تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأميركي 2012″الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة” -الحلقة الثانية عشرة

 أربعة أشكال محتملة للعالم في العام 2030

العالم البديل (1): محركات معطلة

العالم البديل (2): الاندماج

 جريدة الغد الاردنية
  10/03/2013
d0d6c88c0c75015e8ccc6b47dfb73dd8.portrait
أحد العوالم الممكنة في 2030،
تآلف أميركا والصين بدل الصراع بينهما 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
يهدف هذا التقرير إلى حفز التفكير في التغييرات الجيوسياسية السريعة والواسعة التي تميز عالم اليوم والمسارات العالمية المحتملة خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين المقبلة. كما هو الحال مع تقارير مجلس الاستخبارات القومية السابقة حول الاتجاهات العالمية، فإننا لا نسعى للتنبؤ بالمستقبل -والذي سيكون مرتقى صعباً ومستحيلاً- لكننا نسعى بدلا من ذلك إلى تقديم إطار للتفكير في الاحتمالات المستقبلية الممكنة والآثار المترتبة عليها.
وقد (بدأنا) هذا التقرير بتحديد ما نرى أنه الاتجاهات الكبرى الأكثر أهمية في عالمنا المتغير -تمكين الفرد؛ توزُّع القوة العالمية إلى شبكات متعددة الوجوه وانسيابها من الشرق إلى الجنوب؛ والأنماط الديمغرافية التي ستكون أبرزها شيخوخة السكان وحدوث انفجار في أعداد المنتمين إلى الطبقات الوسطى؛ والتحديات التي تشكلها الموارد الطبيعية. وهذه الاتجاهات الكبرى تمكن معرفتها، وهي تشير في حد ذاتها إلى عالم متغيّر، لكن العالم يمكن أن يُحوّل نفسه بطرق مختلفة جذرياً. وباختصار: إننا نتجه إلى مياه لا يمكن سبر أغوارها.
ونحن نعتقد بأن هذه الاتجاهات الكبرى تتفاعل مع ستة متغيرات، أو “مغيرات للعبة” والتي سوف تحدد أي نوع من العالم المتغير سوف نَعمُر في العام 2030. و”مغيرات اللعبة” هذه -الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد العالمي؛ وطبيعة الحكم الوطني والكوني؛ وطبيعة الصراعات؛ والتحولات الإقليمية؛ والتقنيات المتقدمة؛ ودور الولايات المتحدة في المسرح الدولي- هي العناصر الخام التي يمكن أن تزرع بذور الفوضى العالمية أو قدراً مذهلاً من التقدم العالمي على حد سواء.
وبناء على ما نعرفه عن الاتجاهات الرئيسية الكبرى، وبتصور التفاعلات الممكنة بين الاتجاهات الكبرى ومغيرات اللعبة، فإننا نستشرف أربعة أشكال محتملة للعالم في العام 2030: على أحد طرفي الطيف، ثمة عالم متوقف المحركات، والذي تتعاظم فيه الصراعات بين الدول وتعيد فيه الولايات المتحدة تخندقها. وعلى الطرف النقيض، ثمة عالَم مندمج منصهر مستعادُ التوازن، والذي يكون فيه التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتقني والسياسي مظاهر واسعة الانتشار. وفي الوسط، ثمة إمكانيتان أخريان: عالم “جنّي خارج من القمقم”، والذي تسوده المظالم وتنعدم فيه المساواة؛ أو عالم اللادولة، الذي يزدهر فيه اللاعبون من غير الدول، سواء للخير أو الشر. وهكذا، تتلخص تصوراتنا عن العالم في العام 2030 في العوالم البديلة التالية:

3932bf86ce3714aa856cfc358d552d59.portrait

العالم البديل (1): محركات معطلة
اخترنا سيناريو المحركات المعطلة -وهو سيناريو تنغلق فيه الولايات المتحدة وأوروبا على ذاتهما وتتوقف فيه العولمة، كواحد من النهايات المحتملة، والذي يشكل أسوأ الحالات التي يمكن تحققها على الإطلاق. ويمكن القول إن ثمة سيناريوهات أكثر قتامة يمكن تصورها، بما في ذلك حدوث انهيار كامل وارتكاس للعولمة بسبب نشوب صراع محتمل واسع النطاق على غرار الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية، لكن مثل هذه النتيجة لا تبدو مرجحة. إننا نعتقد بأن مخاطر نشوب الصراع بين الدول سترتفع، ولكننا لا نتوقع أن يفضي صراع ثنائي إلى إشعال حريق واسع النطاق. وعلاوة على ذلك، وخلافاً لما حدث في فترة ما بين الحربين، فإن حدوث انهيار كامل للتكامل الاقتصادي والاعتمادية المتبادلة أو العولمة سيكون أكثر صعوبة -وبذلك أقل احتمالاً- في هذا العصر التكنولوجي الأكثر تقدماً والمتسم بكثرة الصلات القائمة في كل مكان.
