الجيش المصري .. انقلبَ على مَن؟

موقع الجمل
2013-07-14 
5b7c84ca1350cbcd9a8da13e9aa62a76.portrait

الجمل- د. مالك سلمان:

لم أثق يوماً بقيادات العسكر, لا في سوريا ولا في أي مكان آخر. ولم أعجَب يوماً بأي قائد عسكري, لا بالإسكندر المقدوني ولا بنابليون بونابرت, ولا حتى بحسني الزعيم الذي أؤمن أن انقلابه العسكري على الحكومة المدنية في سوريا في 30 آذار/مارس 1949 كان نقطة التحول المأساوية في تاريخ سوريا الحديث والتي ربما كانت نقطة البداية التي أوصلتنا اليوم إلى ما نحن فيه.
ربما يكون ما سأغامر به هنا مجردَ ضرب من ‘نظرية المؤامرة’, وربما يكون نتيجة مَرَضية للحساسية المزمنة التي أعاني منها تجاه القيادات العسكرية.
* * *
نحن العربَ عاطفيون ورؤوسنا ساخنة. والرؤوس الساخنة تعاني من حمى شبه دائمة تحول بينها وبين التفكير العقلاني البارد. كما أن اللغة تشكل عندنا عالماً أقوى من الواقع المحسوس, حتى قال أحدُ كتابنا إننا “ظاهرة صوتية. فحتى يومنا هذا نفكر في كتابنا المقدس “القرآن” بصفته “معجزة لغوية” جاءَ رداً على لغة الشعر الجاهلي. وحتى في عالم السياسة البراغماتي والمعقد, بطبيعته, كرسنا إرثاً لغوياً- خطابياً أسسه “الريس” عبد الناصر, قائماً على قلاع من وهم لم تحتج الطائرات الحربية الإسرائيلية سوى إلى ستة أيام لتدميره قبل أن تستوي, في اليوم السابع, على مدرجاتها.
* * *
منذ اشتعال ما أطلقت عليه “الخزانات البحثية” الغربية والغرف الاستخباراتية المظلمة اسمَ ‘الربيع العربي’ – الاسم المزيف لسياسة “الفوضى الخلاقة” – تابعنا على شاشات الفضائيات الثورجية, “الجزيرة” و “العربية” وأخواتهما الغربيات الناطقات بلغة الضاد, سقوط أنظمة عربية “كلاسيكية” (أنظمة قمعية أمنية تحكم سيطرتها على الدولة والمجتمع) وكأننا نشاهد لعبة “أتاري” أو “واقعاً افتراضياً” يتحرك بسرعة كبيرة, دون أن نتوقف لنحللَ آلياتِ سقوط هذه الأنظمة بهذه السلاسة.
كان السيناريو الذي تمَ تقديمه لنا يتميز بأناقة وبساطة يبعثان على الذهول: آلاف من الناس (قيلَ لنا إنهم ملايين؛ ومن هنا مصطلح “مليونية”) ينزلون إلى الشوارع حاملين شعارات وصوراً أشهرها “إرحَل” وهم يهتفون “الشعب يريد إسقاط النظام” – المتصادي مع سياسة الولايات المتحدة الخارجية التدخلية المتمثلة في “تغيير النظام”. وبعد طقوس شبه فولكلورية, تتخللها بعض العراكات والمناوشات مع رجال الشرطة … بوووووم ! يسقط النظام.
لم يقل لنا أحد – لا الفضائيات الثورجية ولا قوادو الشيخ حَمَد من المثقفين الثورجيين من أمثال عضو الكنيست الإسرائيلي عزمي بشارة – كيف سقط النظام في تونس ومصر, مثلاً. وبما أن أمة “اقرأ” لا تزال مصرة على موقفها المبدئي والثابت “ما أنا بقارئة”, بقينا نقرأ الشاشاتِ والصورَ والحشودَ المليونية.
تعقدت الأمور قليلاً في اليمن, وكثيراً في ليبيا, مما دفعَ بكتاب السيناريو إلى إصلاح الأوضاع. كيف؟ من خلال العسكر.
