روسيا وأميركا: صراع في آسيا الوسطى

جريدة السفير اللبنانية
05/07/2013 العدد: 12521
7a9af394a970424f32c7b7a676e7486f.portrait
هاني شادي
يعتقد الروس أن لدى الولايات المتحدة خطة جيوسياسية لحصار روسيا في منطقتي آسيا الوسطى وبحر قزوين. ويقولون إن هذه الخطة مرتبطة بشكل كبير بالثروات الطبيعة الكبيرة، خاصة النفط والغاز، في المنطقتين. ولا يقتصر تبني هذا الاعتقاد على التيارات القومية واليسارية الروسية، بل يمتد إلى الكرملين أيضاً. ومؤخراً، نشرت وسائل إعلام روسية خبراً مفاده أن رئيس كازخستان، نور سلطان نزاربايف، عرض على الولايات المتحدة الأميركية والناتو استخدام ميناء «أكتاو» الاستراتيجي الواقع على بحر قزوين في عملياتها في أفغانستان. ويقع ميناء «أكتاو» في جنوب غرب كازخستان بمقاطعة مانغيستاو (مانغيشلاك سابقاً) على الشاطئ الشرقي لبحر قزوين، ويعتبر الميناء البحري الوحيد في كازخستان المخصص لنقل الشحنات والنفط ومنتجاته. ويُوجد في هذه المنطقة مطار مدني بجانب الميناء. و«أكتاو» هو الميناء الأكثر قرباً من روسيا من بين جميع الموانئ والمطارات الواقعة في الدول المشاطئة لبحر قزوين. ويُذكر أن الولايات المتحدة الأميركية تستخدمه منذ العام 2009 لنقل قسم من شحناتها العسكرية وغير العسكرية إلى أفغانستان. ومن ثم يمكن القول إن واشنطن كانت ولا تزال تستخدم هذا الميناء في سياستها تجاه أفغانستان. ولكن كازخستان تقترح حالياً، على ما يبدو، تواجداً عسكرياً أميركياً دائماً في هذا الميناء، وهو ما يُشعر روسيا بالقلق.
ويعتقد خبراء روس، ومنهم ليونيد شيبيلوف، أن المرابطة العسكرية الدائمة للولايات المتحدة في شبه جزيرة مانغيشلاك الكازاخية، حيث يقع ميناء أكتاو وحقول كبيرة للنفط والغاز، سوف تسمح للأميركيين بتقوية نفوذهم وتأثيرهم بشدة في قزوين وآسيا الوسطى. هذا بالإضافة إلى محاصرة إيران من جميع النواحي: من الجنوب من ناحية بلدان الخليج حيث القواعد الأميركية كثيرة، ومن الغرب والشرق حيث القواعد في تركيا وأفغانستان، والآن من الشمال أيضاً. ويرى هؤلاء الخبراء أن الوجود الدائم للولايات المتحدة الأميركية في «أكتاو» ليس في مصلحة الأمن القومي الروسي. علاوة على ذلك يمكن لهذا الوجود الأميركي أن يؤدي إلى تحفيز نشاط حركة الانفصاليين في شمال القوقاز، حيث يربط الروس بين تقوية الحركة الانفصالية في الشيشان في منتصف تسعينيات القرن الماضي ونشاط الشركات الأميركية لاستثمار حقول النفط والغاز في المناطق الأذرية القريبة من كازخستان.
يفترض بعض المحللين الروس أيضاً أن مبادرة نزاربايف بشأن «أكتاو» تمثل محاولة من الرئيس الكازاخي لاختبار نيات أميركا تجاه القيادة الكازخية في سياق عدم الاستقرار المتزايد في الشرقين الأدنى والأوسط. ويُذكر أن واشنطن طلبت من تركمنستان أيضاً استخدام الميناء الكبير «تركمان باشا» (كراسنوفودسك سابقاً) من أجل العمليات في أفغانستان، وهو تحديداً الميناء الذي رابطت فيه سابقاً قاعدة الاسطول البحري العسكري للاتحاد السوفياتي المشرفة على قزوين. غير أن تركمنستان لا تزال تتحجّج بوضعها «المحايد» دولياً لعدم تلبية الطلب الأميركي. في الوقت نفسه تجري واشنطن محاولات جديدة مع أوزبكستان لتطوير التعاون الأمني والعسكري، وذلك بعد انسحاب الأخيرة من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تتزعمها روسيا في الساحة السوفياتية السابقة.