لكن سيناريو المحركات المتوقفة يشكل مع ذلك مستقبلاً قاتماً. وتشير نماذجنا إلى أن إجمالي الدخل العالمي سيقل بحوالي 27 تريليون دولار تحت هذا السيناريو عن مثل هذا الإجمالي تحت سيناريو الاندماج، أكثر سيناريوهاتنا تفاؤلاً. وهذا المبلغ هو أكثر من مجموع اقتصادات الولايات المتحدة ومنطقة اليورو اليوم. وفي عالم متعطل المحركات، لا تعود الولايات المتحدة وأوروبا قادرتين ولا مهتمتين بالحفاظ على الزعامة العالمية. ويفشل النظام السياسي في الولايات المتحدة في التصدي لتحدياته المالية، مما يؤزم السياسة الاقتصادية، ويتسبب بانجراف الأداء. والمشروع الأوروبي ينحل. ويستهل خروج اليونان من منطقة اليورو موجة خروج سريع مطلق العنان لبقية دول الأطراف. وترتقي الأحزاب القومية، أو حتى المعادية للمهاجرين، لاحتلال مواقع النفوذ في الحكومات الائتلافية. وفي عشرينيات هذا القرن، يبدو أن منطقة تجارة حرة محدودة فقط هي التي ستبقى.
يستمر النمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة الرئيسية ليمثل ما يقرب من ثلاثة أرباع النمو العالمي. ومع ذلك، يبقى إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية أساسية أمراً مراوغاً وبعيد المنال في كل من الصين والهند. ويعمل الفساد، والاضطراب الاجتماعي، والنظم المالية الضعيفة، والفقر المزمن في البنى التحتية على تبطيء معدلات نموهما. ويهبط معدل نمو الصين، على سبيل المثال، من 8 % في بداية الفترة إلى نحو 3 % بحلول العام 2030.
وبينما تتصاعد الضغوط في كل مكان من أجل دفع الدول إلى فض الاشتباك مع الخارج وتبني النزعة الحمائية، فإن نظام الحكم العالمي غير قادر على التعامل مع وباء واسع النطاق/ والذي يمكن أن يتسبب في انتشار الذعر. وتقوم الدول الغنية بعزل أنفسها وراء جدران عن كثير من البلدان النامية والفقيرة في آسيا وأفريقيا، والشرق الأوسط. وفي تسببه بإعاقة السفر والتجارة الدولية، يساعد الوباء الشديد على مماطلة العولمة وتعطيلها، لكنه لا يقتلها.
* على هامش الاجتماع السنوي في دافوس، يجتمع عدد من كبار المديرين التنفيذيين متعددي الجنسيات لمناقشة ما يعتبرونه مماطلة وإعاقة للعولمة. وقد طلبت إحدى الأعضاء من مدير مكتبها “الرؤية الاستراتيجية” كتابة ورقة قصيرة تصف الاتجاه اللولبي الهابط، بغية استخدامها كأساس للمناظرة. وفيما يلي مقتطف من تلك الورقة:
وورلد كوربوريشن: “مجموعة الرؤية الاستراتيجية”
1800 أدبروك لين، جناح 615
لندن، إنجلترا
لا بد لي من الاعتراف بأنني لم أر ذلك مقبلاً، لكن علينا مواجهة حقيقة أننا نعيش في عالم جديد -واحد لم تعد فيه العولمة أمراً مسلماً به. وقد تسألون كيف حدث ذلك. كان المفتاح هو تحول الولايات المتحدة إلى الداخل. وأعتقد أن كل واحد منا اعتقدت بأن اكتشاف الغاز الصخري يعني أن الولايات المتحدة قد “عادت” على الرغم من كل الخلافات الداخلية. ومن الواضح أننا لم نأخذ واقع النظام القضائي الأميركي في الاعتبار. لم يكن الأمر فقط أن تقديراتنا السابقة المضخمة وقعت ضحية للبطء -أكثر- من المتوقع في التحسينات التقنية لكفاءة استخراج المخزونات التي وضعناها في الطرف الأدنى من التوقعات الأولية، ولكننا فشلنا أيضاً في تحليل سلسلة الدعاوى القضائية المكلفة ضد منتجي الطاقة في أميركا إلى عواملها الأولية.
