تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأميركي 2012″الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة” -الحلقة الثالثة عشرة، والأخيرة

العالم البديل الثالث: جني خارج القمقم*
 العالم البديل الرابع: عالم غير الدول
 جريدة الغد الاردنية
 17/03/2013
مدينة عملاقة كما تخيلها فنان – أرشيفية 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
يهدف هذا التقرير إلى حفز التفكير في التغييرات الجيوسياسية السريعة والواسعة التي تميز عالم اليوم والمسارات العالمية المحتملة خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين المقبلة. كما هو الحال مع تقارير مجلس الاستخبارات القومية السابقة حول الاتجاهات العالمية، فإننا لا نسعى للتنبؤ بالمستقبل -والذي سيكون مُرتقى صعباً ومستحيلاً- لكننا نسعى بدلا من ذلك إلى تقديم إطار للتفكير في الاحتمالات المستقبلية الممكنة والآثار المترتبة عليها.
وقد (بدأنا) هذا التقرير بتحديد ما نرى أنه الاتجاهات الكبرى الأكثر أهمية في عالمنا المتغير -تمكين الفرد؛ توزُّع القوة العالمية إلى شبكات متعددة الوجوه وانسيابها من الشرق إلى الجنوب؛ والأنماط الديموغرافية التي ستكون أبرزها شيخوخة السكان وحدوث انفجار في أعداد المنتمين إلى الطبقات الوسطى؛ والتحديات التي تشكلها الموارد الطبيعية. وهذه الاتجاهات الكبرى تمكن معرفتها، وهي تشير في حد ذاتها إلى عالم متغيّر، لكن العالم يمكن أن يُحوّل نفسه بطرق مختلفة جذرياً. وباختصار: إننا نتجه إلى مياه لا يمكن سبر أغوارها.
ونحن نعتقد بأن هذه الاتجاهات الكبرى تتفاعل مع ستة متغيرات، أو “مغيرات للعبة” والتي سوف تحدد أي نوع من العالم المتغير سوف نَعمُر في العام 2030. و”مغيرات اللعبة” هذه -الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد العالمي؛ وطبيعة الحكم الوطني والكوني؛ وطبيعة الصراعات؛ والتحولات الإقليمية؛ والتقنيات المتقدمة؛ ودور الولايات المتحدة في المسرح الدولي- هي العناصر الخام التي يمكن أن تزرع بذور الفوضى العالمية أو قدراً مذهلاً من التقدم العالمي على حد سواء.
وبناء على ما نعرفه عن الاتجاهات الرئيسية الكبرى، وبتصور التفاعلات الممكنة بين الاتجاهات الكبرى ومغيرات اللعبة، فإننا نستشرف أربعة أشكال محتملة للعالم في العام 2030: على أحد طرفي الطيف، ثمة عالم متوقف المحركات، والذي تتعاظم فيه الصراعات بين الدول وتعيد فيه الولايات المتحدة تخندقها. وعلى الطرف النقيض، ثمة عالَم مندمج منصهر مستعادُ التوازن، والذي يكون فيه التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتقني والسياسي مظهرا واسع الانتشار. وفي الوسط، ثمة إمكانيتان أخريان: عالم “جنّي خارج من القمقم”، والذي تسوده المظالم وتنعدم فيه المساواة؛ أو عالم اللادولة، الذي يزدهر فيه اللاعبون من غير الدول، سواء للخير أو الشر. وهكذا، تتلخص تصوراتنا عن العالم في العام 2030 في هذه الاحتمالات:

6dfcd36d97dff2d6226eacb100c08c9a

العالم البديل الثالث: جني خارج القمقم*
في سيناريو “جني خارج القمقم”، يسود تفاوت الدخل وانعدام المساواة في داخل البلدان، وبين البلدان الغنية والفقيرة. ويصبح العالم أكثر ثراء -بينما ينمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي- لكنه يكون أقل سعادة فيما تصبح الفوارق بين من يملكون ومن لا يملكون أكثر حدة وأقل قابلية للتغيير باطراد. ويتحدد العالم بشكل متزايد بدائرتين داعمتين لنفسيهما -واحدة فاضلة تفضي إلى زيادة الرخاء، وأخرى شرسة، تفضي إلى الفقر وعدم الاستقرار. وتتزايد التوترات السياسية والاجتماعية. وفيما بين البلدان، يكون هناك فائزون وخاسرون واضحون تماماً. وتبلي البلدان المحورية حسناً في منطقة اليورو القادرة على المنافسة عالمياً، في حين تضطر الأخريات على الأطراف إلى الخروج. ويتعثر الاتحاد الأوروبي ويتشظى في نهاية المطاف. وتبقى الولايات المتحدة هي القوة البارزة، محققة تحولاً اقتصادياً تغذيه ثورتها الجديدة في الطاقة، والابتكار التكنولوجي والسياسات المالية الحكيمة، والضعف النسبي لكثير من المنافسين المحتملين. ومع ذلك، ومن دون فك الارتباط تماماً، لا تعود الولايات المتحدة تحاول لعب دور “شرطي العالم” في مواجهة كل تهديد أمني.
