية والمتساهلة في مسألة الاستقلال الوطني والمخاصمة لإيران والمستهجنة لفكرة وحدة الأمة العربية.
وأرجو أن تكون قد لاحظت أنني أتساءل ولا أقرر، حيث لا أريد أن أقول إن عودة الدور المصري في إطار ذلك المحور حاصلة حتماً، وإنما فقط أطرحها باعتبارها احتمالا بات وارداً. كما أنني لا أريد أن يفهم أن مصر في عهد الدكتور محمد مرسي خرجت من المعسكر المذكور، لأنني أزعم أنها ظلت في إطاره ولم تغادره.
ولعل البعض يذكر أنني كتبت أثناء حكم الدكتور مرسي منوهاً إلى أن السياسة الخارجية لمصر لا يزال يديرها الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث لم يتغير فيها شيء جوهري، على الأقل في ما خص التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، إذ أن الأداء في مواجهة هذين البلدين ظل كما كان عليه قبل الثورة، حتى الموقف إزاء قطاع غزة ظل في جوهره كما هو، وإن طرأت عليه تحسينات بسيطة أدت إلى كسر الحصار السياسي إلى حد ما، إلا أن معبر رفح لا يزال عنصر ضغط على الفلسطينيين. كما أن الأنفاق التي تعد شريان الحياة الاقتصادية للقطاع ظلت تدمر أولاً بأول. وفي الوقت ذاته فإن الاتصالات الأمنية بين الطرفين المصري والإسرائيلي ظلت على حالها.
صحيح أن الدكتور مرسي حاول تغيير الصورة التقليدية والموروثة للسياسة الخارجية من خلال الاهتمام بأفريقيا وزيارة الصين وروسيا والبرازيل والهند، كما فتح خطاً للتواصل مع إيران، إلا أن تلك المحاولات لم تحدث تغييراً ملموساً في سياسة مصر الخارجية. وإنما كان فيها من توجيه الإشارات والتعبير عن النيات أكثر مما فيها من التعبير عن استلهام روح الثورة المصرية ومقاصدها.
بوسع أي أحد أن يقول إن الدكتور مرسي أمضى سنة واحدة في منصبه، وهي فترة قصيرة ومحدودة نسبياً، وأنه كان يركز على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الداخل، الأمر الذي لم يعطه فرصة كافية للاهتمام بالخارج. وقد يبرر آخرون موقفه بأنه كان مكبلا بارتباطات وتعهدات نظامي مبارك والسادات التي قدمها للأميركيين والإسرائيليين، الأمر الذي قيده وأضعف حركته. ولا أستبعد أن يضيف البعض إلى ما سبق أن حسابات الدكتور مرسي كانت خاطئة. كل ذلك وارد، ولكنه يوصلنا إلى النتيجة ذاتها التي ذكرتها، وهي أن مصر في عهده لم تغادر مربع الاعتدال. وكل ما فعله أنه جمَّد ذلك الدور ولم يقم بتنشيطه. يؤيد ذلك أن إسرائيل لم تكن سعيدة به بسبب موقفه من «حماس» وقطاع غزة وبعض تحركاته الأخرى. لكنها لم تكن منزعجة أيضاً. حتى أن صحيفة هاآرتس نشرت في اليوم التالي لعزله (يوم 4/7) تحليلاً ذكر أن إسرائيل ستذكر له أربع إيجابيات هي: التزامه بمعاهدة كامب ديفيد ـ إسهامه في التوصل إلى اتفاق لتجنيب إسرائيل صواريخ «حماس» ـ هدم الأنفاق ـ انخراطه في الاصطفاف إلى جانب السنة في مواجهة الشيعة.