ثم تعرضنا لضربة مزدوجة. ففي الوقت الذي كنا نظن فيه أن أوروبا تحفر لنفسها طريقاً للخروج من أزمة خروج اليونان الجامح من منطقة اليورو، وتتفاوض على معاهدة سياسية واقتصادية جديدة، ثار الشعب الفرنسي في أحدث استفتاء على وضع معاهدة جديدة للاتحاد الأوروبي. وكانت تلك هزيمة مدمرة للحكومة الفرنسية، وأصبحت الآن مشكلة كبيرة لكل الآخرين. وليس من الواضح أنه يمكن وضع اتفاقية جديدة، نظراً للهامش الواسع للهزيمة التي مني بها اقتراح المعاهدة السابق. وعلى نحو متزايد، تقول النخب الألمانية أن ألمانيا لم تعد في حاجة إلى الاتحاد الأوروبي بعد الآن: وهم يريدون الخروج.
ولست متأكداً من أن العالم النامي يدرك خطورة هذه التغييرات. وأعتقد أن ذلك العالم أحس بنوع من الشماتة -الابتهاج- لدى ملاحظته مشاكل الغرب. وقد رحبت الصين بقرار الولايات المتحدة سحب قواتها من الخارج، معتبرة ذلك ضماناً لعدم التدخل الأميركي، ولو أن عدداً من “الليبراليين” الصينيين اغتموا لأنهم كانوا قد شهدوا ولايات متحدة قوية وهي تديم الضغط على بكين لإجراء إصلاحات. وتتوقع بكين أن تتراجع كل من فيتنام والفلبين تدريجياً في بحر الصين الجنوبي من دون وجود الدعم القوي من الولايات المتحدة.
وللصين نصيبها من المشكلات أيضاً. فقد تعثرت الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الأساسية؛ ويعمل الفساد والاضطرابات الاجتماعية على تبطيء معدلات النمو، وهو ما قد يفسر السبب في إيقاظ الحكومة للنزعة القومية واتجاهها إلى مزيد من المغامرة في الخارج.
وكان العديد من الخبراء الاستراتيجيين الهنود يخشون من الاتكال كثيراً على الولايات المتحدة وإيلائها الثقة؛ ويؤكد الانسحاب الأميركي الأخير أنهم كانوا على حق. ويوجد لنيودلهي القليل جداً من الشركاء الطبيعيين الآخرين. وتشعر الهند بالكثير من القلق على نفوذها في آسيا الوسطى. وقد حدث انقلاب أخير في حركة طالبان، والذي تعرضت فيه كل الفصائل الأخرى -التي كانت قد شكلت الحكومة- للقمع بوحشية. وقد سعت الهند، التي تلقي باللوم في ذلك على باكستان، إلى طلب مساعدة غربية، لكنها قوبلت بالرفض إلى حد كبير.
كما نمت مشاعر عدم الثقة الهندية في الصين أيضاً إلى حد عدم عقد أي مؤتمرات قمة لمجموعة BRIC (مجموعة اقتصادات البرازيل وروسيا والهند والصين). ولن يجلس الدبلوماسيون الصينيون والهنود معاً حتى في البيئات ذات الصبغة التعددية. وقد استكملت الصين مؤخرا إنشاء سدّ بطاقة توليد تبلغ 38.000 ميغاواط في منطقة براهمابوترا القريبة من الحدود المتنازع عليها مع الهند، وشرعت في بناء آخر. كما وضع قرار الصين اختبار تصميم فيتنام على الوقوف في مواجهة بكين في بحر الصين الجنوبي المسؤولين الهنود في وضع حرج. ومن وجهة نظر دلهي، تبدو العدوانية الصينية عصية على الإيقاف من دون استعداد أميركي أكبر للتدخل. ويبدو أنها مسألة وقت فقط قبل تمدد بحرية الماء الأزرق الصينية نفوذها أبعد غرباً في عمق المحيط الهندي.