تعاني أجزاء من أفريقيا أكثر من غيرها. ويُنظر إلى انشقاقات إريتريا عن إثيوبيا، وجنوب السودان عن السودان، بنظرة استعادية كسوابق لهذه الحقبة التي أعيد فيها ترسيم الحدود في كل منطقة الساحل الأفريقي. وتنقسم البلدان على أسس طائفية وقبلية وعرقية. ويتبين أن ثورة الصخر الزيتي والغاز التي تعود بالفائدة على الولايات المتحدة تمارس تأثيراً كارثياً على تلك الدول الأفريقية المعتمدة على صادرات النفط. وتشكل الدول الفاشلة في أفريقيا والأماكن الأخرى ملاجئ للمتطرفين السياسيين والدينيين، والمتمردين، والإرهابيين.
يوجه التحول في سوق الطاقة العالمي وفشل المملكة العربية السعودية في تنويع اقتصادها ضربة إلى الرياض بشكل خاص. وينمو اقتصاد العربية السعودية بالكاد خلال هذه الفترة فيما عدد سكانها يتزايد باطراد. وتهبط حصة الفرد من الدخل في السعودية من حوالي 20.000 دولار اليوم إلى ما يزيد قليلاً على 16.000 دولار فقط بحلول العام 2030. وفي مواجهة هذا التحدي الاقتصادي، لا تعود المملكة تمتلك الموارد اللازمة للعب دور إقليمي رئيسي في المنطقة.
في الأماكن الأخرى، تستمر المدن في مناطق الصين الساحلية بالازدهار، لكن التفاوت في الدخل يتزايد. ويصل السخط الاجتماعي إلى الذرى بينما لا تتحقق توقعات الطبقة الوسطى سوى لأولئك من “حسني الصلات”. وتظهر الصدوع في القيادة الصينية بينما يناضل أعضاؤها من أجل الثروة، وهو ما يولد الشكوك الذاتية بدوره، ويقوض شرعية المؤسسات الحاكمة. وبينما يواجه أوقاتاً في حكم تزداد صعوبة باطراد، يعود الحزب إلى إثارة نزعة الحماسة القومية.
في هذا العالم، ينعكس الافتقار إلى التماسك المجتمعي محلياً على المستوى الدولي. ومع أوروبا أضعف وولايات متحدة أكثر تحفظاً، تنخفض المساعدات الدولية لأكثر السكان ضعفاً وهشاشة. وتظل القوى الكبرى على خلاف؛ وترتفع احتمالات نشوب الصراع. ويفشل عدد متزايد من الدول، فيما ينجم في جزء منه عن الافتقار إلى قدر من التعاون الدولي في مجالات المساعدة والتنمية. ويستمر النمو الاقتصادي بالمضي بوتيرة معتدلة، لكن العالم أصبح أقل أمناً بسبب الصدوع السياسية والاجتماعية القائمة على جميع المستويات.
في العام 2028، أطلقت رئيسة تحرير “نيو ماركيسيت ريفيو” مسابقة لأفضل مقال قصير عن معنى ماركس والشيوعية بعد 210 سنوات من مولد كارل ماركس في العام 1818. ولدهشتها الشديدة، تدفقت على المجلة آلاف الطلبات. وواجهت صعوبة كبيرة في غربلة الأكوام واختيار فائز، لكنها وجدت مقالة تنتظم العديد من الثيمات المفيدة. وقد أقامت المقالة الحجة على أن ماركس لم يمت، وإنما ما يزال يزدهر ويبلي حسناً في القرن الحادي والعشرين أكثر مما كان ليتصوره أي شخص قبل 15 أو 20 سنة فقط. وفيما يلي مقتطفات من هذه المقالة:
ماركس .. مُحدَّثاً للقرن الحادي والعشرين
شكل تفكك الاتحاد الأوروبي قبل بضع سنوات حالة كلاسيكية للحتمية الماركسية. وبأحد المعاني، كان ما رأيناه نقلاً للصراع الطبقي إلى الساحة الإقليمية الأوسع، حيث يلعب شمال أوروبا دور البرجوازية الاستغلالية، وجنوب البحر الأبيض المتوسط دور البروليتاريا العزلاء. وهذه التوترات، كما يخبرنا ماركس (ولينين، بالمناسبة) لا يمكن حلها إلا من خلال الصراع والتحلُّل. وفي البداية، بدا أن عملية إعادة تنظيم الاتحاد الأوروبي إلى طبقات يمكن أن تجري بطريقة منظمة بحيث يحتل الأقل حظاً المقعد الخلفي من دون الكثير من الضجة.