ويبدو أن الروس منتبهون جيداً لهذا التمدد الأميركي الأمني والعسكري في آسيا الوسطى وبالقرب من بحر قزوين، ولذلك سارع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بعد عودته من جديد للكرملين إلى تعزيز التواجد العسكري الروسي في قيرغيزيا وطاجيكستان وأرمينيا. كما أنه أقدم على خطوة هامة ونوعية تمثلت في تعزيز التعاون العسكري مع أذربيجان. ففي الثامن عشر من حزيران الماضي كشفت موسكو عن بداية توريد معدات عسكرية للقوات البرية الأذربيجانية تشمل بيع أربعة وتسعين دبابة روسية من نوع « T 90 S « ونحو مئة مدرعة « BMP 3 « وثمانية عشر مدفعاً ذاتي الحركة من طراز « MSTA S« وثماني عشرة راجمة صواريخ « SMERCH «، بالإضافة إلى أسلحة مدفعية أخرى، وما يلزم من معدات ذات طابع لوجستي لخدمة تلك المعدات العسكرية. وتتراوح قيمة هذه المعدات العسكرية مع ما يلزمها من قواذف بين سبعمئة مليون ـ مليار دولار أميركي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الصفقة ليست الأولى من نوعها، حيث وقع البلدان في العام 2010 عقوداً لبيع الأسلحة الروسية إلى الجيش وأجهزة الأمن في أذربيجان، من ضمنها بطاريات صواريخ الدفاع الجوي « S 300 ». ويرى الكسندر كريلوف، الباحث «بمعهد العلاقات الدولية الروسي»، أن بيع روسيا المعدات العسكرية والأسلحة إلى أذربيجان يهدف إلى وضع باكو، بدرجة ما، تحت التأثير الروسي، خاصة في ظل ميلها نحو الغرب والناتو. ويُذكر أن موسكو طلبت من باكو في تسعينيات القرن الماضي إقامة ثلاث قواعد عسكرية روسية على الأراضي الأذربيجانية، إلا أن الرئيس السابق حيدر علييف رفض هذا الطلب.
ويشير الخبير الروسي، ليونيد شيبيلوف، إلى أنه في مطلع تسعينيات القرن الماضي أعدت الولايات المتحدة الأميركية خطة تسمى «عاصفة قزوين» تفترض التدخل العسكري في حال ظهور خلافات حادة بين دول قزوين أو في حال التفاقم الحاد للوضع في شمال القوقاز، وتوتر العلاقات الأميركية الإيرانية. ويقول الخبير الروسي إن استخدام الأراضي الكازخية والتركمانستانية وغيرها من أراض في آسيا الوسطى وقزوين كقواعد عسكرية للقوات الأميركية كان ضمن الاهداف الاستراتيجية لتلك الخطة من أجل حصار روسيا. ويتفق كثير من السياسيين والعسكريين الروس مع هذا الرأي. ويجمع هؤلاء على أن إنشاء قاعدة عسكرية أميركية دائمة في «اكتاو» بالأراضي الكازخية يهدد الأمن القومي الروسي، لأن الولايات المتحدة ستدخل عن طريقها مباشرة إلى حوض بحر قزوين. وهذا بالطبع، يمكن له أن يُعقد بشكل كبير الوضع على الحدود الجنوبية للاتحاد الروسي. كما أن هذه الخطوة ستجعل مناطق روسية واقعة على بحر قزوين، مثل داغستان وكلميكيا ومقاطعة استراخان، تحت «العين» الأميركية مباشرة. ولذلك يسعى الروس حالياً إلى إقناع الرئيس الكازخي بالتراجع عن فكرة منح الولايات المتحدة الأميركية تواجداً عسكرياً دائماً في الأراضي الكازخية
pic05a.
Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s