لقد عانى الاقتصاد العالمي من آثار التوترات المتصاعدة بين القوى الناشئة. ويتجه النمو العالمي الآن نحو الانخفاض. وتعاني البلدان الأكثر فقراً، بشكل مخصوص: فخلال سنوات الحصاد السيئة، تقوم مزيد من البلدان بفرض حظر على الصادرات، بما يؤدي إلى تفاقم نقص الغذاء وارتفاعات الأسعار.
وحدثت نقطة تحول أخرى عندما اشتعل الشرق الأوسط. فقد انفجر العنف بين السنّة والشيعة في الخليج. وتدخلت إيران لحماية الشيعة في البحرين مستدعية بذلك رداً عسكرياً سعودياً. ثم أعلنت إيران أنها ربما تبدأ اختبارات على سلاح نووي. وناقشت الولايات المتحدة ما إذا كانت سترسل الأسطول السادس إلى الخليج لضمان التدفق الحر للنفط، لكن واشنطن قررت انتهاج مبدأ “انتظر لترى”. وإذا كان لي أن أختار لحظة ظهر فيها بوضوح أن دور الولايات المتحدة قد تغير، فقد كانت هذه اللحظة بالتحديد. وقد شعر حتى الصينيون بالقلق من تراجع دور الولايات المتحدة وأرسلوا أساطيلهم إلى خليج عمان.
ولا يبدو أن ثمة نهاية في الأفق للتوترات القائمة بين السنة والشيعة. فقد عملت كل من المملكة العربية السعودية وإيران -اللتين تلقتا كلتاهما ضربة من انخفاض أسعار الطاقة بسبب تباطؤ النمو العالمي- على زيادة التوترات على الرغم من ذلك بشن حرب بالوكالة في سورية ولبنان. كما شن حزب الله أيضاً أول هجوم سيبراني واسع النطاق ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
بوجود مساحات كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة، وكميات من احتياطات الطاقة غير التقليدية (إذا كان جماعة القانون سيسمحون أبداً باستغلالها)، والموارد المائية الكافية، تستطيع الولايات المتحدة أن تكون أكثر اكتفاء ذاتياً من معظم البلدان الأخرى. وقد عزز تزايد الاضطرابات خارج الولايات المتحدة موقف أولئك الذين يفضلون فك الارتباط. ومع ذلك، يصبح الحزب في الصين تحت نار النقد بازدياد بسبب ما يراه الكثيرون من الصينيين سوء إدارة إجماليا للاقتصاد. وهناك ضربة جماهيرية عامة منسقة تجري في العديد من المدن الكبرى. كما أن التنمية في الهند تباطأت إلى حد كبير أيضاً. وليست هناك أي حكومة هندية تبقى في السلطة طويلاً، وهناك خلط واستبدال دائمان للمناصب الحكومية بين شركاء الائتلاف.
كما هو الحال في كل حالات سوء الحظ، تميل المشاكل إلى القدوم في موجات ولا تأتي فرادى: فقد انتشر فيروس قاتل -والذي كان العلماء قد حذروا منه مراراً وتكراراً- في جنوب شرق آسيا. وفيما ينطوي على مفارقة، ومع تزايد الضوابط الأمنية ونقاط السيطرة على الحدود، بقيت الولايات المتحدة، وبعض البلدان الأوروبية، وحتى الصين أكثر قدرة على الصمود في وجه الوباء الذي ينتشر بسرعة. وقد تم إلغاء الرحلات الجوية وتوقفت وسائل النقل البحرية. وهناك تقارير عن سقوط عشرات الملايين من الوفيات. وقد حاول تويتر العمل حتى في ذروة الوباء، لكن عدداً من الحكومات سحبت القابس وأحكمت الضبط، قائلة إنّ استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية كان هو المسؤول عن تصاعد الذعر. وقد انتشرت سلالة خبيثة من الفيروس بسرعة إلى خارج جنوب شرق آسيا باتجاه جنوب آسيا وعلى امتداد طرق التجارة والسفر إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
ونتيجة لذلك الوباء، هناك الآن خريطة جديدة للعالم في أذهان الجميع. وأستطيع أن أتذكر عندما كانت خريطة العالم هي “الإمبراطورية البريطانية” حيث كان ربع سطح الكرة الأرضية ملوناً بالوردي. ثم أصبحت لدينا خريطة “العالم الحر” حيث واشنطن كانت العاصمة. والآن، تعرض الخريطة العقلية الجديدة جنوب شرق آسيا مدمّر، وأجزاء مدمرة من الهند، والقرن الأفريقي، وأجزاء من الخليج. ولا تحصل الكثير من هذه المناطق حتى الآن على أي مساعدة دولية.