ولسوء الحظ، لم تعالج بروكسل مشاعر الاستياء المتزايدة لدى الذين لا يملكون. وبين عشية وضحاها عملياً، رأينا هذه العملية وهي تتحول إلى حالة من الفوضى. وقد تعرضت مكاتب مفوضية الاتحاد الأوروبي للهجمات وأحرقت، وليس فقط من جهة مثيري الشغب في العديد من المدن الأوروبية الجنوبية، وإنما أيضاً في المدن الكبرى في الشمال الغني. وبدا الأمر، لوهلة، وكأننا سنرى تجديداً وإعادة لثورات العام 1848: حيث الشباب العاطلون عن العمل -حتى في أفضل بلدان أوروبا الشمالية حالاً- ينزلون إلى الشوارع بدافع التعاطف.
وقد تم اختراق المواقع الإلكترونية للاتحاد الأوروبي؛ وأصبح نظامه الداخلي غير صالح للعمل لعدة أشهر بسبب أعمال التخريب. ويأخذ الصراع الطبقي بالاتساع، متخذاً بعداً جديداً لم يخطر في بال ماركس. وتبدو حرب الأجيال قائمة على قدم وساق. وتطالب أحزاب الشباب التي تشكلت حديثاً في إنجلترا وفرنسا بإجراء تخفيضات في الاستحقاقات الاجتماعية للمسنين. كما يطالبون بخفض كبير لرسوم التعليم العالي.
وقد شهدنا تزايد الانقسامات الطبقية في الأماكن الأخرى، في إشارة إلى قيام ثورة عالمية محتملة. وما تزال سلطة بكين على الأقاليم في انخفاض. وتظل مدن الصين الساحلية تبلي بشكل حسن نسبياً، بسبب صلاتها التجارية في الخارج وأسواقها المحلية الأكثر ثراء. وقد تعثرت جهود الحكومة لبناء المدن الداخلية الجديدة، وهناك القليل من أموال الاستثمار تتدفق إليها. وثمة انبعاث ماوي (نسبة إلى ماو تسي تونغ) قائم هناك على قدم وساق، ويبدو انقسام الحزب أمراً حتمياً. كان ينبغي للصينيين أن يعرفوا أفضل: لقد حقنوا الكثير من البرجوازية الصاعدة في الحزب. وكان لا بد لهذا الواقع أن يثير الصراع مع العمال الحقيقيين. ولا أرى أي حل إلا من خلال المزيد من الحرب والصراع.
تنتشر حركات التمرد -التي تستلهم الماركسية والماوية- بشكل متزايد في المناطق الريفية في جميع أنحاء العالم. وللهند تاريخ طويل من التمردات الناكسالية** Naxalist، والتي تواصل اكتساب المزيد من القوة. ومن المثير للاهتمام أن هناك تمردات مناظرة تنهض في المناطق الحضرية. وقد أصبحت ترى هناك قدراً أكبر بكثير من الجريمة؛ الكثير منها متطورة، مما يجعل من المستحيل على البرجوازيين حماية أنفسهم وراء جدران في مجمعات سكنية ببوابات مغلقة. وأنا أعرف عن بعض الأسر البرجوازية التي عادت مرة أخرى إلى دفع ثمن كل شيء نقداً. ففي كل مرة تعاملت فيها مع المصارف على الإنترنت أو باستخدام بطاقة الائتمان، قام مجرمو الإنترنت -الذين وضعوا قائمة بالأهداف كما يبدو، بسحب الأموال من حساباتهم، وبتسجيل مبالغ هائلة على بطاقاتها الائتمانية. وتجد البنوك أمر الحفاظ على الأمن مكلفاً باطراد.