(2)

يوم السبت الماضي 13/7 نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية تقريراً كان عنوانه: «الدولة العميقة تعود إلى مصر مرة أخرى». تضمن التقرير الذي لم يكذبه أحد تفاصيل كثيرة حول اجتماعات عقدها ممثلون عن «جبهة الإنقاذ» وشخصيات أخرى معارضة مع بعض العسكريين، وحول دور رجال النظام السابق في دعم حركة «تمرد» ومساندة الدعوة إلى الخروج إلى الشوارع في مظاهرة «30 يونيو». وأعطى التقرير انطباعاً مفاده أن حملة عزل الرئيس مرسي جمعت بين رموز المعارضة وبعض الجنرالات وممثلين عن حركة «تمرد» إضافة إلى عناصر مثلت «الحزب الوطني».
من المعلومات التي أوردها التقرير أن اجتماعات رموز المعارضة مع الجنرالات ظلت منتظمة قبل عدة أشهر، وكانت تتم في نادي ضباط البحرية بالقاهرة.. وأن الجنرالات أبلغوهم بأن المعارضة إذا استطاعت تأمين عدد كاف من المتظاهرين في الشوارع فإن الجيش سيتدخل لعزل الدكتور مرسي بشكل قسري.
من تلك المعلومات أيضاً، أن أحد محامي أحمد عز، رجل جمال مبارك السابق والقيادي في «الحزب الوطني» حضر بعض تلك الاجتماعات. منها كذلك أن نائباً سابقاً عن «الحزب الوطني» في محافظة الشرقية هو الذي كان أهم الداعمين لحملة «تمرد» في مدينة الزقازيق.
أحذر من استسهال التعميم، لأن في مقدمة الذين خرجوا معارضين للدكتور مرسي يوم «30 يونيو» أناس وطنيون كانوا خائفين على الثورة أو خائفين من «الإخوان»، لكن الذي لا شك فيه أيضاً أن المشهد كله لم يكن بريئاً لأن الأطراف التي تحدثت عنها الصحيفة الأميركية، خصوصاً أركان النظام القديم وأعوانه وجدتها فرصة لتصفية حسابها مع الثورة ومع «الإخوان».
بموازاة ذلك يثير انتباهنا أن الدول الخليجية المنخرطة في معسكر الاعتدال، والتي كانت حليفة لمبارك ونظامه، سارعت إلى مد جسورها مع النظام الجديد. بعد ساعات قليلة من إعلان عزل الدكتور مرسي. في حين أن تلك الدول عمدت إلى مقاطعة القاهرة بعد ثورة «25 يناير» وتحولت تلك المقاطعة إلى موقف معلن بعد انتخاب الدكتور مرسي. وأذكر أن أحد حكام تلك الدول بعث برسالة إليه بعد انتخابه طالبه فيها بوضع حد للمليونات التي تكرر احتشادها آنذاك في ميدان التحرير، وقال إنها تشجع الناس في بلاده على الخروج بدورهم إلى الشوارع ورفع أصوات الاحتجاج والغضب ضد نظامه.
لقد تقاطرت تلك الوفود على القاهرة بعد عزل الدكتور مرسي، معبرة عن تأييد النظام الجديد ودعمه. وخلال أيام قليلة قدمت إلى مصر نحو 12 مليار دولار، على الأقل في التصريحات التي صدرت.
تحضرني في هذا السياق قصة سمعتها قبل ثلاثة أشهر من أحد المسؤولين في رئاسة الجمهورية، خلاصتها أن السيدة آن باترسون السفيرة الأميركية نقلت ذات مرة إلى الرئيس المصري رسالة تضمنت طلبات معينة موجهة من واشنطن، وهي تنقلها ذكرت أن من شأن الاستجابة لتلك الطلبات أن تشجع الدول الخليجية على توجيه بعض استثماراتها إلى مصر لحل أزمتها الاقتصادية، وكانت العبارة التي قيلت في هذا الصدد إن «مفاتيح خزائن الدول الخليجية بيد واشنطن».