هذه الخريطة الجديدة العقلية، التي أنشأها ما حدث للفقراء والمعوزين وما تعرضوا له من النبذ من قبل الدول الغنية، بما في ذلك الصين، تقوم بتوسيع الهوة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. وسوف تكون الخريطة الجديدة هي ما يحمله الناجون في العالم النامي في عقولهم، والتي سوف ترشد وتحدد، بوعي أو بدون وعي، فكر جيل كامل حول الشؤون العالمية.
وحتى في الدول الغنية المتقدمة التي كانت بمنأى عن أسوأ آثار الوباء، بلغت حصيلة القتلى عدة ملايين -حيث كان الشباب عرضة للإصابة بشكل خاص. ولا أستطيع أن أخبركم بالأثر النفسي لذلك على الناجين الأغنياء. وقد وضع الوباء العالمي العولمة في موضع مزيد من الاستياء. وكان ذلك بمثابة رصاصة الرحمة بالنسبة للكثيرين، والذي أغلق القضية ضد ما كان ينظر إليه على أنه استشراء للعولمة في وقت سابق في القرن الحادي والعشرين.
وقد شهدت الشركات الغربية متعددة الجنسيات تأميماً قسرياً في جنوب شرق آسيا والهند وأفريقيا. وتقول الحكومات هناك إن تلك الشركات التي أوقفت عملياتها خلال الوباء فقدت حقها في استئناف أعمالها في أعقابه.
ومع ذلك، لاحظت أن الفيسبوك أصبح أكثر شعبية، وأن الشباب يشرعون أيضاً في السفر والدراسة في الخارج. ربما يبشر ذلك بانتعاش حظوظ العولمة…
العالم البديل (2): الاندماج
يشكل الانصهار حصيلة ثانية محتملة، والتي تمثل ما نراه أفضل الحالات قبولاً. وهي تصف عالماً يطلق فيه طيف صراع يمكن أن يضرب شرق آسيا جهوداً تبذلها الولايات المتحدة والصين للتدخل وفرض وقف لإطلاق النار. وتعثر الولايات المتحدة والصين على قضايا أخرى للتعاون بينهما، بما يفضي إلى تغير هائل في علاقاتهما الثنائية، وكذلك إلى إحداث تعاون أوسع على مستوى العالم في مواجهة التحديات الكونية. وسيكون تحقق هذا السيناريو ممكناً فقط من خلال وجود قيادة سياسية قوية تتجاوز تخوف الجماهير المحلية وتقيم شراكات دولية أكثر قوة. ونتيجة لذلك، ستزداد الثقة بين المجتمعات والحضارات.
في عالم “الاندماج”، يُستأنف النمو الاقتصادي بينما يتسع التعاون الأساسي حول الأمن ليشمل مسائل الملكية الفكرية والابتكار من أجل التعامل مع قضايا الموارد والتغير المناخي. وتشرع الصين، متشجعة بدورها المتعاظم الذي تلعبه في النظام الدولي، في إجراء عملية إصلاح سياسي. ومع التعاون المتنامي بين القوى الرئيسية، يتم إصلاح المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، وتصبح أكثر شمولاً. وبكلمات أخرى، تمضي الإصلاحات السياسية والاقتصادية إلى الأمام يداً بيد.