لم يقل لنا أحد شيئاً عن دور العسكر في تونس ومصر. رأينا بأم أعيننا عساكرَ الغرب وهي تضع اللمسات الأخيرة على السيناريو الليبي؛ وعساكرَ درع آل سعود – من الباكستانيين المرتزقة – يهرعون لحماية العرش البحريني؛ وعساكرَ اليمن المرتبطين بآل سعود وأسياد آل سعود يفرضون أمراً واقعاً على الأرض.
ثم تعثرَ السيناريو في سوريا. وسقطت أسطورة ‘الربيع العربي’ وأقنعة “الثورات الشعبية” العاجزة عن إسقاط النظام, أي نظام, دون تدخل العسكر, حتى لو تسلحت, وتمولت, وتدربت, واستعانت بمقاتلين أجانب مرتزقة ومحترفي قتل وتفجير وإرهاب توافدوا من مشرق الأرض ومغربها, مدعومين بآلة دعاية حربية إقليمية ودولية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
إضافة إلى تعرية سيناريو ‘الربيع العربي’, الذي أشرف على تنفيذه تحالف الناتو/مجلس “التآمر” الخليجي (“المناهض للثورات”, كما يسميه الصحفي بيبي إسكوبار)/الإسرائيلي, أفرزت الأزمة السورية حقيقة ربما لم تكن واضحة بما فيه الكفاية: الجيش العربي السوري ربما يكون الجيشَ العربي الوحيد الذي لا يرتبط بأجندات وقوى خارجية.
* * *
مصر .. مرة أخرى
شاهدنا مرة أخرى على الشاشات السيناريو التالي:
– في 30 حزيران/يونيو, وبعد غليان ونشاط شعبيين كبيرين, نزل الشعب المصري إلى شوارع وساحات البلاد مطالباً بانتخابات رئاسية مبكرة سرعان ما تحولت إلى المطالبة بتنحي الرئيس محمد مرسي.
– الجيش يتململ ويحذر طرفي النزاع من خطورة استمرار الوضع القائم ويقدم إنذاراً شديدَ اللهجة من خلال تحديد مهلة زمنية.
– الجيش يقف إلى جانب الشعب؛ يعتقل مرسي وبعض قيادات الإخوان الإسلامويين؛ يجتمع مع ممثلين عن القوى الشعبية المتواجدة على الأرض – بما فيها “حزب النور” السلفي – ويقرر, نزولاً عند رغبة الشعب, إلغاءَ العمل بالدستور وتنحية الرئيس الذي وجهَ خطاباً للأمة بدا وكأنه مباشر على الهواء, لم يساعد في شيء سوى في تسريع عملية تنحيته. (لم يقل لنا أحدٌ بعد متى ألقى مرسي هذا الخطاب “الشرعي” ومن أي مكان).
– وانتصرت الثورة الشعبية.
– الولايات المتحدة تحذر الجيش المصري من الانقلاب على الرئيس المنتخب ديمقراطياً, وتهدد بقطع معوناتها السنوية عن الجيش. يضرب الجيش بهذه التحذيرات عرضَ الحائط ويضحي بكل شيء في موقف وطني متحيز للشعب ألهبَ مخيلة المصريين واستعاد مرحلة عبد الناصر “أبو خطابات”.
– اعتكفت القيادات الأمريكية في اجتماعات سرية لتقرر إن كان ما حدث “انقلاباً” أم لا, وإن كانت ستوقف مساعداتها للجيش المصري, لتقررَ بعد ذلك إنه لم يكن انقلاباً على “الشرعية”.
– اهتاج جمهور “الإخوان” وأرغى قادتهم وأزبدوا وهددوا على شاشات التلفاز. ثم حصلت المواجهة أمام “دار الحرس الجمهوري”, وأطلق الجيش المصري – “الذي لا يطلق النارَ على شعبه” – النارَ على شعبه, بعد تعرضه لهجوم مسلح, وقتلَ من قتل وجرحَ من جرح. ثم التهبت جبهة سيناء لتهيء المسرحَ لمواجهات عسكرية دامية بين الجيش والمتطرفين.

