التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية‏29- حزيران‏ 2013

a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6.portrait

د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي 

29 حزيران 2013

29-06 -2013

المقدمة:  

ملفات عدة متنوعة تناولتها مراكز الأبحاث الأميركية, أهمها ملف تجسس وكالة الأمن القومي الذي كشفه الشاب الأميركي ادوارد سنودن, وسورية وتركيا.

سيستعرض قسم التحليل العقبات التي تواجه الرئيس أوباما في سعيه لالقاء القبض على سنودن, على المستويين الداخلي والدولي. اذ وفر كشف سنودن فرصة نادرة لكل من روسيا والصين لتسديد سهامها على نفاق الولايات المتحدة في اتهاماتها لهما بالانخراط في جهود التجسس الالكتروني, فضلا عن تداعي مصداقية السلطة السياسية الأميركية, التشريعية والتنفيذية, لدى المواطنين الاميركيين.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

سورية:

        حث معهد بروكينغز Brookings Institution الولايات المتحدة الانخراط مجددا في سورية “ولعب دور اكبر لتنسيق جهود الحملة العسكرية للمتمردين السوريين … حسابات الرئيس الاسد ورعاته الإيرانيين لن تشهد تغييرا هام لحين وقوع مدينتي حلب ودمشق تحت السيطرة التامة والدائمة للمتمردين, “مطالبا بتوفير سبل الدعم المطلوب لهم.

        سلط معهد واشنطن Institut de Washingtonالضوء على بيان “الجبهة الإسلامية في سورية,” الصادر مطلع العام الجاري سيما وانها ترمي الى “انشاء مجتمع مدني إسلامي في سورية, يخضع لحكم الله,” ومناهضتها لمجرد مبدأ الديموقراطية وافضليتها “لحكم الشريعة.” وأوضح ان الموارد الهائلة التي تتصرف بها الجبهة مصدرها “مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية ومؤسسة قطر الخيرية.”

        كما سلط المعهد الضوء على الشق المقابل في المعادلة السورية, بالزعم ان “لواء أبو الفضل العباس المكون من لفيف غالبيته مقاتلين من شيعة العراق تلقى تنظيمه ودعمه من قبل قوات القدس” يقاتل بصحبة آخرين الى جانب الجيش العربي السوري. واردف ان حجم القوة المنخرطة في القتال يتراوح بين 800 الى 2000 مقاتل “جلهم من عصائب اهل الحق .. التي انشقت عن التنظيم الصدري عام 2006 .. يساندها قوة احترافية لكتائب حزب الله التي تأتمر بإمرة قوات القدس .. وتلقى دعما من كتائب سيد الشهداء بقيادة مصطفى الشيباني .. “

قطر:

        انتقال السلطة في قطر كان من ضمن اهتمامات معهد واشنطن Institut de Washington نظرا لتزايد القلق حول صحة الأمير الأب, ولافتا النظر الى “خطوة استبدال الأمير الجديد لرئيس الوزراء ووزير الخارجية على جناح السرعة .. مؤكدا ان بلاده ستحترم سيادة وسلامة كافة أراضي العرب.”

الأردن:

        أشادت مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات Fondation pour la Défense des Démocraties بمكانة الأردن كحليف للولايات المتحدة الذي “وافق على استضافة قوات عسكرية أميركية على أراضيه.” ونوهت المؤسسة الى ان الأردن “ليس من المرجح دخوله أجواء الربيع العربي .. سيما وان العاهل الأردني لا ينتمي للتيار الإسلامي.”

مصر:

        اعرب المجلس الأميركي للسياسة الخارجية Conseil politique étrangère américaine عن قلقه لقرب “نفاذ المنتجات النفطية في مصر وتفسخ قطاع استخراج النفط” الامر الذي سيفاقم الازمة الاقتصادية الراهنة “غير المسبوقة في دائرة اتساعها وحدتها .. وهي أسوأ ازمة اقتصادية تهدد البلاد منذ عقد الثلاثينيات” من القرن المنصرم.