في الشرق الأوسط وأجزاء من أفريقيا، ومن منظور ماركسي لسوء الحظ، ما يزال الإرهابيون والمتمردون يتكئون مرة أخرى على الدين أو العرق. وتترنح السلطات السعودية أمام زيادة الإرهابيين المحليين الذين يهاجمون الأثرياء، متذرعين بتصرفاتهم الإلحادية. وكل يوم، يقوم أولئك الذين يسمون أنفسهم جهاديين بتفجير مركز تسوق مترف آخر في المملكة العربية السعودية أو إحدى دول الخليج.
أصبحت نيجيريا مقسومة فعلياً، حيث المجتمعات المسيحية تحت الحصار في الشمال. ويعني انتقال الصراع الطبقي على أسس طائفية أو قبلية أو عرقية في أفريقيا أنه قد تم تمزيق الخريطة “الاستعمارية” القديمة عملياً. ووفق حساباتي، فإن هناك عشرة بلدان جديدة ظهرت في القارة الأفريقية وحدها. وفي الشرق الأوسط، لدينا الآن كردستان مقتطعة من عدة بلدان. ولا بد أن ونستون تشرشل وجيرترود بيل -مهندسي العراق المتحد بعد الحرب العالمية الأولى- يتقلبان الآن في قبريهما. وبالطبع، لم يعترف الغرب والصين بالعديد من هذه الأقسام. إنهم يتصرفون مثل النعام الذي يضع رؤوسه في الرمال. ثمة الكثير من التبجيل لهؤلاء الذين يسمون “الساسة المبجلين” الذين أعدوا الخرائط الإمبريالية القديمة في القرنين التاسع عشر والعشرين.
لست متأكداً من أن الولايات المتحدة أصبحت ناضجة للثورة بعد. فقد أبلت بلاء حسناً بسبب الغاز الصخري. وركنت الطبقة العاملة هناك إلى الهدوء بسبب إمكانات التصنيع المتزايدة، فيما انتقلت الأعمال عائدة مرة أخرى من آسيا بعدما هبطت أسعار الطاقة المحلية في الولايات المتحدة. لكنها يمكن أن تكون مسألة وقت فحسب. لم يتحقق استحقاق إصلاح عشرينيات الألفية الثالثة بسبب استعادة النمو في الولايات المتحدة صحته. وقد واصل دَين الولايات الارتفاع: وهي ليست سوى مسألة وقت قبل أن تعود الاستحقاقات إلى الأجندة السياسية. وتشرع بداية التباطؤ في الاقتصاد العالمي مع كل الاضطرابات في أوروبا وأماكن أخرى بإثارة التوترات الطبقية. وما تزال الولايات المتحدة تعتقد أنها حصينة وفي مأمن، لكننا سوف نرى. للأسف، لم يعد نشطاء المعارضة في أميركا يقرأون ماركس.
من أحد الأشياء التي كان ماركس ليحتفي بها هي القوة التي تتمتع بها البروليتاريا الآن. وتمتلك هذه المجموعات الثورية العديد من الوسائل الأكثر تدميراً تحت تصرفها، من الطائرات بدون طيار والأسلحة السيبرانية إلى الأسلحة البيولوجية. وأخشى أن التوتر يمكن أن يخرج عن نطاق السيطرة وأن توجه الثورة المضادة ضربتها قبل أن يتمكن المضطهدون من بناء قوتهم وإتقان تكتيكاتهم. وبمعنى من المعاني، ومع زيادة فرص الحصول على الأسلحة الفتاكة، ثمة قدر أقل من التفاوت مما تصور ماركس.
ومع ذلك، يشرع البرجوازيون في الفهم. سوف تبني المدن والبلدات الغنية بلا شك قواتها الأمنية للتعامل مع الاضطرابات وأعمال الشغب المستمرة. وتتحدث الولايات المتحدة، وبعض الأوروبيين، وزعماء الحزب الشيوعي الصيني، والأوليغاركية الروسية، وآخرون عن مبادرة عالمية لمكافحة الجريمة السيبرانية. وينطوي ذلك مفارقة: فقبل بعض السنوات فقط، كانت الولايات المتحدة والأوروبيون يتحدثون بلسان ذلق عن الحاجة للإبقاء على شبكة الإنترنت غير خاضعة للرقابة ومتاحة للجميع. وكان الصينيون والروس قلقين من احتمال خروج هذه الحريات على السيطرة وميل الميزان كثيراً لصالح تمكين الأفراد. وفجأة، سقطت الموازين من عيون الأميركيين وعادت المصلحة الطبقية لتكون الموضة الرائجة.
أوه-لقد استطاع ذلك الماركس رؤية أن الصراع الطبقي لم يمت أبداً. لقد خلقت العولمة المزيد منه، وحسب.