حقائق موثقة .. بعيداً عن دخان اللغة والصور
– هناك خطة أمريكية/إسرائيلية, ليست بجديدة, تهدف إلى زعزعة استقرار مصر كدولة قومية على نطاق واسع يطال أمنَها السياسي والاقتصادي. فمنذ سنة 1991, بدأ العمل على زعزعة الاقتصاد المصري عبر إدخال إصلاحات اقتصادية ليبرالية جديدة (كما حصل في سوريا في العقد الأول من هذا القرن) تحت إشراف “صندوق النقد الدولي” أدت إلى: إجراءات تقشف شديدة, وارتفاع كبير في أسعار الغذاء, وارتفاع ملحوظ في نسبة البطالة؛ مما أدى – بالمحصلة النهائية – إلى تدمير النسيج الاقتصادي للأمة المصرية من خلال القضاء الممنهَج على سلة زراعية غذائية متكاملة – تعتمد على مياه النيل – عمرها 3000 سنة.
بدأ ذلك في عهد حسني مبارك, واستمرَ في عهد “الإخوان الإسلامويين” المصريين الذين تعهدوا بالحفاظ على السياسات السابقة بدليل احترامهم لاتفاقية “كامب ديفيد” والقبول بكافة شروط “صندوق النقد الدولي”.
بقيت مصر أكبرَ متلقٍ للمساعدات الأمريكية بعد إسرائيل؛ أي أنها بقيت حليفاً قوياً للولايات المتحدة الأمريكية. أي أن حكومة مرسي كانت مجردَ بديلٍ لحكومة مبارك, من حيث سياساتها وإذعانها لواشنطن.
– من المعروف أن “الإخوان الإسلامويين” في مصر, بشكل خاص, يتلقون الدعمَ من الاستخبارات البريطانية منذ الأربعينيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا. ومن المعروف أيضاً أن الاستخبارات الأمريكية تدعم الإخوان اليوم, ليس في مصر وحدها بل في تونس وليبيا وسوريا أيضاً.
عندما نزل الشعب المصري إلى الشوارع بتلك الأعداد المهولة, لم تكن احتجاجاته موجهة ضد حكومة الإخوان فقط؛ كانت موجهة – في العمق – ضد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث استعمارها الاقتصادي وتدميرها لمصر, ومن حيث أن حكومة مرسي ليست سوى وكيل للولايات المتحدة.
– يتلقى الجيش المصري حوالي 1.3 مليار دولار سنوياً من البنتاغون, إضافة إلى المساعدات العسكرية الأخرى. (لاحظوا أن البنتاغون, وفي قمة ‘انزعاجه’ من الجيش المصري, قرر مؤخراً تزويده بطائرات “إف 16” ).
الفريق أول السيسي خريج الأكاديميات العسكرية الأمريكية, وهو مقرَب وموثوق من قيادات البنتاغون. وخلال الأسبوعين الأخيرين اللذين مهدا لانطلاقة احتجاجات 30 حزيران/يونيو الشعبية (شكلت القوى المعارضة جزأ صغيراً منها), كان هناك تنسيق متواصل بين وزير الدفاع الأمريكي تشك هيغل ورئيس أركان الجيش الأمريكي مارتن ديمبسي, من جهة, والجنرال السيسي وزملائه من كبار الضباط المصريين الذين هَندسوا عملية تنحية مرسي. ولذلك, من المستبعد أن يتخذ الفريق السيسي أي قرار بهذا الحجم دون أوامر, أو موافقة, مسبقة من البنتاغون. الترجمة: الجيش المصري – على الرغم من التباينات الموجودة في صفوفه – يتلقى الأوامرَ النهائية من واشنطن. كل ذلك, على الرغم من المسرحية الهزلية والفاشلة التي تم إخراجها لإيهامنا بأن هناك تضاربَ آراء بين قيادة الجيش المصري والإدارة الأمريكية, مما يوحي بأن الجيش المصري قرر فجأة الانقلاب على أمريكا.
– كان ملك السعودية عبد الله أول زعيم في العالم يقدم التهاني للجيش المصري لإطاحته بحكومة مرسي في 2 تموز/يوليو, وبعد ساعات قليلة على الحدث التاريخي. ثم سرعان ما أعلنت السعودية والإمارات العربية المتحدة, يوم الأربعاء, تقديم مساعدات لمصر بقيمة 8 مليار دولاراً. ترجمة: كانت السعودية على علم مسبق بقرار الجيش, وكانت أحد الأطراف المنسقة لما حصل خلال الأسبوعين اللذين سبقا الحدث.
