الحقيقة الكاملة للسدود الإثيوبية وخطرها على مصر

صحيفة الراكوبة السودانية

http://www.alrakoba.net/

07-13-2013

 

3f6e2f3b06599e8f0df5bc757061804c.portrait.jpg

خبير مصري يكتب
 

د . نادر نور الدين محمد*

تعجبنا كثيراً من تطور سعة بحيرة السد الإثيوبي المقترح بناؤه على النيل الأزرق بالقرب من الحدود مع السودان بنحو 5 كلم فقط، من 14 مليار متر مكعب قبل الثورة، ووصولها إلى سعة 74 ملياراً بما لا يتناسب مع سدود توليد الكهرباء التي عادة ما تكون أقل من 14 مليار متر مكعب من المياه، بل أصبح الأمر واضحاً أن الغرض منه السيطرة على مصر . الشركة الإيطالية المكلفة بناء هذا السد الضخم لم تقدم إلا دراسات أولية فقط عن تصميماته وتداعياته وخطورته . التغلغل إلى داخل الشركة الإيطالية التي ستتولى مهام إنشاء السد بطريقة تسليم المفتاح أوضح أنه لأول مرة يتم تكليفها بناء السد من دون أي مواصفات سوى كلمتين فقط، من رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل زيناوي، وهما “أريد سداً كبيراً وضخماً” (Great and Huge)، فالأمر هنا واضح وجلي، سد كبير وضخم يسيطر على مقدرات الأمور في مصر والسودان ويجعلهما يأتمران بأوامر إثيوبيا .

ما تبين لنا من ملخص تقرير اللجنة الدولية للفحص الفني للسد وأضراره وعرض من رئاسة مجلس الوزراء، أوضح أن السد سوف يبنى أولاً، ثم تجرى الدراسات الخاصة به بعد ذلك! كما أن التقرير الذي تيسر لنا الاطلاع على أجزائه يشير إلى أنه ليس سداً واحداً، بل هو سلسلة من السدود، وهو ما حاولت للأسف الإدارة المصرية السابقة إخفاءه عن الشعب المصري . الأمر ببساطة أن السد يقع في آخر جزء من الأراضي الإثيوبية، وعلى بعد 5 كلم فقط من الحدود السودانية، بما يعني أنه سيرد إليه جميع الطمي المحمول من مجرى منبع النيل الأزرق في بحيرة تانا وجميع روافد النهر ومناطق الهطول الغزيرة على الترب وجرفها، بما يقدر حجمه بنحو 240 مليون كيلو متراً مكعباً سنوياً، وسيتسبب في امتلاء بحيرة السد المقترح تماماً بهذا الطمي في فترة تتراوح بين 50 و70 سنة فقط، وبالتالي فإن الشركة أوضحت أنها لا بد أن تبني ثلاثة سدود أخرى على النيل الأزرق لتخفيف عملية الطمي على السد الحدودي الضخم بمجموع المياه المحتجزة خلف هذه السدود إلى نحو 200 مليار متر مكعب، ولتذهب مصر والسودان إلى جحيم الموت عطشاً فداء لرفاهية إثيوبيا، أو كما قالت الصحف العالمية: “إن إثيوبيا ستبني نهضتها على جثث المصريين” .

الأمر الغريب أنه حتى هذا السد الحدودي هو ليس سداً واحداً، بل سدان منفصلان، والغريب أيضاً أن السد الأصلي يحجز خلفه 14 ملياراً فقط من الأمتار المكعبة من المياه، وهو ما كان يمكن لمصر أن توافق عليه، ولكن الجشع الإثيوبي وبالتخطيط “الإسرائيلي” توصل إلى أهمية زيادة ارتفاع هذا السد ليحجز المزيد من المياه، فوجدوا أن هناك جبلين قريبين من هذا السد بينهما مسافة يمكن أن تتسبب في هروب المياه من خلالها عبر مسار بديل لتعود إلى النيل الأزرق مرة أخرى إذا ما تم تعلية السد الأصلي، وبالتالي توصلوا إلى أن بناء سد مكمل،Saddle Dam بين هذين الجبلين يوقف هذا المسار، ويستطيع أن يحجز خلفه نحو 60 ملياراً من الأمتار المكعبة من المياه، وبذلك نجد لأول مرة في تاريخ السدود في العالم يكون السد الفرعي أكبر بأربعة أضعاف حجم وسعة السد الأصلي، بما يوضح أن الهدف هو السيطرة على مقدرات الأمور في مصر، وليس توليد الكهرباء ولا تخزين المياه فقط .

