خطورة اللحظة التاريخية الراهنة التي يمر بها الصراع العربي الإسرائيلي

موقع التجديد العربي

الخميس, 27 يونيو 2013 
1e9191eb3cdf5d9d26b118d371b36cb9.portrait

ناصر دمج

باحث متخصص في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، له العديد من المؤلفات المنشورة، ومئات الأبحاث والدراسات السياسية، ويعمل حالياً باحثاً متفرغاً في مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس.

سبق لدافيد بن غريون أن علل في غير مرة السبب الذي دفع قادة إسرائيل إلى عدم الإعلان عن دستور محدد وواضح المعالم لإسرائيل في أعقاب الإعلان عن (استقلالها) في أيار 1948م، وهو أمر إن تم يجب أن يسبقه – وفقاً لابن غريون- أمر شرطي مسبق، وهو تحديد حدود الدولة المراد ترسيم قوانينها فوق حيز جغرافي محدد وثابت،

وقد استدل الإسرائيليون على هذه الوصفة الدستورية من الخبرة البريطانية في التعامل مع حدود مملكتهم؛ لأن بريطانيا العظمى لم تتمكن من تحديد حدودها منذ أن بدأ عهد الاستعمار في نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وهي التي أطلقت على نفسها اسم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بسبب توزع الأراضي التي تسيطر عليها على مختلف قارات العالم إلى الآن

أما إسرائيل فترى أن حدودها لم ولن يتم ترسيمها على الأرض والورق قبل أن تضع حرب الاستقلال المقدسة أوزارها، والتي قادها نبي إسرائيل الجديد والمدجج بالسلاح (دافيد بن غوريون) ومن بعده كل القادة الإسرائيليين الحالمين بإنجاز المهمة، فعرفنا منهم: موشيه ديان الذي قاد حرب احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء والجولان السوري، ومعه رئيس أركانه إسحاق رابين، وأنهى أرئيل شارون عمره العسكري والسياسي وهو يتطلع إلى هذه المكانة، وهي هدف يصبو إلى بلوغه كل من يعمل في الحقلين السياسي والعسكري الإسرائيليين، ولكن كلمة السر في إنفاذ الخطط تتعلق بطبيعة اللحظة التاريخية المواتية أو المعارضة لإطلاق شارة الهجوم لدبابات (داود وسليمان) لاستكمال مهمة الاستقلال.

ما هي اللحظة التاريخية؟

هي المتغيرات السياسية والعسكرية المحيطة بإسرائيل، وهي الحالة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التي تكون عليها كل من فلسطين والأردن وسوريا ولبنان والعراق ومصر مجتمعة ومتفرقة، وتقييم عناصر وعوامل التفكيك والتحييد والانتصار عليها مجتمعة ومتفرقة، ومن أجل بلوغ هذا الهدف سلكت إسرائيل كل طريق، وفي مقدمتها طريق الحرب والسلام، وحققت من خلالهما نتائج حاسمة حيث نجحت بتحييد كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية عن طريقها، وبقي أمامها العراق وسوريا ولبنان، فتكفل في أمر العراق الولايات المتحدة فتم تدميره وتفكيك جيشه بمشاركة إسرائيلية مباشرة، وتكفل الخراب المأساوي الدائرة فصوله في سوريا بتفكيك سوريا كبلد وجيش ومقدرات وشعب، وهو أمر قدم لإسرائيل أكثر بكثير مما كان من الممكن أن تنجزه هي فيما لو شنت حرباً مباشرة ضد سوريا، وبخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تورط حزب الله في الحرب السورية، وهو ما سيقود إلى جر لبنان إلى مربع الخراب ونهاية خيار المقاومة المسلحة والفعالة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي وصف هذه الحالة قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي (بيني جينتس) أمام مؤتمر هرتسيليا السنوي المنعقد يوم 13-3-2012م: “إن سوريا في طريقها إلى التفكك، وإنها ذاهبة إلى حرب أهلية قد تطول لسنوات على غرار الحرب الأهلية في لبنان 1975م مع اختلاف مستويات الصراع في البعدين الجغرافي والديمغرافي.

وفي نهاية هذه الحرب لن تحتفظ سوريا بوحدة أراضيها كما كان عليه الحال مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية 1991م، فعلى الرغم من حالة الاحتراب اللبناني بين مكوناته الطائفية والدينية والاجتماعية إلا أنه لم يتفكك بشكل نهائي إلى كيانات طائفية ودينية”.

ويتابع جينتس حديثه: “إن الصراع الداخلي في سوريا ستكون خواتيمه بتفكك الدولة السورية، وهو أمر سيكون له مردود مدمر على مكونات الشعب السوري الدينية والطائفية والمذهبية وسيطال تأثيره الدول المحيطة بسوريا التي ستسارع إلى التدخل؛ من أجل تأمين مصالحها من وراء هذا التفكك، وأضاف: إن تفكك سوريا وإدامة الصراعات الداخلية في العراق سيضيف الكثير إلى رصيد إسرائيل الإستراتيجي والجيوبوليتيكي، ويحسن موقعها الإقليمي”.