(3)

كل ما سبق في كفة، والحفاوة والتهليل لما جرى في مصرالذي عبرت عنه إسرائيل في كفة أخرى. ذلك انني حين تتبعت أصداء الحدث هناك وقعت على ما يلي:
÷ في يوم 6/7 ذكرت الإذاعة العبرية أن رئيس الوزراء نتنياهو اقترح على الأميركيين تنفيذ خطة «مارشال» اقتصادية جديدة لدعم العسكر في مصر، ولمنع تحقيق أية سياقات يمكن أن تعيد الإسلاميين إلى الحكم.
÷ في 9/7 ذكرت صحيفة «هاآرتس» على موقعها الالكتروني نقلا عن موظف كبير في الإدارة الأميركية أن الحكومة الإسرائيلية توجهت من خلال عدة قنوات لمسؤولين كبار في الإدارة الأميركية طالبة عدم المساس بالمعونات الأميركية للجيش المصري التي تقدر بـ1,3 مليار دولار، لما قد يحمله ذلك من تداعيات على أمن إسرائيل.
÷ في اليوم ذاته (9/7) نشرت صحيفة إسرائيل اليوم مقالة للمفكر البارز بوعاز بسموت قال فيها: إن إسقاط الدكتور مرسي يمثل نهاية للربيع العربي، وذلك يمثل تحولاً استراتيجياً يفوق في أهميته هزيمة مصر ونكستها في العام 1967.
÷ في 7/4 نشر مركز بيغين ـ السادات للدراسات الاستراتيجية ورقة بحثية على موقعه الالكتروني للبروفيسور هليل فريتش توصل فيها إلى خلاصة صاغها على النحو التالي: ما شهدته مصر بمثابة زلزال كبير. فقد عادت أرض النيل لديكتاتورية عسكرية على غرار ديكتاتورية مبارك، وانتهى الفصل الأخير من الثورة المصرية.
÷ في 11/7 نشرت صحيفة «هاآرتس» مقالة للمفكر الإسرائيلي ارييه شافيت قال فيها إن الأمر محسوم في إسرائيل فـ«كلنا مع السيسي، كلنا مع الانقلاب العسكري، كلنا مع الجنرالات حليقي اللحى، الذين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، ونحن نؤيد حقهم في إنهاء حكم زعيم منتخب وملتح».

(4)

إضافة إلى ما سبق فإن كبار خبراء مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي قدموا مجموعة من التوصيات إلى حكومتهم بشأن ما يجب أن تفعله لدعم الانقلاب.
توصيات أولئك الخبراء أوردها المركز المذكور على موقعه في 11/7، ومن أهمها ما يلي:
1 ـ تعزيز التعاون مع الجيش المصري ومواصلة السماح له بدفع المزيد من القوات في سيناء، وذلك لكي يتمكن من العمل ضد البؤر الجهادية ولكي يتصدى لعمليات تهريب السلاح إلى قطاع غزة.
2 ـ يجب على إسرائيل أن تواصل تعزيز علاقتها وتنسيقها من قيادة الجيش المصري.
3 ـ إسرائيل مطالبة ببذل جهود كبيرة من أجل ضمان تواصل الدعم الدولي لقادة العسكر في مصر، وعليها تشجيع المستثمرين الأجانب على تدشين مشاريع البنى التحتية في مصر من أجل توفير فرص العمل، على اعتبار أن تدهور الأوضاع الاقتصادية يمكن أن يهدد حكمهم.
4 ـ يجب تشجيع القوى العربية الإقليمية في الخليج والأردن التي عارضت حكم «الإخوان» على مواصلة تقديم المساعدات لمصر لضمان نجاح الحكم الجديد.
لا أريد أن نتعجل في الحكم على الوضع المستجد، لكن الخلفيات التي مررنا بها تسوّغ لنا أن نقلق على المستقبل، وأن نتساءل بصوت عالٍ: إلى أين نحن ذاهبون بثورة «25 يناير»؟

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s