التسابق على الغاز في البحر المتوسط (الجزء الأول) حوض المشرق وإسرائيل….. هل هناك توزيع جغرافي سياسي جديد؟

1c1a91d5a382ca308d521903c96d9353.portrait

بقلم ف. ويليام إنغداهل

ف. ويليام إنغداهلصحفي من الولايات المتحدة الأميركية مختص بشؤون الطاقة والجيوسياسة. آخر مؤلفاته“آلهة المال، وول ستريت وموت العصر الأميركي” (2010).

إن الاكتشاف المؤخر لطبقات كبيرة من الغاز والبترول في البحر الأبيض المتوسط الشرقي, قد غير بشكل جذري المعادلة الجيو سياسية في المنطقة وفي ماوراء البحار على السواء. فالفرصة متاحة لإسرائيل من أجل الانتقال من التبعية إلى السيادة في مجال الطاقة في الوقت الذي تطالب لبنان بدعم من واشنطن بجزء من هذا الغاز الموجود في مياهها الإقليمية. يبحث ويليام انغدال تعقيدات هذا التطور المفتاحي الذي هو بمثابة أحد الأسباب الأساسية لزعزعة الاستقرار في سورية من قبل قطر والدول الغربية.

SHABAKAT VOLTAIRE | فرانكفورت | 7 حزيران (يونيو) 2012 

GIF - 85.8 كيلوبايت
بداية استثمار حقل الغاز الطبيعي في تامار حيث يتوجب عليه تأمين امداد اسرائيل بالغاز ابتداء من العام 2012

إن الاكتشافات الجديدة لطبقات من النفط والبترول ليست مهمة ولكنها واسعة النطاق فهي موجودة في جزء قلما استثمر سابقاً في البحر الأبيض المتوسط (بين اليونان وتركيا وقبرص وإسرائيل وسورية ولبنان). من شأن هذه الاكتشافات أن تتمكن المنطقة من أن تصبح “خليج فارسي جديد”. كما كان هو الحال بالنسبة للخليج الفارسي “الآخر” فإن اكتشاف هذه الثروات من الهيدرو كاربور يمكن أن يشكل رديفاً جميلاً وجيداً لفتنة جيو سياسية رهيبة في المنطقة.

يمكن أن يتم استبدال الصراعات التاريخية في الشرق الأوسط بمعارك جديدة بهدف الحصول على موارد النفط والغاز في البحر المتوسط الشرقي وفي الحوض الشرقي وفي بحر إيجة, سندرس في بادئ الأمر نتائج ااكتشاف طبقة عملاقة بعيدة عن الساحل من الغاز والبترول على عرض إسرائيل . وفي مقال ثان سنرى التعقيدات الناجمة عن اكتشافات الغاز والبترول في بحر إيجة وبين قبرص وسورية وتركيا واليونان ولبنان.

ليفياتان إسرائيلي:

ما قلب الأمور رأساً على عقب, هو اكتشاف مذهل في منطقة يسميها علماء الجيولوجيا “حوض المشرق”. ففي تشرين الأول من عام 2010 وجدت إسرائيل “طبقة عملاقة بعيدة عن الشاطئ من الغاز الطبيعي وذلك في منطقة تعتبرها منطقتها الاقتصادية الحصرية “. يوجد هذا الاكتشاف على بعد 135 كلم غربي ميناء حيفا وعلى عمق 5 كم. يسمى هذا المخزون “ليفياتان” استناداً إلى الوحش البحري المذكور في التوراة. أعلنت ثلاث شركات أسرائيلية متخصصة بالطاقة و بالتعاون مع شركة من تكساس اسمها “نوبل انرجي”, أعلنوا عن التقديرات الأولى على ارتفاع مليارات من الأمتار المكعبة وذلك يجعل منه الاكتشاف الأهم للغاز في المياه العميقة في السنوات العشرة الأخيرة. هذه الاكتشافات شككت قليلاً في 450 نظرية لمالتوس حول “نقاس البترول” التي تدعي أن الكوكب على وشك أن يشهد نقصاً حاداً وأساسياً في مادة البترول والغاز والكربون. نستنتج من ذلك أن طبقة غاز ليفياتان ستشكل احتياطاً يكفي لتموين إسرائيل بالغاز لقرن من الزمن. [1]

لم يكن بالإمكان تصور أن تحظى الدولة الإسرائيلية باكتفاء ذاتي في الطاقة وذلك منذ تأسيسها عام 1948. أجريت عمليات بحث مهمة عن البترول والغاز ولمرات عديدة ولكنها لم تحقق أية نتائج. وعلى عكس جيرانها العرب الأغنياء بمصادر الطاقة, فإن إسرائيل ترى هذه الفرصة تضيع منها ولكن في عام 2009 اكتشفت شركة “نوبل انرجي” شريكة إسرائيل في التنقيب, اكتشفت في الحوض الشرقي طبقة تامار على بعد 80 كلم غربي ميناء حيفا و حوت قرابة 238 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي ذي الجودة العالية وبهذا فإن تامار هو بمثابة أكبر اكتشاف عالمي للغاز في عام 2009.