في هذا السيناريو، تصعد القوارب كلها بشكل استثنائي وكبير. وتستمر الاقتصادات الصاعدة في النمو بإيقاع أسرع من الاقتصادات المتقدمة، لكن نمو الدخل المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة يتسارع أيضاً. ويتضاعف حجم الاقتصاد الكوني بحلول العام 2030 ليصل إلى حوالي 132 ترليون دولار في العام تقريباً. ويعود “الحلم الأميركي” إلى العمل، حيث تصعد حصة الفرد من الدخل لتصل إلى 10.000 دولار في غضون عشر سنوات. كما تشهد حصة الفرد من الدخل في الصين أيضاً ارتفاعاً سريعاً، بما يضمن أن تتجنب الصين مصيدة الدخل المتوسط. وفي أوروبا، تثبت أزمة منطقة اليورو كونها الحافز لإجراء إعادة هيكلة سياسية واقتصادية عميقة.
بالإضافة إلى القيادة السياسية في الدول، يكون دور الفاعلين من غير الدول رئيسياً أيضاً. ويكون الابتكار التكنولوجي -المتجذر في توسيع التبادلات والجهود المشتركة على مستوى بحوث الجامعات والمختبرات- أمراً بالغ الأهمية حتى يبقى العالم متقدماً خطوة على الضغوط المتصاعدة على الموارد، وبما ينتج زيادة سريعة في الازدهار.
في العام 2030، قرر “مركز الشرق والغرب” -الذي أسسه الكونغرس الأميركي في العام 1960 من أجل تعزيز علاقات أفضل وتفاهم أكبر بين شعوب ودول الولايات المتحدة، وآسيا، والمحيط الهادئ من خلال الدراسات التعاونية، والبحوث، والحوار- قرر تغيير اسمه إلى “مركز التكامل العالمي”. وقد أعطيت الكلمة الافتتاحية للمؤسسة التي أعيد تعميدها لعالم آثار بارز، والذي يعاد اكتشاف أعماله التي تتعقب أوجه التشابه بين الحضارات، وينال إشادة الجمهور ببعد نظره. وكان قد بدأ يشكك في صحة آرائه نفسها في السنوات الأخيرة، كما يروي هنا.
كان التوتر المتزايد بين القوى العظمى قد وضعه على حافة التراجع عما بدا وكأنه وجهة نظر مفرطة في التفاؤل للاتجاهات العالمية. وفي خطابه (المقتطف بشكل صحيح)، يشرح لماذا تبددت هذه الشكوك الآن، وعاد إلى اعتناق نظرته الوردية السابقة.
مركز التكامل العالمي
إلى: مركز التكامل العالمي
من: الدكتور آرثر إي. كينت
الموضوع: مسودة خطاب الافتتاح
لو أنكم سألتموني في أي وقت خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لكنتُ قد قلت لكم إننا كنا نتجه إلى كارثة عالمية. وبدا الأمر أشبه بما نقرؤه عن الفترة التي سبقت وأفضت إلى نشوب الحرب العالمية الأولى، عندما كانت هناك احتكاكات متزايدة بين القوى العظمى. وفي هذه الحالة، كانت هناك سجالات قائمة بين الصين والهند؛ بين الصين والولايات المتحدة؛ وبين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن سياسة الشرق الأوسط؛ وبين الولايات المتحدة والهند وباكستان حول أفغانستان.
وبالحديث عن “لعبة العظمى” -فقد بدا الجميع وأنهم يلعبونها، على الرغم من معرفة الضرر الذي كانت تلحقه بالاقتصاد العالمي. كان الغرب يعايش عقداً كاملاً من الاقتصاد السيئ. وكانت الإصلاحات السياسية والهيكلية اللازمة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا تأخذ وقتاً حتى تنتج مردوداً. وكان جزء كبير من أوروبا يتعامل مع مشكلة الشيخوخة الدراماتيكية لسكانه. وكانت الولايات المتحدة عالقة في مستنقع المناقشات الحزبية المستمرة لفترة طويلة.