– ظهر “حزب النور” – في الجلسة التلفزيونية الشهيرة التي ضمت ممثلين عن الجيش والقوى الشعبية والأحزاب والمؤسسات المصرية المناوئة لحكم الإخوان – كأحد مكونات الثورة الشعبية. و “حزب النور” هذا حزب سلفي متعصب ومتطرف ورافض للشيعة والمسيحيين على حد سواء, يحركه برنامج وهابي سعودي. ومن الجدير بالملاحظة أن سقوط الإخوان قد أمنَ فرصة ذهبية لصعود هذا الحزب السلفي الأكثر تطرفاً ورجعية من حزب “الإخوان الإسلامويين”.
– أي مراقب سياسي يعرف اليوم أن الولايات المتحدة لا تحل الأزمات, بل تديرها. (لاحظوا, مثلاً, الطريقة التي تدير بها محادثات السلام, أو الاستسلام, بين الإسرائيليين والفلسطينيين). ومن المثير للاهتمام – وخاصة اهتمام من يرغب في معرفة تفاصيل المرحلة القادمة في مصر – أن هذه الولايات المتحدة تدعم الجيشَ المصري و “الإخوان الإسلامويين” المصريين في الوقت نفسه. وهذه وصفة جاهزة لمزيد من زعزعة الاستقرار في مصر, هذه المرحلة التي بدأت فصولها تتكشف مع المواجهة الدموية أمام “دارة الحرس الجمهوري” والجيش, والتحضيرات العسكرية الضخمة لفتح جبهة سيناء على مصراعيها.
* * *
في 30 حزيران/يونيو, تحسَسَ الجميعُ خطرَ المشهد الذي طلعَ عليهم من زوايا الفقر والحرمان والبطالة وغياب الحريات والرعب من الخطر القادم من اللحى المقدسة, والذي بدا أشبهَ بنهاية فيلم “ڤي .. فور ڤينديتا”: ملايين المصريين الغاضبين في شوارع وساحات مصر يطالبون بواقع جديد. وأول من شعر بخطورة المشهد كان الجيش المصري, ومن ورائه الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل.
إن من شأن ثورة شعبية كهذه أن تحطمَ كل شيء, وتفسدَ كافة السيناريوهات, وتحيدَ جميع اللاعبين, وتمسحَ بأحذيتها كل الاتفاقيات الدولية المتآمرة على خبزها وكرامتها. لذلك, كان المطلوب القفز عليها وتوجيهها, وبسرعة كبيرة. ومن أجدر من الجيش المصري بالقيام بهذه المهمة ‘الوطنية’؟! هذا الجيش المرتبط باتفاقية مع العدو الإسرائيلي, وحارس السفارة الإسرائيلية في عاصمة “أم الدنيا” القاهرة, والمتسول على أموال البنتاغون, والحليف القوي للولايات المتحدة الأمريكية. هذا الجيش الذي تحكمه مصالحُ سياسية لا تتقاطع مع إرادة الشعب المصري الحقيقية, والذي يشكل ذراعاً قويا من أذرع “الحكومة العميقة” في مصر, والذي تحكمه مصالح مالية قوية مع واشنطن إضافة إلى مصالح النفوذ والمال في مفاصل مؤسسات هذه “الحكومة العميقة”. كان يجب التضحية بمرسي والإخوان للحفاظ على ما تبقى ومنع الحركات الشعبية الاحتجاجية من الخروج على السيطرة. كان المطلوب توجيه دَفة هذه الثورة ودَفنها في مهدها.
الطريقة المثلى للخروج من مآزق من هذا النوع هي تصنيع الأعداء, وخاصة إذا كانوا جهلة ومتطرفين ومتعصبين مثل الإخوان, والدخول في مواجهة عسكرية تلامحت آفاقها أمام “دارة الحرس الجمهوري” واتسعت في سيناء. هذه هي الأداة المثلى التي يستطيع من خلالها الجيش المصري الإمساك بزمام المبادرة في مصر الآن.

– ملاحظة لا علاقة لها بما قبلها:
وإذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا.
نعقَ غرابُ واشنطن: “نبقى ملتزمينَ بالشعب المصري وتطلعاته إلى الديمقراطية و الفرص الاقتصادية و الكرامة, لكن مستقبلَ مصر يحدده الشعب المصري فقط.”
الله يرحم المتنبي.

الجمل

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s