تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأميركي 2012 “الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة”الحلقة السادسة

المحتوى

الفصل الثاني
• مغير اللعبة الثالث: إمكانية تزايُد الصراعات:

الصراعات الداخلية: انخفاض مستمر
الصراعات بين الدول: احتمالات متصاعدة 

الحسابات المتغيرة للاعبين الرئيسيين
مصادر جديدة للاحتكاك في عالم محدود الموارد
انتشار التقنيات الفتاكة
أشكال محتملة جديدة للحرب
 27/01/2013
61ae74dd1014ee977433c177cb0558d9.portrait
تصاعد الصراعات العالمية سيكون سمة للعقدين القادمين -أرشيفية

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يقصد هذا التقرير إلى تحريض التفكير في هذه الطائفة المتنوعة والمتسارعة من التغييرات الجيو-سياسية والاقتصادية والتقنية التي تقوم بتحويل عالمنا اليوم، وإلى تأمل تجلياتها المستقبلية خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين التالية.
(بدأ) هذا التقرير بتحديد ما نرى أنه الاتجاهات الكبرى الأكثر أهمية في عالمنا المتغير –تمكين الفرد؛ توزُّع القوة العالمية إلى شبكات متعددة الوجوه وانسيابها إلى الشرق والجنوب؛ والأنماط الديمغرافية التي ستكون أبرزها شيخوخة السكان وحدوث انفجار في أعداد المنتمين إلى الطبقات الوسطى؛ والتحديات التي تشكلها الموارد الطبيعية. وهذه الاتجاهات الكبرى تمكن معرفتها، وهي تشير في حد ذاتها إلى عالم متغيّر، لكن العالم يمكن أن يُحوّل نفسه بطرق مختلفة جذرياً. وباختصار: إننا نتجه إلى مياه لا يمكن سبر أغوارها.
ونعتقد بأن هذه الاتجاهات الكبرى تتفاعل مع ستة متغيرات، أو “مغيرات للعبة” (1) والتي سوف تحدد أي نوع من العالم المختلف سنَعمُر في العام 2030. وفيما يلي، سنجري حفرية في مغيرات اللعبة الستة الرئيسة وتأثيراتها المحتملة:
• اقتصاد عالمي عرضة للأزمات: هل ستفضي الاختلافات بين اللاعبين ذوي المصالح الاقتصادية المختلفة والتقلبات العالمية إلى توقف اقتصادي عالمي شامل وانهيار؟ أم أن تطوير مراكز تنمية متعددة سيفضي إلى زيادة مرونة النظام الاقتصادي العالمي؟
• فجوة الحكم: هل ستكون الحكومات والمؤسسات الدولية الحالية قادرة على التكيف بسرعة كافية لتسخير التغيير واحتوائه بدلاً من أن يطغى هو عليها؟
• احتمال تصاعد الصراعات: هل ستفضي التغيرات المتسارعة والتحولات في مراكز القوة إلى خلق المزيد من الصراعات بين الدول وفي داخلها؟
• توسع نطاق عدم الاستقرار الإقليمي: هل سيعمل الجَيَشان الإقليمي، خاصة في الشرق الأوسط وشرق وجنوب آسيا، على التسبب بحالة عدم استقرار عالمي؟
• تأثير التقنيات الجديدة: هل سيتم إحداث اختراقات تكنولوجية في الوقت المناسب لإعطاء دفعة للإنتاجية الاقتصادية وحل المشكلات الناجمة عن الضغط على المصادر الطبيعية والتغير المناخي، بالإضافة إلى الأمراض المزمنة، وشيخوخة السكان، والتمدن السريع؟
• دور الولايات المتحدة: هل ستتمكن الولايات المتحدة من العمل مع شركاء جدد على إعادة ترتيب النظام الدولي، مجترحة أدواراً جديدة في نظام عالمي متوسع؟