كانت المفاجأة هي الصين. فقد افترض الجميع أنها ستواصل التقدم. ولم يتوقع أحد شلل القيادة في اتخاذ القرارات، وكيف أن الخلافات الداخلية تؤثر سلباً على النمو الاقتصادي في الصين. وكما اعتاد ميترنيتش أن يقول عن فرنسا في مؤتمر فيينا: إذا عطست الصين، فإن الجميع سيصابون بالزكام. وقد فعلت الصين أكثر من جعل الجميع يصابون بالزكام الاقتصادي. فقد رفع قادة الصين -رغماً عن، أو ربما بسبب التراجع الاقتصادي- حصة الإنفاق العسكري، متسببين في وضع أعصاب الجميع على حافة التوتر.
في هذه البيئة من تباطؤ النمو العالمي وزيادة منسوب عدم الثقة، تصاعدت التوترات الهندية-الباكستانية أيضاً: ففي سنة من سنوات الجفاف، اتهمت باكستان الهند مرة أخرى بإعاقة الإغاثة التي تشتد الحاجة إليها عن طريق رفضها فتح السدود على طول نهر السند. ونظرت دلهي إلى تزايد تسلل المتشددين في كشمير على أنه استفزاز باكستاني. كما اكتشفت أيضاً يداً لإسلام أباد في مؤامرة حاكها متطرفون لتفجير بورصة مومباي. وحشدت الهند جيشها.
وقد تدافعت القوى الكبرى مهرولة. فأرسلت بكين مبعوثاً سرياً إلى واشنطن مع خطة لوقف إطلاق النار. ورفعت الولايات المتحدة والصين الخطة مجتمعتين إلى مجلس الأمن الدولي. ووعدت الصين بحقن كميات هائلة من المساعدات الإنسانية والتنموية إذا توقفت الباكستان عن مزيد من الردود الانتقامية. وهددت الولايات المتحدة وأوروبا بفرض عقوبات واسعة النطاق إذا لم تنسحب الهند. وتقوم الولايات المتحدة والصين برعاية محادثات سلام في جنيف من أجل تسوية قضايا مثل قضية كشمير والدعم الباكستاني للجماعات المسلحة.
ولم يكن أحد ليتوقع مثل هذه النتيجة الإيجابية. وقد اعتمد الكثير على العلاقات الشخصية بين قادة الولايات المتحدة والصين. وتجاهلت كلتا القيادتين الاعتراضات التي أثارها البيروقراطيون من المستوى المتوسط على التعاون مع الآخر، ومنحت لهما جوائز نوبل للسلام لقاء مبادرتهما المشتركة. وقد رأى القادة الخطر الذي ينطوي عليه نشوب حرب كبرى على مستقبل الجميع، وتصرفوا. كما أرادوا أيضا أن يفعلوا الأكثر: ومن هنا جاء قرارهم بدء ثورة تكنولوجية عالمية.
كان لتطوير حلول تكنولوجية للتحديات الكبرى أثر مثير منشط، ولا سيما بالنسبة للأجيال الشابة. وفي حين كانت سنوات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين “شؤماً وقتامة”، تحولت سنوات العشرينيات منه فجأة إلى عصر ذهبي للتكنولوجيا. وقامت كل من الولايات المتحدة والصين بوضع آليات للتقاسم العالمي للابتكار. وازدهرت تبادلات التعليم العالمي على نحو لم يسبق له مثيل. وأصبحت تركيا وروسيا وإسرائيل، على سبيل المثال، بؤراً إبداعية للخصب الإبداعي العابر للثقافات. وانتشرت الصناعات المعرفية في كافة أنحاء أفريقيا وأميركا اللاتينية.
في هذه البيئة التعاونية، ظهر توافق عالمي في الآراء على اتخاذ إجراءات بشأن الطاقة النظيفة والأمن الغذائي. وقادت مختبرات الولايات إنتاج مواد جديدة لتعزيز التخزين المحسَّن للطاقة. وعمل العلماء في الهند على وضع أنظمة طاقة أكثر لامركزية لكي تخدم المناطق الريفية. وأصبحت البرازيل هي المركز للعمل على خلق ثورة خضراء جديدة.
ومن جهتها، رأت دول الخليج المؤشرات المنذرة واستوعبتها، وقامت بتنويع اقتصاداتها بسرعة. وطرحت جهودها لتطوير جامعات قوية -والتي بدأت بمساعدة من الولايات المتحدة والغرب- ثمارها في المنطقة. وتوجد لدى دول الخليج الآن نخبة مدربة تدريباً عالياً وكفؤة في ريادة المشاريع. وقد انتشر نوع من العدوى -على غرار ما حدث في آسيا في السبعينيات والثمانينيات بشكل أو آخر- حيث يشهد الشرق الأوسط الآن تنمية اقتصادية سريعة.