ايران:

        زعم مركز السياسة الأمنية Center for Security Policyان لدى ايران “خلايا إرهابية منتشرة في كافة ارجاء المعمورة من ضمنها البرازيل والولايات المتحدة وغايانا والبراغواي واوروغواي وتشيلي وكولومبيا وترينيداد وتوباغو وسورينام” في اميركا اللاتينية. واسند زعمه واستنتاجاته الى تقرير المدعي العام في الارجنتين, البيرتو نيسمان, المكلف بتقصي انفجارات استهدفت معبد يهودي في بيونس آيريس في العام 1994 سيما لما ورد فيه من اتهامات لإيران بأنها “بصدد إقامة محطات استخبارية في كل البلدان ..”

        شدد معهد بروكينغز Brookings Institutionعلى تغليب الحل السلمي للملف النووي الإيراني في اعقاب الانتخابات الإيرانية الاخيرة, محذرا الكونغرس من اللجوء الى “استصدار قرار بإعلان الحرب او طرحه للتداول او التصويت عليه .. اذ ينبغي التركيز على الهدف الأسمى لدرء نشوب حرب, وليس الترويج لها.” وأوضح انه “من الحكمة ان يتريث الكونغرس بضعة أسابيع للبحث في هذا الشأن .. وإتاحة الفرصة للرئيس المنتخب حسن روحاني تسلم مهام منصبه في شهر آب المقبل وتقييم وجهته ان كان حقا يرغب في التوصل الى تسوية معقولة قبل الانخراط في جدل علني صاخب في أروقة الكونغرس. “

         لفت مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية SCRS النظر الى العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة وايران في تعاملهما مع ملفات ساخنة في كل من الباكستان وأفغانستان والهند. وأوضح في دراسة أصدرها بهذا الشأن ان لدى ايران “علاقات سياسية واقتصادية مع أفغانستان وكذلك مع الباكستان والهند وكل دول آسيا الوسطى .. لما لها من انعكاسات على بلورة الصراع الأميركي – الإيراني .. سيما لما تمثله من مخاطر سياسة التقارب الإيرانية مع باكستان على المصالح الأمنية الأميركية. ” وحذر المركز في دراسته من تداعيات “خفض المساعدات العسكرية الأميركية لدول آسيا الوسطى والتي من شأنها تغيير طبيعة الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وايران في المنطقة” لصالح الأخيرة.

        “الانتخابات الرئاسية الإيرانية لا ينبغي ان تثير حماس العالم الغربي بأن هناك ما يرتجى من تغيير إيجابي قادم,” وفق زعم معهد واشنطن Institut de Washington. وحذر المعهد صناع القرار من الانجرار وراء نغمة التغيير “وما قد تتركه من بصمات على مأزق الملف النووي, سيما وان تاريخ الجمهورية الإسلامية يدل على ان انتماء الرئيس لأي من الفريقين” المعتدلين او الإصلاحيين “لا يتم ترجمته بتبني نزعة الاعتدال نظرا لايواء ايران للارهاب .. كما لا يتوفر أي دليل على قدرة (الرئيس المنتخب) روحاني الانفراد بالسياسة بمعزل عن قرار المرشد الأعلى “للبلاد.

تركيا:

        أشار معهد واشنطن Institut de Washingtonالى حالة “الانقسام العامودي في السياسة التركية بين مؤيدي ومناهضي سياسة حزب الحرية والعدالة الحاكم, شبه مناصفة.” ولفت النظر الى ان مطالب “الطبقة الوسطى والعلمانيين والليبراليين ليست موجهة بالضرورة ضد سياسات حزب الحرية والعدالة, بل مطالبتهم منح مزيد من الحريات الفردية وتطبيق افضل للديموقراطية.” وناشد المعهد المسؤولين الاتراك “الابتعاد عن توجيه الاتهامات يمنا ويسارا لترسيخ نظرية المؤامرة الشاملة بدعم من قوى خارجية .. اذ ان المظاهرات الواسعة اثبتت انها نتيجة حراك شعبي تركي اصيل, وينبغي على الحكومة الاصغاء جيدا الى مطالبها.”

