ورقة للنقاش- العرب.. ما بعد انسداد الأفق

adb8afe96be02e1270a4987e18186546.portrait

جريدة السفير اللبنانية

 02/07/2013 العدد: 12518

سليمان تقي الدين 

 محامي و كاتب لبنانيsoli
تعكف مجموعة من الناشطين والمثقفين على بلورة وثيقة فكرية سياسية عن أوضاع المنطقة والحلول لمشكلاتها. هذه ورقة أولى للنقاش.

يعيش العالم العربي حالاً من الاضطراب الكبير نتيجة متغيرات أهمها:
1ـ الصراع الدولي الذي أعقب الحرب الباردة وتداعيات الأحادية القطبية والعولمة العسكرية الأميركية، التي ملأت فراغ القوة ومحاولة السيطرة على العالم.
2ـ النزاعات الإقليمية التي بدأت مع اختراق إيران للعالم العربي وتفكك النظام الإقليمي العربي، بدءاً من غياب مصر عن مكوناته الفاعلة، واحتلال العراق وتفكيك وحدته، وتغيير معطيات الصراع العربي الإسرائيلي، وتقدم تركيا إلى دور منافس من أجل نفوذ إقليمي عربي.
3ـ تصدر دول الخليج، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، لدور قيادي في العالم العربي يقوم على الإمكانات المالية ورعاية تيارات وحركات الإسلام، سياسيٌ يحمل مشروعاً لتصفية إرث المرحلة القومية ويواجه النفوذ الإيراني بوصفه تحدياً متعدد الوجوه للعالم العربي.
4ـ انهيار شرعية النظام العربي الإقليمي والأنظمة السياسية الوطنية جراء انتهاء حقبة الصراع القومي إلى فشل ذريع في تحقيق الحد الأدنى من المشروع العربي الواحد والدوران في حلقة مفرغة من التراجعات أمام التحديات الخارجية، وفشل مشاريع التنمية وتشوهاتها المفرطة التي انتهت إلى نظام من الفوارق الاجتماعية الهائلة وإلى بناء اقتصاديات، إما ريعية، وإما قائمة على الامتيازات السياسية السلطوية في ظل انفجار ديموغرافي يصعب استيعاب حاجاته ومطالبه، واستدامة منظومات القمع السياسي وتوطيد الاستبداد وتعميم ثقافة سياسية هجينة من الحداثة والتقليد انتهت إلى تقوية الاسلام السياسي النازع إلى الإطاحة بكل منجزات المدنية العربية.
5ـ لا يشكل الصراع الدولي اليوم أو ما يسمى نظام التعددية القطبية الموعود والمطلوب إدارة عادلة لمصالح الشعوب والعالم، ولا يفسح في المجال امام حريات أكبر لاختيارات مستقلة في ظل تشابك المصالح الاقتصادية الدولية وعولمتها. إن الصراع على موارد الطاقة الاستراتيجية والأسواق ووسائل السيطرة عليها او اقتسامها لا يؤسس لنظام على مبادئ حق الشعوب بتقرير مصيرها والسيادة على ثرواتها والحرية في اختيار النموذج الملائم والخاص لاجتماعها السياسي. لم تعد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في وضع متوازن، ولم يتقدم القانون الدولي بصورة فاعلة وعادلة، جراء استتباع هذه المؤسسات لمصالح الدول الكبرى. بل إن الدول المعنية بالسلم الدولي والمكلفة حمايته من خلال مجلس الأمن هي التي شنت الحروب ولا تزال تقضي على آمال الشعوب وطموحاتها في الاستقرار. ان ازدواجية المعايير في التعامل مع المشكلات الدولية لا يسمح باعتبار الهيئات الدولية ضامنة لحقوق الشعوب وحرياتها.
6ـ إن منطقة الشرق الأوسط، وهي قلب العالم ونقطة «البيكار» في توازناته، تتعرض منذ عقدين إلى محاولات اعادة الهيكلة والتركيب بين ضغوط ومصالح متعددة وإلى تنافس عالمي على مواردها. وقد جرى تطوير منظومات من الأفكار السياسية لملاءمة هذه الأهداف، من أبرزها نظرية صراع الحضارات وضرورة نشر الديموقراطية وفق عملية تدخل دولي يهدف إلى إزالة أشكال الاعتراض التي مارستها الأنظمة السياسية المغلقة.
ولقد صار واضحاً أن هدف السيطرة هو الأساس سواء أتم في ظل حالة من الخضوع العام او من خلال تفجير تناقضات المنطقة واستخدامها للوصول إلى إدارة الصراع وتوجيهه في خدمة إضعاف مناعة المجتمعات لا الدول فقط.
7ـ لكن الضغوط الدولية والمداخلات الإقليمية تقع على بيئة هشة مليئة بالتناقضات. فخلال نصف قرن من صعود الاحزاب والقيادات القومية إلى السلطة في معظم أقطار العالم العربي، لم تتكون دول لها شرعيتها الكاملة المكتفية بحدودها. فقد ظلت النزاعات العربية ـ العربية قائمة بذريعة الهوية العربية الشاملة من جهة وبذريعة الأديولوجيات المتعارضة والتحالفات الدولية والإقليمية المختلفة.
إلا أن الوجه الآخر من أزمة الشرعية تمثل في سيطرة نخب سياسية واجتماعية في هذه الكيانات والدول، انحصرت في عصبيات سياسية حزبية او طائفية او جهوية او عائلية. تضاعفت أزمة السلطة مع نتائج عقود من التطور الاقتصادي الاجتماعي المخطط والممركز الذي انكسر فجأة باعتماد سياسات ليبرالية اقتصادية فاقمت من استقطاب الثروة ودمغتها بصورة واضحة بالامتيازات السلطوية.