العالم البديل الرابع: عالم غير الدول
في عالم الفاعلين من غير الدول، تزدهر المنظمات غير الحكومية (NGOs)، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الأكاديمية، والأفراد الأثرياء، وكذلك الوحدات دون-الوطنية، مثل المدن الكبرى، وتأخذ زمام المبادرة في مواجهة التحديات العالمية. وتقوم التكنولوجيات الجديدة والناشئة التي تعمل لصالح زيادة تمكين الأفراد والجماعات الصغيرة، والتحالفات القائمة لتحقيق أغراض مخصوصة بحفز تزايد قوة الفاعلين من غير الدول. وتظهر نخبة عابرة للحدود الوطنية -متعلمة في الأكاديمية العالمية نفسها، والتي تقود الفاعلين الرئيسيين من غير الدول (الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، والجامعات، والمنظمات غير الحكومية). ويشكل إجماع في الرأي العام العالمي بين الكثير من النخب ومواطني الطبقة المتوسطة حول تحديات كبرى -مثل: الفقر، والبيئة، ومكافحة الفساد، وسيادة حكم القانون، والسلام- قاعدة لدعمهم وتمكين سلطتهم. ولا تختفي البلدان، لكن الحكومات تنظر إلى دورها باطراد على أنه ينحصر في تنظيم وإدارة تحالفات “مهجَّنة” من الجهات الفاعلة من الدول وغير الدول، والتي تتغير اعتماداً على طبيعة التحدي المعنيّ.
وتجد الأنظمة الاستبدادية -المنشغلة بتأكيد تفوق وسيطرة على الحكومة المركزية- أنه من الأصعب عليها العمل في هذا العالم. أما الدول الأصغر والأكثر مرونة، حيث النخب أكثر تكاملاً أيضاً، فتكون مهيأة لتكون فاعلا رئيسيا -ولتضرب فوق زنها- أكثر من البلدان الكبيرة التي تفتقر إلى التماسك الاجتماعي أو السياسي.
كما أن مؤسسات الحكم العالمية التي لا تتكيف مع هذا التوزيع الأكثر تنوعاً وسعة نطاق للقوة، ستكون أيضاً احتمالاً للنجاح بدورها. وتزدهر الشركات متعددة الجنسيات، وشركات اتصالات تكنولوجيا المعلومات، والعلماء الدوليون، والمنظمات غير الحكومية، والمجموعات المعتادة على التعاون عبر الحدود في هذا العالم المعولم بدرجة فائقة، حيث الخبرة والنفوذ، وخفة الحركة تصبح أكثر أهمية من “الوزن” أو “الموقع”. وستكون إسهامات رأس المال الخاص والأعمال الخيرية الإنسانية أكثر، على سبيل المثال، من المساعدات الإنمائية الرسمية. وتكون وسائل الإعلام الاجتماعية، ووسائل الاتصالات المتنقلة، والبيانات الكبيرة هي المكونات الرئيسية التي تحمل وتسهل التعاون بين الفاعلين من غير الدول ومع الحكومات.
في هذا العالم، يشكل حجم ونطاق وسرعة التحضر -وأي الجهات الفاعلة هي التي تنجح في إدارة هذه التحديات- مسائل حاسمة، ولا سيما في العالم النامي. وسوف تتخلف الحكومات الوطنية التي تقف في طريق هذه المجموعات.
ويبقى هذا العالم “مرقّعاً” ومجمعاً كيفما اتفق وغير مستوٍ. ويتم حل بعض المشاكل العالمية لأن الشبكات تتمكن من التجمع، ويتحقق التعاون عبر الكيانات من الدول وغير الدول. وفي حالات أخرى، قد يحاول الفاعلون من غير الدول معالجة أحد التحديات، لكنهم يصبحون في وضع حرج بسبب معارضة القوى الكبرى. وتشكل التهديدات الأمنية تحدياً متزايداً: حيث تتزايد إمكانية الوصول إلى التكنولوجيات الفتاكة والمدمرة، والتي تمكّن الأفراد والجماعات الصغيرة من ارتكاب أعمال العنف وإثارة الاضطرابات على نطاق واسع. ويستفيد الإرهابيون والشبكات الإجرامية من الارتباك القائم بسبب انتقال السلطات بين عدد وافر من الجهات الفاعلة الحاكمة، لحيازة واستخدام التقنيات القاتلة. وعلى الصعيد الاقتصادي، يبلي النمو العالمي أفضل قليلاً من سيناريو “جني خارج القمقم”، لأن هناك قدراً أكبر من التعاون بين الفاعلين من غير الدول وبينهم وبين الحكومات الوطنية في مواجهة التحديات العالمية الكبيرة القائمة في هذا العالم. كما أن هذا العالم هو أيضاً أكثر استقراراً وتماسكا من الناحية الاجتماعية من عالم غير الدول وعالم المحركات المعطلة.