        دان معهد هدسون Institut Hudson “الهجوم الذي يشنه (رئيس الوزراء) اردوغان على ارث المؤسس اتاتورك .. اذ أدت الاحتجاجات الى زعزعة قبضة اردوغان القوية على البلاد.” وعول المعهد على تنامي وتيرة الاحتجاجات التي ستحدد “الجهة الرابحة,” اما نحو الار ث العثماني لاردوغان او نحو اتاتورك.

السياسة الأميركية:

        حذر مركز السياسة الأمنية Center for Security Policyمن تداعيات تعيين الرئيس أوباما لسوزان باور كممثل دائم للولايات المتحدة في الهيئة الدولية “اذ ان مؤهلاتها المتواضعة تؤشر على اضغاث أحلام أيديولوجية منفصلة عن الواقع فحسب, بل تمثل اكبر تهديد لسياسة يجري تنفيذها مع شعوب وحضارات تمقت الضعفاء.” واردف ان الوقت الراهن “لا يحفز على المغامرة الديبلوماسية او الولوج في حقل التجارب .. فلسفة وقناعات باور ستؤدي الى اضعاف مكانة الولايات المتحدة على المسرح الدولي, وارغامنا على التسليم بشروط اجندة دولية تهدد بالقضاء على القيم الغربية .. في زمن نواجه فيه إمكانية نشوب حرب نووية في الشرق الأوسط. “

        نددت مؤسسة هاريتاج Heritage Foundation بنية الرئيس أوباما اجراء تخفيض في الترسانة النووية الأميركية, مطالبة “بتحديث ترسانة الأسلحة النووية الراهنة وضمان حيوية مجمع الأسلحة النووية الذي يعد امرا حساسا لضمان مصداقية ترسانة الأسلحة النووية الأميركية -. التي يعتمد عليها زهاء 30 دولة حليفة ونيف عبر العالم”

التحليل: 

فضيحة سنودن تكشف عن المزيد من الارتباك في سياسات أوباما الداخلية والخارجية

                تكفل أوباما مؤخرا بتخفيض ترسانة الولايات المتحدة العسكرية خلال زيارته لبرلين متمنيا اقتداء روسيا بالمثل “في المفاوضات المقبلة لخفض المخزون العسكري,”   سبقه لقاءه مع الرئيس الصيني زي جين بينغ على الأراضي الأميركية اذ وصفه بخطوة إيجابية للوثوب قدما في علاقاتهما المشتركة.

        ما لبث ان تلبدت الأجواء عقب افشاء الخبير في مجال التقنية الالكترونية, ادوارد سنودن, تجسس وكالة الأمن القومي (بالغة السرية) على المواطنين الاميركيين والعالم , في الداخل والخارج, مما عكر مشاعر الاميركيين ودول أخرى بسببها, لا سيما في بكين وموسكو. كان لافتا مدى قلق الصين لما ورد بتجسس الولايات المتحدة عليها مما حفزها الى اغفال طلب واشنطن تسليمها سنودن والسماح له بمغادرة هونغ كونغ بحرية.

        روسيا أيضا شاطرتها مشاعر الامتعاض وسمحت له المرور بمطار موسكو, كما يقال, ورفضت ترحيله, بينما الغت واشنطن جواز سفر سنودن.

        عقبات عدة تواجه مساعي الولايات المتحدة لاستعادة سنودن خاصة بعد توجيهها اتهامات له تستند الى قانون التجسس, اذ يعتبر الخبراء القانونيون ما قام به سنودن يمثل جناية سياسية, فضلا عن الثغرات المتعددة التي تشوب معاهدات تسليم المطلوبين بين الدول.

        الحيرة والارتباك هي الميزة العامة للرئيس أوباما الذي ما فتئ يعد المرة تلو الأخرى ببذل جهود عالية لاصلاح سمعة اميركا عبر العالم وإعادة النظر في علاقاتها مع الخصوم الدوليين في الوقت عينه. تضعضعت صورة الدولة القوية لاميركا في نظر العالم جراء كشف سنودن عن عمليات التجسس.