بفضل تامار تحسنت الإمكانيات بشكل كبير فبعد عام فقط قامت “نوبل انرجي” بأكبر اكتشاف لها منذ تأسيها قبل عشرات السنين مع ليفياتان في نفس الحوض الجيولوجي الشرقي. [2] وبهذا انتقلت إسرائيل بالنسبة لحاجتها لمادة الغاز من الفقر المدقع إلى الغنى الفاحش وذلك خلال أشهر قليلة.

مع اكتشاف كل من تامار أولاً ومن ثم ليفياتان بدأت إسرائيل بالتساؤل كيف ستصبح أمة تتصدر قائمة الدول المستخرجة للغاز الطبيعي. كما بدأت بالتساؤل كيف ستتمكن من حصد الضرائب على عائدات إنتاج النفط والغاز وذلك من أجل أن تشكل قاعدة متينة تستثمر مستقبلاً وعلى المدى البعيد. ( في الاقتصاد القومي على غرار الصين والعديد من البلاد العربية في منظمة الأوبيب). [3]

JPEG - 56.4 كيلوبايت

أشار الناطق الرسمي لبرنامج موارد الطاقة في معهد الدراسات الجيولوجية في الولايات المتحدة  قائلاً: “توازي منطقة حوض المشرق كبرى مناطق الاستثمار حول العالم فمنابع الغاز فيها أضخم من كل ما تم اكتشافه في الولايات المتحدة ” [4]

ربما قد شعر هذا المعهد بأن هذه الاكتشافات الهائلة من الهيدرو كاربور يمكن أن تقلب رأساً على عقب المعادلات الجيو سياسية في المنطقة بأسرها, ولهذا فقد قدم تقدير أولي لاحتياطي النفط والغاز في منطقة البحر المتوسط الشرقي (يشمل حوض بحر إيجة الممتد على شواطئ اليونان وتركيا وقبرص وحوض المشرق الممتد على شواطئ لبنان وإسرائيل وسوريا وحوض النيل الممتد على الشواطئ المصرية). إنه لمن التلميح أن نقول أن نتائجهم مهمة.

باستناده إلى معطيات عمليات التنقيب السابقة وإلى الدراسات الجيولوجية في المنطقة, خلص المعهد إلى أنه ” تقدر مصادر النفط والغاز في الحوض الشرقي ب 1.68 مليار برميل بترول وب 3450 مليار متر مكعب من الغاز”. إلا أنه وبحسب التقديرات فإن “المنابع غير المكتشفة بعد من النفط والغاز في إقليم حوض النيل (يحده جزء صغير من النيل غرباً ومن الشمال بأجزاء ضيقة من بيتوس وقبرص من الشرق ويحده حوض الشرق من الجنوب), قدرت هذه الثروات بحوالي 1.76 مليار برميل من النفط و 6850 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي” .” [5]

قيم معهد الدراسات الجيولوجية في الولايات المتحدة إجمالي البحر المتوسط الشرقي ب 9700 مليار متر مكعب من الغاز وب 3.4 مليار برميل من البترول وفجأة واجهت المنطقة جميع الصراعات الجديدة الممكنة وجميع التحديات الجيو سياسية.

لوضع هذه الأرقام في منظور مستقبلي يعتبر المعهد فإن حوض سيبيريا الغربي وهو الحوض الأكبر من نوعه من الغاز, أنه يحوي 18200 مليار متر مكعب من الغاز. إضافة لذلك يمتلك كل من الشرق الأدنى و شمال أفريقيا عدة مناطق غنية بالغاز الطبيعي ويشمل ذلك حوض الربع الخالي الذي يحوي( 12062 مليار متر مكعب من الغاز) في الجنوب الغربي من السعودية وفي شمال اليمن وحول الغور شرقي السعودية (6427 مليار متر مكعب) وفي السلسلة المتموجة من زاكروس (6003 مليار متر مكعب) وعلى طول الخليج الفارسي في العراق وإيران. [6]

قبل بضعة أشهر كان الأمن القومي في إسرائيل يتركز على ضمان تموينها الخارجي وبالتالي على الانخفاض المقلق في انتاجها للغاز المنزلي. أضيفت إلى أزمة الطاقة تلك مظاهر ما يدعون أنه “الربيع العربي” الذي هز مصر وليبيا في بداية 2011 وسبب بسقوط الرئيس مبارك الذي كان نظامه يؤمن قرابة 40% من الغاز الطبيعي الإسرائيلي. يقترن هذا الأمر بازدياد منع تصدير الغاز من الأحزاب الإسلامية في مصر وبخاصة الأخوان المسلمين والحزب السلفي الأصولي “النور”, إضافة إلى أن أنابيب الغاز التي تنقل الغاز المصري إلى إسرائيل باتت هدفاً لمحاولات عرقلة ومقاطعة مستمرة وآخر محاولة كانت في شهر شباط من العام الحالي في شمال سيناء. في هذه الظروف لا يسع إسرائيل إلا أن تكون متوترة بخصوص مستقبل أمنها في مجال الطاقة. . [7]