في العام 2030، يكتب أحد المؤرخين تاريخ العولمة وأثرها على الدولة خلال السنوات الثلاثين الماضية. وكان قد أنجز أطروحة دكتوراه حول نظام الدولة الوستفالية في القرن 17، لكنه لم يتمكن من الحصول على وظيفة أكاديمية. وقد أمل بأن يمنحه إنجاز دراسة عن فترة أكثر حداثة فرصة للحصول على وظيفة كبيرة في إدارة الاستشارات. وفيما يلي ملخص لكتابه، “توسع القوة دون-الوطنية”.
*   *   *
بشرت العولمة بقدوم مرحلة جديدة في تاريخ الدولة. وبلا أدنى شك، فإن الدولة ما تزال موجودة. ويشير استمرار التقلبات الاقتصادية  في الاقتصاد العالمي والحاجة إلى التدخل الحكومي إلى أن الدولة لن تذهب. ومع ذلك، سيكون من الخطأ القول أيضاً إن سلطات الدولة بقيت على حالها. فخلال السنوات الثلاثين الماضية، توسعت سلطات الحكومة دون-الوطنية وأدوار الهيئات غير حكومية إلى حد كبير. وكان هذا واقع الحال خصوصاً في الديمقراطيات الغربية، لكن زيادة القوى دون-الوطنية انتشر على نطاق واسع؛ ولم يعد الغرب يحتكرها بعد الآن.
وقد غذى هذا التوسع تشكيل نخبة عبر-وطنية من الذين كانوا قد تعلموا في الجامعات نفسها، والذين يعملون في العديد من الشركات متعددة الجنسيات أو المنظمات غير الحكومية نفسها، ويقضون العطلات في المنتجعات نفسها. ويؤمن هؤلاء بالعولمة، إنما بواحدة تعتمد وتستفيد من المبادرة الشخصية والتمكين. إنهم لا يريدون الاعتماد على الحكومة “الكبيرة” التي يرونها في كثير من الأحيان متخلفة وراء المنحنى وغير قادرة على التحرك بسرعة في خضم أزمة سريعة الحركة.
هذه الروح التي قوامها “يمكن إنجاز العمل” و”يستطيع كل شخص إحداث فرق” اشتبكت مع الطبقات المتوسطة الصاعدة في جميع أنحاء العالم، والتي تصبح أكثر اعتماداً على الذات باطراد. ومن الإنصاف القول إن الطبقات الوسطى الصاعدة لا تثق في كثير من الحالات في جماعة النخب القائمة منذ وقت طويل، الذين سيطروا على الحكومات الوطنية في بلدانهم. وبالتالي، كان العمل خارج وحول الحكومة بالنسبة للطبقات المتوسطة الصاعدة هو الوسيلة لحراكها إلى الأعلى. وعندما يكونون محرومين من الوصول على المستوى الوطني، فإن الكثيرين ينظرون إلى المدن –عندما يسعون إلى منصب منتخب- باعتبارها نقطة الانطلاق إلى السلطة السياسية.
هذه النخبة العالمية الجديدة والطبقة الوسطى أيضاً تتوافق باطراد على القضايا التي تشكل التحديات العالمية الرئيسية. وعلى سبيل المثال، تريد القضاء على المحسوبية والفساد لأن هذه العوامل كانت في جذور العوامل التي أدامت النظام القديم، أو ما يسمونه النظام الغابر. وقد أعاق فساد النخب القديمة الحراك إلى الأعلى في كثير من البلدان. وتنطوي النخب الجديدة على إيمان قوي بحكم القانون كوسيلة لفرض العدالة وتوفير الفرص للجميع. كما أن وجود بيئة آمنة وصحية مهم أيضاً لضمان نوعية الحياة. ثمة الكثيرون ممن يلعبون دور الصليبيين من أجل عدالة الإنسان وحقوق المرأة.
كانت التكنولوجيا دائماً هي المحرك الأكبر وراء الكواليس. ومع ثورة تكنولوجيا المعلومات، أصبحت جميع الهيئات غير الحكومية، من الشركات إلى الجمعيات الخيرية إلى الجامعات ومراكز البحوث، عالمية. ولم يعد يمكن تمييز الكثير منها على أنها أميركية، جنوب أفريقية، أو صينية. وقد ظل ذلك مقلقاً للحكومات المركزية -خاصة السلطوية المتبقية منها- والتي لا تعرف هل تعاملها كصديق أم كعدو.