بعد سنوات من الآن، أعتقد بأن المؤرخين سوف يرون إلى الهجرة المتغيرة ومرونة التنقل بوصفها أسساً للتعاون السياسي والتكنولوجي المتنامي. ولما فيه الخير أو الشر، تشكلت نخبة عالمية لها علاقات مع عدة بلدان: وتعمل هذه النخب وتعيش بشكل مريح في أماكن متعددة. وحتى الناس الأقل مهارة أصبحوا أكثر حركة ومرونة، مالئين الثغرات في العديد من المجتمعات التي تعاني من الشيخوخة. وقد عنى الانتشار المتزايد للقياسات البيولوجية أن تتملك السلطات الحكومية الآن بسهولة من تتبع تدفقات الناس. وقد انخفض عدد “المهاجرين غير الشرعيين” في أميركا أو أوروبا. ونتيجة لذلك، أصبحت الحكومات أكثر ثقة بشأن السماح بالتدفقات الموسعة للعمال.
ثمة الآن حديث أقل عن الاتجاهات التراجعية -للولايات المتحدة أو أوروبا. وأصبح انتباه العالم أكثر تركيزاً الآن على كيفية حماية المحيط الحيوي، بالنظر إلى النمو المتراكم الذي أطلقه المزيد من التعاون الدولي. وتنقرض الأنواع النباتية والحشرات بمعدل ينذر بالخطر بسبب الإفراط في التحضر والثورات الزراعية. وقد انفجر حجم الطبقة الوسطى في جميع أنحاء العالم. وحتى الطبقات المتوسطة في الغرب تزداد غنى. إنها دورة لا تنتهي أبداً. وتقوم التكنولوجيات الجديدة بجعل استبدال الموارد أو إتاحتها يذهبان أبعد، لكن العدد المتزايد من الأثرياء الجدد يجعل المدن تنتفخ وتتضخم، بينما تعاني المناطق الريفية نضوباً في السكان. كما أصبحت هموم بيئية أخرى أيضاً مصدر قلق. فقد هبت عدة أعاصير أخيرة قوية بشكل غير عادي، وتسببت في عدد غير مسبوق من القتلى والدمار المادي بشكل غير مسبوق. كما ذاب الجليد في القطب الشمالي بمعدل أكثر سرعة مما كان متوقعاً، وبدأت عملية استغلال متصاعدة للموارد في القطب الشمالي. وتبدو مستويات غاز الميثان وأنها آخذة في الارتفاع بسرعة، مما يؤدي إلى تفاقم مخاوف علماء تغير المناخ.
ما تزال منطقة جنوب آسيا تشكل مصدراً للقلق. وقد أقنع التعاون الجاري في الأماكن الأخرى والضغط القادم من قوى مثل الصين والولايات المتحدة كلاً من الهنود والباكستانيين بزيادة حوارهم الاستراتيجي والشروع في فتح التدفقات التجارية. ويعمل نمو الهند الاقتصادي السريع على إيقاد مشاعر عدم الثقة، والارتياب، والحسد بين الباكستانيين. ولم تتوقف باكستان عن تحديث برنامجها النووي، وما تزال أفغانستان ساحة للمعركة بين المصالح المتنافسة.
لقد طويت صفحة أخرى في تاريخ البشرية -لا مزيد من المنافسة والخصومة على الموارد…
* المحركات معطلة: وهو سيناريو تستدير فيه الولايات المتحدة وأوروبا إلى الداخل وترتكسان على نفسيهما، وتتوقف فيه العولمة.
* الاندماج (التكتل السياسي): وهو عالم تتعاون فيه الولايات المتحدة والصين، مما يؤدي إلى ظهور تعاون على مستوى العالم في مواجهة التحديات العالمية.
* الجني خارج القمقم: وهو عالم تهيمن فيه اللامساواة الاقتصادية.
* عالم اللاعبين من غير الدول: وهو سيناريو يأخذ فيه الفاعلون من غير الدول زمام المبادرة في معالجة التحديات العالمية.

ala.zeineh@alghad.jo

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s