ولو ربطنا تحليل رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي بحديث دافيد بن غريون المعروف، والذي أدلى به أمام مجموعة من البرلمانيين الأمريكيين من أصول يهودية جاؤوا إلى إسرائيل للتضامن معها بُعيْد الإعلان عن (استقلالها) عام 1948م حيث قال: “ليست العبرة في الإعلان عن استقلال إسرائيل، بل في كيفية الحفاظ عليه، وهذا أمر لن يتحقق إلا بتفكيك سوريا ومصر والعراق”.

عند النظر الآن إلى الحالة التي أصبحت عليها هذه الدول بعد 64 عاماً من نبوءة ابن غريون سنرى أن التفكك والخراب قد استقر في رحاب تلك البلاد، السؤال هنا: هل نحن إذاً أمام اللحظة التاريخية المناسبة لتستكمل إسرائيل معها حرب استقلالها؟

هنا يمكن العودة إلى ما صرح به (بني جينتس) أمام مؤتمر هرتسيليا من جديد للاستدلال منه على إجابة لهذا التساؤل؛ لمعرفة أن إسرائيل أصبحت ممسكة بزمام اللحظة التاريخية المنتظرة أم لا؟

إلى ذلك يقول بيني جينتس: “في ضوء ما يحدث الآن في العالم العربي لم تعد المسألة الفلسطينية موضوعا محورياً يستحق الاهتمام من قبل العالم؛ لأن هناك تطورات محورية تشهدها المنطقة دفعت هذه المسألة إلى الهامش، ولم تعد تشغل بال القيادات ولا الشعوب في العالم العربي؛ لأن العالم العربي يتعرض لعملية انهيار وليس تغييرًا أو تحولا، ولننظر إلى ما يجري في سوريا وفي العراق وفي مصر وليبيا وتونس”.

ويتابع جينتس حديثه قائلاً: “إن المسألة الفلسطينية تراجع ترتيبها على أجندة الأنظمة العربية الرسمية، والجامعة العربية لم تعد تعقد اجتماعاً واحدًا لهذه المسألة بينما تعقد منذ اندلاع الأزمة السورية اجتماعا كل شهر، بناء عليه فإنه بإمكان الدروع الإسرائيلية والقوات الخاصة اقتحام قطاع غزة دون أن يتمخض عن ذلك أي أصداء أو ردود فعل عربية أو إقليمية أو دولية، أما الضفة فإنها تتحول سريعا إلى منطقة يهودية بسبب الاستيطان، لذا فإنني أرى بأن الوضع الإقليمي يسمح ولأول مرة بعد حرب الاستقلال بإعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا في المنطقة بما يتيح توطين جميع الفلسطينيين الذين سيتم تهجيرهم إلى الدول العربية بمن فيهم العرب داخل إسرائيل في بلد كالأردن، إنها اللحظة المناسبة لتغدو دولتنا كياناً يهودياً بهويته وسكانه وثقافته بحيث يخلو من الأغيار (الجوييم).

لقد تغير الوضع الدولي ولن يبادر إلى وصم إسرائيل بالعنصرية إذا ما عملت على إشهار هويتها اليهودية، وبإمكان إسرائيل أن تستخدم أساليب شتى من أجل هذه الغاية كالأسلوب القسري والأسلوب الطوعي الناعم لتنفيذ مشروع التهجير، ولن يحرك العالم ساكناً حول هذا الأمر؛ لأنه بات متكيفاً مع مشاهد حركة نزوح السكان وتحركهم بالملايين عبر حدود الدول المحيطة بإسرائيل، ولو قارنا عدد الفلسطينيين الذين سيهجرون من الضفة الغربية وغزة وداخل إسرائيل مع عدد اللاجئين السوريين والعراقيين في الأردن وتركيا ودول أخرى في المنطقة لوجدنا عدد اللاجئين العرب الذين تركوا منازلهم وخرجوا من العراق إلى سوريا والأردن ومن سوريا إلى لبنان والأردن وتركيا يفوق عدد الفلسطينيين الذين سيخرجون من الضفة الغربية وغزة وداخل إسرائيل بمقدار الضعف”.

نهاية خيار المفاوضات

وتطورت إلى جانب هذه الرؤيا داخل إسرائيل أفكار أخرى تصب في خانتها تماماً وفي مقدمة هذه الأفكار تخلي بنيامين نتنياهو عن خيار حل الدولتين واستبداله بخيار اللاحل، وهو استكمال لمنهجه السابق الذي تمكن معه من استبدال مبدأ الأرض مقابل السلام بمبدأ الأرض مقابل الأمن في مفاوضات واي ريفر، وتلا ذلك دفع نتنياهو للعديد من وزرائه للإفصاح عن مواقف تجريبية وذات مرامي تكتيكية ماكرة من نوع الترحيل والتهجير بسبب استحالة قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية، ووصول حل الدولتين إلى طريق مسدود، جاء ذلك على لسان وزير الاقتصاد الإسرائيلي وزعيم حزب (البيت اليهودي) نفتالي بنيت يوم 17-6-2013م حيث قال: “إن مشروع حل الدولتين بإقامة دولة فلسطينية على أرض إسرائيل دخل في مأزق عميق، ومن اليوم فصاعداً علينا فحص كيف ستسير الأمور كي يكون هذا المشروع من خلفنا”.