الشيء الغريب للغاية في التصميم العجيب لهذا السد المزدوج هو أن سده الأول موجود بين جبلين من المفترض أن يستند إليهما ليدعماه إنشائياً، وهو ما يسمى في العلوم الإنشائية الهندسية “بالأكتاف”، ولكن الأبحاث الجيولوجية أثبتت أن الجبلين يتكونان من صخور متحللة وسريعة التجوية، وتتأثر بشدة بالعوامل الجوية، وبالتالي فبدلاً من أن يستند إليهما السد لتدعمه “ككتفين”، أصبحا هما اللذان يحملان ويلقيان ثقلهما على السد ثم يلقي السد بثقله على التوربينات التي أمامه، وهذا خطأ مزدوج يعجل بانهيار هذا السد وضعفه (أي أن الجبلين يُحملان على السد ثم يُحمل السد على التوربينات)، ربما لأن الخالق جعلهما بهذا التكوين حماية لمصر من مثل هذه المكائد، ولكن الكبر والتصميم على بنائه وسط قلة اعتناء من مصر سيؤدي إلى نتائج وخيمة على السودان ومصر . هذا يطرح احتمالات انهيار السد، وهي عالية للغاية، حتى إن بعض التقديرات أشارت إلى أن احتمالات انهياره خلال العشرين سنة الأولى من إنشائه تصل إلى 95% وأن معامل أمانه الذي قدره الأمريكان منخفض للغاية، ولا يتجاوز 5 .1 درجة لكونه سداً أسمنتياً وليس ركامياً، مقارنة بمعامل أمان السد العالي في مصر الذي يصل إلى 8 درجات لكونه سداً ركامياً، وأيضاً لكون السد الإثيوبي مبنياً على منحدر وعر للغاية، كما يوضح الشكل المرفق .

في حال انهيار هذا السد وطبقاً لنظام المحاكاة الذي أجريناه مع الزملاء في قسم الهيدروليكا بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، فإن انهياره وتدفق 74 ملياراً من الأمتار المكعبة من المياه في التوقيت نفسه يعني غرق مدينة الخرطوم تماماً واختفائها من الوجود وغمرها بالمياه بارتفاع تسعة أمتار، والبعض الآخر يرى مضاعفة هذا الرقم، ثم غرق جميع المدن التي تقع شمالها حتى الحدود مع مصر . وعند وصول المياه إلى بحيرة ناصر وتأثيرها عليه فقد أشار نظام المحاكاة وبرنامج الكمبيوتر إلى أنه في حال كون بحيرة ناصر قليلة المياه، كما في أعوام السبع سنوات العجاف، فإن السد العالي قد لا ينهار وتمتلئ البحيرة بالمياه القادمة ثم تعبر من فوق السد (لأنها ستفوق قدرات مفيض توشكي)، لتضخ في مياه النهر أربعة أضعاف سعته المائية المقدرة بنحو 260 مليون متر مكعب يومياً كحد أقصى، ولكنه سيمر الآن نحو مليار متر مكعب يومياً بما يعمل على انهيار جميع الإنشاءات المقامة على السد من قناطر وأهوسة وهدارات وكباري، ويتم تدمير جميع المباني على ضفتي النهر، أما إذا انهار السد وجاء انهيار السد الإثيوبي وقت امتلاء البحيرة بمخزون المياه في السنوات السبع، فإن احتمالات انهيار السد العالي ستكون عالية للغاية، ووقتها قد تغرق مصر بالكامل وحتى محافظة بني سويف، وربما إلى مشارف محافظة الجيزة .

الشيء الآخر والمهم الذي يعلمه علماء البيئة والزراعة أن بحيرة بمثل هذا الحجم خلف السد ستجعلها هي المصب الرسمي لمياه النهر وليس البحر المتوسط، حيث ستعمل السعة الكبيرة للبحيرة والمياه الراكدة غير المتحركة بها إلى اصطدام المياه السريعة القادمة من انحدار كبير لمسار النهر شديد الانحدار بمسطح مائي راكد يمتص سرعتها ويرسب ما بها من طمي بسبب الدوامات المتولدة من ارتطام الماء السريع بالمياه الراكدة، مسبباً تراكم الكميات الهائلة من الطمي والمواد العضوية القادمة المنجرفة من الزراعات والغابات والترب إلى نشاط هائل للبكتيريا التي تحلل هذه الرواسب وتستنزف كل الأوكسجين الذائب في المياه ويموت كل السمك النيلي، ويستمر هذا الأثر لعدة سنوات مقبلة حتى تتغير البيئة النهرية ويعود الأوكسجين إلى المياه العذبة مرة أخرى .