        استعادة سنودن للمثول امام القضاء الأميركي أضحت هدفا رئيسا للسياسة الأميركية, مقابل فشل جهودها في التزلف ومداهنة كل من الصين وروسيا لاغرائهما بالتعاون وتسليم المطلوب لها. برز تبلور الازمة في هونغ كونغ, الخاضعة للسيادة الصينية, اذ ادلى الناطق باسم البيت الأبيض, جاي كارني, بتصريح مطول حول سلسلة الاتصالات التي أجريت مع هونغ كونغ الخاصة بطلب اعتقال سنودن مؤقتا.

        وأوضح كارني ان سلطات هونغ كونغ “تسلمت الطلب الأميركي يوم 17 حزيران. وعلى الرغم من تعدد المحاولات, فان سلطات هونغ كونغ لم تبد تجاوبا لأي طلب بمزيد من الوثائق او المعلومات, مكتفية القول ان المسألة قيد النظر ورفضت الخوض في التفاصيل. وفي يوم من 21 حزيران, طلبت سلطات هونغ كونغ معلومات إضافية تتعلق بالتهم الأميركية والاثباتات. ودأبت الولايات المتحدة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة فيما يتعلق بتلك الاستفسارات “واضاف وكنا بصدد الرد عليها حينما علمنا ان سلطات هونغ كونغ سمحت للطريد مغادرة أراضيها”.

         وأردف كارني ان الولايات المتحدة “غير مقتنعة بأن ما جرى مثل قرارا اجرائيا أقدم عليه مسؤولو دائرة الهجرة في هونغ كونغ. بل انه قرار مدروس من قبل الحكومة لإطلاق سراح هارب (من العدالة), على الرغم من توفر مذكرة صالحة لإلقاء القبض. تلك الخطوة لها انعكاس سلبي على العلاقة الأميركية الصينية دون جدال. “

        وغضبت الولايات المتحدة مرة أخرى لسفر سنودن بالطائرة متجها الى روسيا. وأوضح المتحدث باسم البيت الأبيض ان الولايات المتحدة “علمت مغادرة (سنودن) هونغ كونغ بالأمس وقد حط في روسيا. فيما عدا ذلك, دعوني ارشدكم التوجه بالاستفسارات حول مكان اقامته الى السلطات الروسية.”

        بالرغم من مشاعر الاستياء والامتعاض البارزة في أروقة وزارة الخارجية, الا انه لا تتوفر أي جهود للتدخل من قبل الرئيس أوباما, كما أوجز الناطق الرسمي كارني بالقول “لا تتوفر اتصالات على المستوى الرئاسي,” مما يشير الى عدم اجراء أوباما اية اتصالات مع الزعماء الصينيين او الروس.

        واستدرك المتحدث الرسمي بالقول “بيد انه من الطبيعي اننا نجري اتصالات مع نظرائنا على المستويات المطلوبة.” وجرت عدة تحركات من قبل مسؤولين اميركيين رفيعي المستوى نحو نظرائهم الروس في غضون بضع ساعات من تصريحات كارني. اذ افاد مسؤول أميركي ان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي, روبرت ميوللر, أجرى اتصالات مع نظيره الروسي مرتين في ذات اليوم; الى جانب جهود مماثلة قام بها السفير الأميركي لدى موسكو, مايك ماكفول, ونائب وزير الخارجية الأميركية, ويليام بيرنز.

        يدرك الرئيس أوباما ضعف موقفه التفاوضي مع كل من الصين وروسيا, سيما توجيهه اتهامات للصين بالقرصنة الالكترونية على الدوام. اذ أوردت وكالة الانباء الصينية الرسمية ان “الساسة الاميركيين ووسائل الاعلام وجهوا اتهامات تباعا ضد الصين بالتجسس عبر شبكة الانترنت, في الأشهر القليلة الماضية, سعيا لوضعها في مرتبة المرتكب الأكبر لاعمال التجسس على الانترنت. بل جرى التوكيد على تلك الاتهامات خلال لقاء القمة الذي كان يعول عليه بين الرئيس زي جينبينغ ونظيره الأميركي باراك أوباما مطلع الشهر الجاري في كاليفورنيا, الذي تم التحضير له لتسهيل مجريات التعامل بين أكبر اقتصادين في العالم لبلورة نمط علاقات جديدة للقوى الكبرى. ” وأضافت الوكالة في تعليقها ان “الكرة الآن في ملعب واشنطن. من الأفضل لواشنطن التحرك لتهدئة مخاوف الدول الأخرى.”