رد الفعل اللبناني يشحن توترات جديدة:

إن اكتشاف إسرائيل لمخزون ليفياتان على شواطئها فتح المجال مباشرة أمام صراع جيو سياسي جديد فقد أعلنت لبنان أن جزءً من حقل الغاز يقع في المياه الإقليمية لمنطقتها الاقتصادية الحصرية. أرسلت لبنان مطالبتها إلى الأمم المتحدة للحصول على دعمها وعلى هذا رد وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان فقال: “لن نتخلى عن قطرة”

ما يهم في مشهد الطاقة في المتوسط هو أن إسرائيل حذت حذو الولايات المتحدة ولم تصادق إطلاقاً على معاهدة الأمم المتحدة في عام 1982 حول حق البحر الذي يمنح الحقوق العالمية بالثروات الكامنة تحت البحار. إن آبار استخراج إسرائيل لغاز منبع ليفياتان يوجد بوضوح في الأراضي الإسرائيلية وهو أمر لا تنكره لبنان ولكنها تعتبر أن الطبقة تمتد أيضاً تحت مياهها الإقليمية الخاصة بها. أكد حزب الله أن حقل الغاز تامار الذي سيبدأ بتأمين الغاز من الآن حتى نهاية العام, هو حقل ملك للبنان.

لم تضيع واشنطن وقتها لتلعب ورقتها السياسية والمتعلقة بالطاقة بخصوص النزاع على الغاز الطبيعي بين لبنان وإسرائيل. ففي تموز 2011 في الوقت الذي كانت إسرائيل تتحضر لرفع اقتراحها إلى الأمم المتحدة بخصوص الخط البحري الفاصل بين لبنان وإسرائيل, صرح فريديريك هوف, وهو ديبلوماسي أمريكي مكلف بملف سورية ولبنان, أن إدارته تدعم الملف اللبناني مضيفاً أن التوترات المتنامية ظهرت منذ بداية “الربيع العربي” بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو والرئيس أوباما . [8]

JPEG - 33.9 كيلوبايت
تحذير شيلدون أديلسون من قبل بينيامين نتنياهو بتمويل الجمهوريين ولعرقلة ولاية ثانية لباراك أوباما.

قام نتنياهو مؤخراً بتحريض الرجل الثامن الأكثر ثراء في الولايات المتحدة وهو صديقه المقرب ملياردير الملاهي الليلية في لاس فيغاس شيلدون أديلسون, حرضه على ضخ مباشر لملايين الدولارات في حملات الجمهوريين الانتخابية بمن فيهم نوت جينغريش وميت رومني. هذا الأمر يمثل تدخلاً إسرائيلياً غير مسبوق في حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وكل هذا بهدف محاولة منع ولاية ثانية يحصل عليها باراك أوباما. [9] ترتبط القضايا الجديدة بالتحكم بالاحتياطي الواسع من الطاقة المكتشفة على شواطئ إسرائيل ولبنان إضافة إلى شواطئ قبرص واليونان وتركيا الذي سيلعبون دوراً متنامياً ’في منطقة هي أصلاً إحدى أكثر المناطق تعقيداً في الكرة الأرضية على الصعيد السياسي.

[1] Charles Levinson, Guy Chazan,Big Gas Find Sparks a Frenzy in Israel,” The Wall Street Journal, December 30, 2010.

[2“Israel: Leviathan Holds More Gas Than Previously Estimated,”Offshore Energy Today, December 19, 2011.

[3] “Israel has enough gas ’to become exporter,’” AFP, 29 December 2010.

[4] US Department of the Interior, “Levant basin holds 122 trillion cubic feet of natural gas,” U.S. Geological Survey Fact Sheet 2010–3014, March 2010-April 10, 2010.

[5Ibid.

[6] Ibid.

[7] Avi Bar-Eli and Itai Trilnick, “Forecast Blackout Israel is about to run out of natural gas: Shortage expected to last at least until next year, when the Tamar gas field starts production,” Haaretz, February 2, 2012 . See also ReutersBlast Hits Gas Pipeline Between Egypt, Jordan, Israel, 4 February 2012.

[8] Barak Ravid, “US Backs Lebanon on Maritime Border Dispute with Israel,” Haaretz, July 10, 2011.

[9] “Sheldon Adelson Probe: Donations From Casino Owner Could Embarrass Republican Candidates,” Reuters, February 8, 2012. For more on the Adelson-Gingrich-Romney-Netanyahu connection see, Max Blumenthal, “The Bibi ConnectionAl-Akhbar.com, January 12, 2012.

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s