ذهبت الثورة التكنولوجية، في واقع الأمر، أبعد كثيراً من مجرد ربط الناس في الأجزاء النائية من العالم. وبفضل اتساع فرص الوصول إلى تقنيات أكثر تطوراً، لم يعد لدى الدولة الكثير من الميزات في هذه الأيام. فقد أصبحت أسلحة الدمار الشامل في متناول الأفراد. وتمتلك الميليشيات والجماعات الإرهابية الصغيرة أسلحة الدقة التي يمكنها ضرب الأهداف على بعد بضع مئات من الأميال. وتبين أن ذلك قد يكون قاتلاً وشديد التدمير في بضع حالات. وقد استطاع الإرهابيون اختراق الشبكة الكهربائية وجلبوا العديد من المدن الشرق أوسطية إلى حالة من الجمود، في حين اضطرت السلطات إلى المقايضة، وقامت أخيراً بإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين قبل أن يوافق الإرهابيون-القراصنة المتسللون إلى الشبكة على التوقف.
ويخشى الكثيرون أن يعمد آخرون إلى تقليد مثل هذه الأعمال وأن تقع المزيد من الهجمات التي تشنها الجماعات ذات المصالح الخاصة. وقد شهدنا في العقد الماضي تحقق ما كان يخشاه العديد من الخبراء لبعض الوقت: التداخل المتزايد بين الشبكات الإجرامية والإرهابيين، حيث يشتري الإرهابيون الخدمات من قراصنة الحاسوب الخبراء. وفي كثير من الحالات، لا يعرف هؤلاء القراصنة لصالح من يعملون.
وقد وقع مؤخراً هجوم بيولوجي مرعب شبه مميت، حيث أفضت تجارب لأحد الهواة عملياً إلى إطلاق فيروس قاتل. ولحسن الحظ، أفضى الغضب والذعر إلى وضع قوانين ولوائح محلية أقوى في العديد من البلدان، وقاد الضغط الشعبي الهائل إلى إقرار ضوابط وقوانين دولية أكبر. وفي مثال على الشراكة المعززة بين القطاعين العام والخاص، تطلب أجهزة إنفاذ القانون من المجتمع البيولوجي الإشارة إلى المشاكل المحتملة. وفي ضوء ما يمكن أن يحدث، فإن الغالبية العظمى من العاملين في المجتمع الحيوي أكثر من حريصين على المساعدة. ومع ذلك، فقد اعترف الجميع أن هناك حاجة للعمل على المستوى القُطري أيضاً. وهكذا، فإن القصد الأصلي من نظام وستفاليا -ضمان الأمن للجميع- ما يزال ذا صلة؛ ومنذ هجوم هاوي البيولوجيا الأخير شبه المميت، لم يعد أحد يتحدث عن الاستغناء عن الدولة القومية.
ومن جهة أخرى، يضعف دور الحكومة المركزية في مجالات أخرى كثيرة. ولنتأمل قضايا الغذاء والماء. فقد قصدت العديد من المنظمات غير الحكومية الحكومة المركزية للمساعدة في وضع خطط على مستوى البلاد، والتي تتضمن تسعير المياه وتخفيض الإعانات لمزارعي الكفاف. حتى أنه كان هناك ذلك المؤتمر الطارئ لقمة العشرين الكبار G-20 -بعد أن فشل محصول القمح في كل من الولايات المتحدة وروسيا، وقامت أعمال شغب بسبب الغذاء في أفريقيا والشرق الأوسط- ودعا المؤتمر إلى إقامة دورة جديدة لمنظمة التجارة العالمية لتحسين الإنتاج وضمان عدم تزايد القيود على الصادرات. وبطبيعة الحال، اتفق جميع قادة الدول العشرين الكبيرة، لكن الزخم تقوض عندما قفلوا عائدين إلى بلدانهم. وقد غاص الزخم، ليس في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فحسب، حيث سعت جماعات الضغط إلى ضمان استمرار الدعم، وإنما أيضا في أماكن مثل الهند، حيث يشكل مزارعو الكفاف الدوائر السياسية والانتخابية المهمة لمختلف الأحزاب.