        بالمقابل, موقف أوباما مع روسيا ليس بأفضل حال. فقد أعلن على الملأ عن نيته حفض مستويات الأسلحة التقليدية والنووية, مما يحد من قدرته على المناورة في المفاوضات مع روسيا اذ شكلت تلك الترسانة ورقة ضغط استغلها كل الرؤساء الاميركيون في محادثاتهم مع الروس. القادة الروس, من جانبهم, تحدوهم الرغبة للتعرف على حجم وطبيعة المعلومات التي بحوزة ادوارد سنودن فيما يتعلق بجهود تجسس وكالة الأمن القومي الأميركية على روسيا, خاصة بعد كشفه عن جهودها التجسسية ضد الرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف خلال قمة الدول العشرين الصناعية قبل بضعة سنوات.

        اما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فقد نفى أي علاقة مع سنودن قائلا في مؤتمر صحفي عقده خلال زيارته لفنلندا “اجهزتنا الخاصة لم تعمل مع سنودن في السابق مطلقا ولا تعمل معه اليوم.” يذكر ان تصريح بوتين جاء ليؤكد على عدم توفر معاهدة متبادلة لتسليم المطلوبين بين روسيا والولايات المتحدة; وعليه, عدم تمكنها من التجاوب مع الطلب الأميركي.وأوضح بوتين ان “السيد سنودن حر طليق, وكلما أسرع باختيار محطته الأخيرة سيعود بالفائدة علينا وعليه.”

        في المحصلة العامة, اغفال روسيا ورئيسها بوتين الرغبات الأميركية فيما يتعلق بسورية وإيران يدل على عدم تأثير قضية سنودن على سياستها البتة.

التداعيات الداخلية

        قضية سنودن تترك بصماتها بوضوح على المشهد الأميركي الداخلي وتقوض شعبية الرئيس أوباما, سيما لحالة الانقسام بين الساسة والمسؤولين الاميركيين الراغبين بتسلم سنودن وتقديمه للقضاء, وبين النبض الشعبي الذي لا يجمع على ذلك. تجدر الإشارة الى تأييد “حزب الشاي” المتطرف والناخبين الشباب لما قام به سنودن. اذ أشار استطلاع للرأي أجرته شبكة فوكس للتلفزة مؤخرا ان نحو 67% من أنصار حزب الشاي ينبذون إجراءات الدولة للتجسس عليهم, فضلا عن نحو 58% من الفئة العمرية ما دون 30 عاما, و 57% من المستقلين يشاطرونهم الرأي للتنديد بجهود التجسس. بل أعرب نحو 71% من المستطلعة اراءهم عن ريبتهم من تنامي نفوذ الحكومة الأميركية في الشأن العام, وأوضح نحو 62% عن رأيهم بعدم الثقة بالحكومة المركزية. تلك المؤشرات لا تنبيء خيرا للرئيس أوباما فيما تبقى من ولايته الرئاسية.

        المعضلة التي يواجهها أوباما تتجسد في مهارته لوقف تدهور هيبة بلاده في الخارج وحصد دعم سياسي في الداخل الأميركي. في ظل هذه الثنائية يبرز تساؤل مشروع حول ان كان استحضار سنودن سيخدم رصيد الرئيس أوباما, سيما وانه يميل للاحجام عن القاء القبض على أعداء بارزين وتقديمهم للقضاء نظرا لاعتبارات قضائية وتعقيدات سياسية تنطوي عليها تلك الجهود, مما يسلط الضوء على خياره المفضل باستخدام طائرات الدرونز للقيام بهجماتها على اهداف منتقاة في الشرق الأوسط وافريقيا.