الشيء المذهل في تصميم هذا السد شديد الخطورة ضد مصر، أنه لا يحتوي على أي مسار بديل يسمح لمياه النهر بالتدفق عبر النيل الأزرق إلى السودان ومصر إلا بعد أن تمتلئ البحيرة بأقصى سعة لها، والمقدرة بأربعة وسبعين مليارا من الأمتار المكعبة، وبالتالي فإن من يزعمون أنه يمكن أن تقوم إثيوبيا بملء البحيرة على سنوات عدة، أو أنها تسمح بمرور الفيضان لم يطّلعوا على تفاصيل إقامة السد، حيث لا يوجد أي مسار بديل للمياه إلا من خلال الجبل الملاصق لجسم السد الأول وبمستوى أعلى من مستوى جسم السد نفسه، وبالتالي فإنه وفور الانتهاء من بناء السد فلا بد أن تمتلئ البحيرة بالمياه أولاً قبل أن تتدفق منها إلى مصر والسودان، ولا توجد أي وسيلة لصرف المياه من السد قبل ذلك بما يعكس أن مصر قد تظل لعامين متتالين على الأقل من دون وصول نقطة مياه واحدة إليها حتى تمتلئ البحيرة .

وإذا ما أضفنا إلى ذلك السدود التي ستبنى حتماً للتقليل من كمية الإطماء التي تهدد هذا السد الحدودي، فإن الأمر يكشف حجم المخاطر الهائلة ضد مصر التي لا يتفهمها السادة القائمون على حكم مصر حتى الآن . يضاف إلى ذلك عدم وجود أي فتحات بالسد لتصريف المياه في حال تعطل توربينات توليد الكهرباء أو بسبب هبوب عاصفة شديدة بالمنطقة تؤدي إلى انهيار خطوط وأسلاك الضغط العالي التي تنقل الكهرباء المولدة من توربينات السد بما يُضطر معه إلى إيقاف التوربينات تجنباً لحدوث حرائق، وهذا الأمر من العيوب الجسيمة في تصميم السد الذي يعني أنه يمكن أن تستمر السودان ومصر من دون مياه لشهر أو لشهور عديدة حتى يتم إصلاح التوربينات أو خطوط الضغط العالي، وهو أمر شديد الخطورة، حيث تستغرق رحلة المياه من أسوان إلى محافظات الدلتا نحو 17 يوماً أخرى بعد وصول المياه إليها بما يضاعف من تداعيات نقص المياه على المزارعين .

هناك أمر آخر شديد الأهمية يعكس حجم الأكاذيب التي يروجها الجانب الإثيوبي ويعلم بها العلماء المصريون، ولكنهم يُمنعون أو لا يجدون الوسيلة الكافية لفضحها . هذا الأمر هو أن المنطقة التي يبنى فيها هذا السد المسمى “النهضة” تقع في أعلى مناطق القارة الإفريقية احتراراً وحرارتها تفوق حرارة دول الخليج صيفاً وبشكل دائم طوال العام، وهي تبعد نحو 700 كلم عن العاصمة أديس أبابا، وبالتالي تفوق نسبة البخر فيها وبمراحل نسبة البخر في مياه بحيرة ناصر في أسوان، ولكن الإثيوبيين يروجون كذباً لدول النيل بأن نسبة البخر في إثيوبيا لا تزيد على 3% فقط وهذا صحيح فقط في المناطق المرتفعة في أعالي جبال وهضاب إثيوبيا التي تتجاوز 700 متر ارتفاعاً عن موقع بناء هذا السد الحدودي، وبالتالي فإن نسبة البخر المحسوبة في بحيرة سد النهضة ستتراوح بين 12 و15% مقارنة بنسبة بخر لا تتجاوز 10% في سد ناصر بمصر، وهذا يعني تبخر نحو عشرة مليارات من الأمتار المكعبة سنوياً من بحيرة هذا السد، بما يعني أن سعته بعد حساب البخر ستصل إلى 84 ملياراً وليس 74 ملياراً من الأمتار المكعبة من المياه .