وبعد خمس سنوات، لم يتم إحراز أي تقدم في إعادة عقد دورة جديدة لمنظمة تجارة عالمية. ومن ناحية أخرى، سعت المدن الكبرى إلى إيجاد الحلول الخاصة بها. وعلى جبهة التعامل مع أعمال الشغب بسبب الغذاء عندما تحدث، قرر العديد من رؤساء البلديات بعيدي النظر بدء العمل مع المزارعين في الريف لتحسين الإنتاج. وقد تعاملوا مع قطاعات الأعمال الزراعية الغربية لشراء أو استئجار الأراضي لزيادة الطاقات الإنتاجية في المناطق الريفية المحيطة. وهم يبحثون بشكل متزايد خارج البلدان التي توجد فيها المراكز الحضرية للتفاوض على صفقات الأراضي. وفي الوقت نفسه، يجري اعتماد “الزراعة العمودية” في ناطحات السحاب في داخل المدن.
ربما لا يكون هذا الجهد القائم على رعاية كل مدينة عملاقة لنفسها هو الأكثر كفاءة. وما يزال الكثيرون من الناس من الذين يعيشون في مناطق لا تتمتع بحكم رشيد عرضة لحالات شح الغذاء عندما تفشل المحاصيل؛ في حين يستطيع أولئك الذين يعيشون في المناطق المحكومة بشكل أفضل العودة للاعتماد مرة أخرى على الإنتاج الزراعي المحلي لشق طرقهم إلى خارج الأزمة.
بشكل عام، قد يكون توسع التحضر أسوأ -وأفضل- شيء حدث للحضارة. فمن جهة، أصبح الناس أكثر اعتماداً على سلع أساسية مثل الكهرباء، وبالتالي أكثر ضعفاً عندما تنقطع هذه السلع؛ كما أن التحضر يسهل انتشار الأمراض. ومن ناحية أخرى، عزز التحضر النمو الاقتصادي أيضاً، وعنى أن تُستخدم العديد من الموارد، مثل المياه والطاقة، بشكل أكثر كفاءة. وينطبق ذلك بشكل خاص على الكثير من المدن العملاقة الناشئة والقادمة، تلك التي لم يكن أحد يعرف عنها شيئاً قبل 10 أو 15 سنة. في الصين، توجد المدن العملاقة الكبرى في الداخل. وبعضها حسنة التخطيط وتوفر الكثير من وسائل النقل العام. وفي المقابل، تفقد مدن شنغهاي وبكين مؤسسات الأعمال لأنها أصبحت مزدحمة جداً. وعموماً، وسواء كانت جديدة أو قديمة، فإن الحكم على مستوى المدينة يتواجد باطراد حيث يتوفر العمل النشط.
وقد شهدنا ظاهرة جديدة أيضاً: التعيين المتزايد للمناطق الاقتصادية والسياسية الخاصة داخل البلدان. ويبدو الأمر كما لو أن الحكومة المركزية تعترف بعدم قدرتها على صياغة إصلاحات، فتقوم بإسناد المسؤولية من الباطن إلى طرف ثان. وفي هذه الجيوب، يقوم أحد ما من الخارج بوضع القوانين، بما في ذلك قوانين الضرائب. ويعتقد الكثيرون بأن الأطراف الخارجية تتوافر على فرصة أفضل للإبقاء على الاقتصادات في هذه المناطق المخصوصة واقفة على أقدامها ومستمرة، وبحيث تشكل في نهاية المطاف مثالاً لبقية البلاد. وتختبر الحكومات في دول القرن الأفريقي وأميركا الوسطى وأماكن أخرى المزايا، وتعترف علناً بمحدوديتها.
هوامش
*”جني” في عنوان هذا السيناريو يشير إلى معامل جيني Gini Coefficient، وهو مقياس إحصائي بارز لقياس التفاوت في الدخل.
**الناكسالية، naxalism مصطلح عام يشير إلى مختلف الجماعات الشيوعية المسلحة التي تعمل في أجزاء مختلفة من الهند ضمن حواضن تنظيمية مختلفة. وفي الولايات الشرقية من الهند (جهارخاند، ولاية البنغال الغربية وأوديشا)، فإنها عادة ما تُعرف، أو تشير إلى نفسها على أنها “ماويّة”، بينما تُعرف في الولايات الجنوبية، مثل ولاية اندرا براديش، تحت عناوين أخرى. وقد تم إعلانها منظمة إرهابية بموجب قانون في الهند (1967).
*جني خارج القمقم: وهو عالم تهيمن فيه اللامساواة الاقتصادية.
*عالم اللاعبين من غير الدول: وهو سيناريو يأخذ فيه الفاعلون من غير الدول زمام المبادرة في معالجة التحديات العالمية.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s