وسبقه إلى هذا الاستنتاج نائب وزير الجيش الإسرائيلي الليكودي دانى دانون في تصريح للإذاعة العبرية بتاريخ 5-6-2013م مفاده “إن الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو تعارض بشدة حل الدولتين للشعبين مع الفلسطينيين، وإن إسرائيل لن تسمح بإقامة مثل هذه الدولة داخل الحدود الإقليمية التي كانت موجودة قبل حرب عام 1967م ولا تعترف بحدود العام 1967م من أساسها”.

ولن يكون من باب الصدف أبداً إطلاق الحكومة الإسرائيلية عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية كافة حملة (أخبر ابنك)، وهي حملة تهدف إلى تدويل قضية أملاك اليهود الذين خرجوا من الدول العربية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة مع بداية أربعينيات القرن العشرين، وهي مسألة تتطلع إسرائيل إلى مساواتها مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، وترمي إلى مطالبة الدول العربية التي لجأ منها اليهود بتعويضات مالية كبيرة عن ممتلكاتهم ومعاناتهم على غرار التعويضات التي تحصل عليها من ألمانيا؛ بسبب المذابح التي تعرض لها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية على يد الجيش الألماني، وذلك بهدف تعقيد موضوع عودة اللاجئين الفلسطينيين.

وقالت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية الصادرة يوم 16-6-2013م: “إن هذه الحملة هي ثمرة قرار حكومي تم اعتماده في العام 2009م، ويقضي بتغيير السياسة القديمة المتعلقة برواية اليهود المهاجرين من الوطن العربي والاعتراف بهم كلاجئين سُلبت أملاكهم في الدول العربية، لتشكّل بذلك ورقة مساومة يتم طرحها في إطار أي مفاوضات مستقبلية لتسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين”.

وأضافت هآرتس “لقد أيقنت إسرائيل أنه سيصعب عليها التهرب من الضغط الدولي للاعتراف بمسؤولية محدودة على الأقل عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ولما كان حق العودة أمرًا محظورًا فمن المنطق أن نفترض اضطرار الدولة إلى مواجهة طلبهم بتعويضات على الأقل، لذا قامت بتغيير سياستها تجاه رواية هجرة اليهود من الشرق واعترفت بهم رسميًا كلاجئين”.

وتسعى الحكومة الإسرائيلية من وراء تحركاتها في هذا الملف إلى خلق كارثة يهودية كبيرة تكون بمثابة المضاد للنكبة الفلسطينية عام 1948م، والتي أسفرت عن تشريد أكثر من 800 ألف فلسطيني وتهجيرهم، والهدف الأساسي منها إحراز ورقة مساومة في تسوية ملف اللاجئين الفلسطينيين.

استنتاج

من الواضح أن القيادة الإسرائيلية منشغلة بالتحضير لتنفيذ إستراتيجيات تاريخية، وتحولت إلى اعتناق الأفكار التي وضعها جيل الرواد في الأدراج، وهذا يعني أنها ستتجاوز في مراميها وأبعادها الحالة الفلسطينية الراهنة، والتي تمثلها السلطة الفلسطينية التي صرف النظر عن وجودها إلا بما يخدم تنفيذ الإستراتيجية ذاتها، وفي مقدمتها الحفاظ على أمن المنطقة إلى أن يقرر الإسرائيلي تفجيرها، وهذا يعني أن كل حديث حالي عن المفاوضات والعودة إليها هو مجرد لعب محسوب في إدارة الوقت الصراعي.

السؤال الذي أطرحه على القيادة الفلسطينية: كيف ترى هذه المسألة؟ وهل لديها تصور ما للتعامل مع هذه المخاطر الكامنة في حركة التغيير التاريخي والجغرافي المحيط بفلسطين؟ وكيف ستواجه مخاطر هذا التهديد؟ هل ستدعو الناس للخروج من قلب الهجوم للنجاة من الموت والعودة بعد حين على غرار ما يحدث في سوريا (2 مليون لاجئ) أم ستدعوهم للموت في ساحات البيوت على غرار النموذج البوسني أم ماذا؟

وأقول أيضاً أما آن الأوان لمعاملة الإسرائيلي بالمثل وقيادة الشعب العربي الفلسطيني لمواجهة هذا الخطب الوافد من جحيم التحولات التي تعصف بدول الجوار الإقليمي لفلسطيني بدلاً من إضاعة الوقت أو صرف جله على مشاورات العودة إلى المفاوضات بشروط أو بدون شروط؟

*******

nasserdamaj@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s