        لو افترضنا جدلا قيام روسيا بتسليم سنودن, سيترتب على الرئيس أوباما التعامل مع المظاهرات والاحتجاجات المؤيدة لما قام به سنودن, وخفض مساحة التغطية الإعلامية المخصصة للبيت الأبيض من بعض وسائل الاعلام المتعاطفة معه. كما تخشى السلطات الأميركية اضطرارها لإفشاء معلومات حساسة تفضح اساليبها حال انعقاد محاكمة علنية لسنودن.

        القاء القبض على سنودن, لو تم, لن يضع حدا لجهود تسريب المعلومات الخاصة بالجهود الحكومية, سيما وان الصحافي الشهير في الغارديان اللندنية, غلين غرينوالد, أوضح ان “غالبية جهود البوح بمعلومات هامة لم تتم بعد,” مما يدل على ان بحوزة الصحيفة قدرا اعلى من المعلومات التي من شأنها احراج الأجهزة الأمنية الأميركية. وقد تلجأ الصحيفة المذكورة الى نشر مزيد من المعلومات ان أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال سنودن.

        السماح لسنودن بالمغادرة الى الاكوادور مرورا بكوبا قد يكون اهون الشرين بالنسبة للولايات المتحدة, فضلا عما تشكله من ضربة في صميم المصداقية الأميركية, فان خياراتها تبقى محدودة للغاية. قد تلجأ الولايات المتحدة الى اعتراض الطائرة المدنية التي تقل سنودن في الأجواء الدولية, وما سيترتب عليها من أزمات ديبلوماسية مع الدولة المالكة للخطوط الجوية المعنية. اما الرئيس أوباما فقد صرح انه “ليس بوارد الهرولة لاستخدام سلاح الجو لإلقاء القبض على قرصنة قام بها شخص ذو 29 عاما.”

        اما تداعيات قبول الاكوادور توفير اللجوء السياسي لسنودن فستنعكس اقتصاديا عليها, اذ أوضح النائب الجمهوري عن ولاية ميتشيغان, ساندر ليفن, ان التبادل التجاري بين الاكوادور والولايات المتحدة سيتعرض للمجازفة في حال منحت لجوءا سياسيا لسنودن. وقال “ان قامت (الاكوادور) بذلك, لن نجد أرضية لمجرد النقاش معهم بشأنه.” تجدر الإشارة الى ان الولايات المتحدة تلوح بتهديد مماثل ضد أي دولة قد تمنح سنودن ملاذا.

        ان نفذ سنودن رغبته بالتوجه الى احدى بلدان اميركا اللاتينية المناوئة للولايات المتحدة, الاكوادور او كوبا او فنزويلا, قد يكلفه خسارة بعض المتعاطفين معه, اذ من العسير إطلاق وصف “مؤيد للحرية” عليه في أي من تلك البلدان, خاصة بعدما اختفى عن الأنظار في روسيا والصين. الضرر المترتب على جهوده سيبقى يلاحق وكالة الأمن القومي, بيد ان الدلائل على مخالفات الوكالة سيطالها التلوث جراء الخطوة التي أقدم عليها سنودن.

        فضيحة تجسس وكالة الأمن القومي ستترك بصماتها على سير ونتائج الانتخابات النصفية التي ستعقد في العام المقبل, يرافقها الفضائح السياسية الأخرى للرئيس أوباما الى جانب تردي الحالة الاقتصادية. وكلما سعى الرئيس أوباما اثارة المسألة سترتد عليه سلبا نظرا لتذكر الناخبين لها عند الادلاء بأصواتهم.

        تصدر وزير الخارجية جون كيري جهود التراجع عن التصريحات النارية ضد موسكو. ويسود الاعتقاد بان يدا البيت الأبيض ليستا طليقتين لاتخاذ ما يلزم باستثناء تجميد العمل بتسليم اي محتجزين لروسيا, لكن الشك لا يساور أحدا بأن ليس من بين اولئك ما يوازي الأهمية التي يشكلها سنودن بالنسبة للحكومة الأميركية. أوراق أوباما التفاوضية في تراجع على مستويات السياسة الخارجية والداخلية, وليس هناك ما يدعو للاستغراب من نزوعه المبكر لصرف النظر عن المسألة.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s