8ـ عاش العالم العربي في ظل فكر سياسي شمولي تحت راية القومية العربية. أنكر هذا الفكر المكونات المتعددة للمجتمعات القومية والإثنية والدينية وكذلك الاجتماعية. مارست السلطات السياسية اساليب قسرية لتهميش هذه القضايا والمشكلات. وفي مناخ حكم الحزب الواحد والعقيدة الواحدة والزعيم الأوحد جرى دفع المعطيات التعددية وكبتها في قعر المجتمع وإخمادها بذريعة الثقافة التاريخية الواحدة والمعركة القومية.
كان انسداد الأفق امام العمل السياسي الحر والتعددية وكبت الحريات وغياب الديموقراطية سبباً في مقاومة المجتمع بثقافته التقليدية ومؤسساته الدينية التي ظلت تملك شرعية لا تقوى السلطات على اجتثاثها. ولقد شكل مناخ الإحباط والشعور بالمهانة الاجتماعية والوطنية سبيلاً لتحول هذه البيئات إلى معارضة منظمة، اغتذت كثيراً من مظاهر الحداثة السلطوية الباذخة المناهضة للمزاج الشعبي والمتعارضة مع حالات البؤس الاجتماعي التي استشرت مع عوائق التنمية وأزمات البطالة.
9ـ لم يعرف الاسلام الديني حركة إصلاحية جذرية، بعد المحاولات الجزئية في القرن التاسع عشر التي انتهت إلى تساكن وتعايش بين الاسلام التقليدي والحركات القومية المعاصرة. مع الأزمات الوطنية السياسية والاجتماعية تحول الاسلام التقليدي هذا إلى مرجعية ملأت الفراغ الذي أدى إليه انهيار الفكر القومي والعلماني واليساري الذي شكل ركيزة الأنظمة الحاكمة.
صعدت حركات إسلامية تكونت أفكارها من أديان شعبية قامت على تأويل المبادئ والقيم الدينية خدمة لأغراض سياسية راهنة. وأمام حالة التدين الشعبي الواسع والكبت السياسي تجذر العنف في العلاقات الاجتماعية وزادت اتجاهات التعصب الفكري واستخدمت كل الموروث التاريخي العشوائي. وتعاظمت قدرة هذه التيارات بما توافر لها من وسائل تكنولوجية حديثة ورعاية سياسية ومالية من الجهات والدول التي استخدمت الاسلام السياسي كمادة اساسية لشرعيتها ولدورها ونفوذها على المستوى الإقليمي.
10ـ لا مساغ للاختلاف في توصيف ما يجري في العالم العربي بين الثورات او غير ذلك من المصطلحات. فهو غليان سياسي واجتماعي ثار على المنظومات السياسية القائمة ووضع في رأس مطالبه هدف الحرية والعدالة والكرامة. ومن طبيعة هذه المهمات أنها استقطبت فئات سياسية واجتماعية وتيارات فكرية مختلفة. حصلت هذه الانفجارات السياسية الشعبية بمعزل عن الكثير من التوقعات وبأقل فاعلية من التحضير والتأطير والتنظيم. فهي بطبيعتها في ظل أنظمة الاستبداد ليست صنيعة أحزاب قوية ونافذة ولا شخصيات وطنية مؤثرة. نجحت هذه الحركات في إحداث تغيير سياسي تصدرته الحركات الاسلامية الأكثر انغراساً في حياة الجمهور وتفاعلا معه والأقرب إلى ثقافته الشعبية السائدة. لم يكن ذلك نهاية المطاف حيث الصراع مفتوح على طبيعة النظام الذي يجب بناؤه والحقوق التي يجب تكريسها والدفاع عنها، والمصالح الاجتماعية التي ينبغي التعبير عنها وحمايتها. لكن هذا المناخ ليس معزولاً عن المداخلات الدولية والإقليمية التي كانت حاضرة أساساً في المنطقة وسعت إلى حرف المتغيرات السياسية نحو مصالحها وأهدافها. اشتبكت تلك المتغيرات وانجدلت على التنافس الدولي والإقليمي ومع المشاريع السياسية التي جعلت الاسلام السياسي السني العربي الأكثري مستنفراً ازاء كل التحديات.
ومن تجربة العراق، التي استبدلت غلبة عصبية طائفية بعصبية أخرى، وتجربة لبنان النزاعية المفتوحة، كانت الأزمة السورية استكمالاً لخطوط النزاع نفسها. لا يمكن عزل الأزمة السورية عن تداخل العوامل النزاعية الخارجية والداخلية، ولا يمكن بالتالي تفسيرها في وجه واحد من وجوهها. إلا أن المسألة الطائفية تبقى الحامل الأساسي لما صار يعرف بصراع المحاور وبالصراع على السلطة. كما ان مشكلات تطور الاجتماع السياسي العربي بتعقيداته وإخفاقاته يشكل الأساس الذي ترتكز اليه الحروب العربية العربية والحروب الاهلية المفتوحة على احتمالات تغيير الدول والكيانات من السياسة إلى الجغرافيا السياسية.

المشاركون في الحلقة: الرئيس حسين الحسيني، د. رغيد الصلح، د. بول سالم، د. فارس ساسين، د. غالب محمصاني، د. حسن الشريف، أ. شوقي فخري. د. طلال الحسيني، سليمان تقي الدين.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s