يأتي بعد ذلك الطبقات الصخرية المقام عليها السد، وكذا الذي سيمتد فوقها هذا الحجم الهائل من المياه والثقل الناتج من كل من وزن السد أو ثقل المياه (على الرغم من سعة بحيرة ناصر خلف السد العالي في مصر تصل إلى 162 مليار متر مكعب من المياه، إلا أن ثقلها موزع على طول 500 كلم في مصر والسودان، بينما حجم بحيرة سد النهضة 74 مليار متر مكعب فقط، ولكنه يوزع على طول أقل من 30 كلم طولي بما يوضح الفرق الكبير في توزيع ثقل مياه البحيرة على الصخور في سد النهضة) التي ثبت أنها من الصخور البركانية للجرانيت والغني في العديد من المعادن سريعة التحلل مثل الفلسبارات التي سرعان ما يتحلل جزء كبير من هذا الصخر إلى ما يشبه البودرة أو فتات الطمي مؤثراً في قدرة التحمل، ومسربة جزءاً كبيراً من المياه إلى أسفل . فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما توصلت إليه لجنة الفحص الجيولوجي للموقع من وجود شروخ وفوالق وتصدعات هائلة في القشرة الأرضية لمنطقة بحيرة السد تؤدي إلى تسرب المياه بالرشح العميق إلى أسفل بما يقدر بنحو 25% من حجم المياه في البحيرة، بما يصل بحجمها الفعلي بعد إضافة البخر إلى نحو 110 مليارات متر مكعب، كما يعمل ثقل المياه والكم الهائل للخرسانة المستخدمة في بناء السد المزدوج إلى إحداث ثقل كبير فوق صخور متحللة وضعيفة التحمل، وبما يمكن أن يسبب أنشطة زلزالية كبيرة في المنطقة قد تطيح بالسدين معاً، وتغرق السودان ومصر، إضافة إلى أن هذا التسرب للمياه بالرشح العميق إلى أسفل مع وجود انحدار طبيعي في اتجاه السودان يعني أن الرشح والتسرب الكبير للمياه لن يكون رأسياً، بل سيتدفق مع اتجاه الانحدار إلى السودان فيمر من تحت جسم السد الرئيس، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 145 متراً، بما سيؤدي إلى خلخلة أساسات السد بسبب المياه الغزيرة التي تعبر من تحته مذيبة ومجرفة للتربة التي يرتكز عليها جسم السد، بما سيزيد من احتمالات انهيار السد ونقص كفاءة توليد الكهرباء .

يضاف إلى كل العيوب السابقة سواء كانت إنشائية أو حجماً كبيراً من المياه المحتجزة التي لا تحتاج إليها سدود توليد الكهرباء إلى حدوث نقص في توليد الكهرباء من السد العالي في مصر بنحو 40%، إضافة إلى حرمان مصر من مياه الفيضان التي ستستأثر بها إثيوبيا وحدها من خلال السدود الأربعة بحجم 200 مليار متر مكعب من النيل الأزرق الذي لا يزيد تصرفه على 48 مليار متر مكعب/سنة، وبالتالي ستصل إلى مصر والسودان حصتاهما المنقوصة من مياه النيل على مدى 365 يوماً في السنة، بما يعني أن نهر النيل تحول إلى مجرد ترعة أو مجرى مائي صغير لمياه مقننة يتحكم في تحديدها الجانب الإثيوبي فقط، طبقاً لاحتياجاته أو تعاقداته على تصدير الكهرباء، بصرف النظر عن احتياجات شريكيه في النهر، ومع هذا الأمر لن يكون لبحيرة ناصر في مصر أهمية ولا لبحيرة السد مادامت المياه ستأتي بحصة يومية تستهلك فور ورودها، ولا داعى لتخزينها، إضافة إلى انتهاء ورود الفيضان الذي تعتمد عليه مصر في امتلاء بحيرة ناصر بثلاثة أضعاف حصتها (حيث تحتمل البحيرة مخزوناً من المياه يبلغ 162 مليار متر مكعب سنوياً) . هذا الأمر سيكون له تأثيراته الشديدة أيضاً في زيادة مستويات تلوث نهر النيل والنحر على ضفتي النهر واقتحام المياه المالحة للبحر المتوسط لأراضي الدلتا أو النشع الشديد عليها بمياهه المالحة وتمليحها وتأثر المزارع السمكية ومعها الثروة السمكية والإحيائية الطبيعية النهرية، والعديد من الأمور الأخرى التي من أهمها أنها يمكن أن تلغي تماماً زراعات الأرز وقصب السكر عالية الاستهلاك للمياه لعدم كفاية المياه الواردة إلى مصر التي ستكفي فقط الاستهلاك اليومي ومن دون جدوى لتخزينها لصرف حصص إضافية لزراعات الأرز والقصب .

* أستاذ الموارد المائية والتربة كلية الزراعة جامعة القاهرة .

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s