07a585110ca90ed0932b1cd8188a0e6c

الفصل الثاني
• مغير اللعبة الثالث: إمكانية تزايُد الصراعات:
كشفت الاتجاهات التاريخية خلال العقدين الماضيين عن انخفاض في عدد الصراعات المسلحة الرئيسة، وعن وقوع خسائر مدنية وعسكرية أقل، حيث ما تزال الصراعات دائرة. وتشير البنى العمرية للسكان في عمر النضج في العديد من الدول النامية إلى احتمال استمرار الاتجاه الهابط في أعداد الصراعات الداخلية. وفي المقابل، تتصاعد فرص نشوب الصراعات بين الدول، بما فيها واحد ربما يتمكن من استدراج وإشراك القوى العظمى، ولو أن احتمالات مثل هذا الصراع تبقى منخفضة تاريخياً. لن ترغب الدول العظمى الانخراط في صراع بين الدول لأن ثمة الكثير جداً مما سيصبح على المحك حينذاك. ويبقى الهدف الرئيسي لهذه القوى هو النمو الاقتصادي التي تدرك أن نشوب صراع يمكن أن يخرجه عن مساره بسهولة. كما أن السياق النووي يجعل من كلفة الحرب باهظة جداً أيضاً. ومع ذلك، يبقى سوء الحسابات من جهة أي طرف احتمالاً قائماً.
يمكن أن تتغير بيئة العولمة التي تجسدت خلال العقود العديدة الماضية بتنامي الاعتمادية المتبادلة، خاصة في وقت يتباطأ فيه النمو الاقتصادي في العديد من الدول، ويصبح الاقتصاد العالمي أكثر تقلباً وانطواءً على احتمالات الأزمة. وفي بيئة أكثر تنافسية، لن يكون احتمال نشوب الصراع بين القوى العظمى أمراً غير قابل للتصور. وهناك العديد من المناطق –الشرق الأوسط وجنوب آسيا- التي تبدو عرضة بشكل خاص لانفجارات العنف واسع النطاق، على الرغم من الكلف التي سيرتبها ذلك على هذه المناطق وعلى غيرها. كما يفترض العديد من الخبراء أيضاً أن المحدودية المتنامية للمصادر والموارد، مصحوبة بإمكانية الانحطاط البيئي المتنامي، ربما تشكل نقاط انعطاف للمجتمعات التي تناضل وتعاني من ذلك أصلاً، وبما يفضي إلى نشوب صراعات أكبر داخلية أو فيما بينها. وأخيراً، وعلى عكس ما كان عليه الأمر خلال فترات سابقة، يذهب العنف واسع النطاق باطراد إلى أن لا يكون حكراً على الدولة. وسوف يمتلك الأفراد والجماعات الصغيرة وسائل الوصول إلى أسلحة الدمار الشامل وأدوات الفضاء الافتراضي (السيبراني) القادرة على التسبب بأذى بالغ واضطرابات واسعة الانتشار.
الصراعات الداخلية: انخفاض مستمر
كما لاحظنا، نشب منذ السبعينيات ما يقرب من 80 % من كافة الصراعات المدنية والإثنية المسلحة (التي تخلف 25 وفاة فأكثر في السنة الواحدة نتيجة للقتال) في بلدان ذات بنى سكانية شابة –بمتوسط أعمار يبلغ 25 سنة أو أقل. وحيثما نشبت الحروب المدنية والعرقية، فقد مالت إلى الاستمرار. وكان متوسط طول الصراعات الداخلية التي بدأت في الأعوام ما بين 1970 و1999، ما يقرب من ست سنوات بلا انقطاع حتى لسنة واحدة في عدد الوفيات الناجمة عن الاقتتال. بل ان بعض هذه الصراعات –بما فيها الحرب الأهلية الأنغولية، ومشكلات إيرلندا الشمالية، وحرب البيرو ضد منظمة “شايننغ باث” الماوية، والحرب الأهلية الأفغانية- دامت لعقود طويلة. وفي المقابل، كانت مدة الصراعات الخارجية التي نشبت بين الدول، والتي بدأت بين العامين 1970 و1999، تقل عن السنتين في المعدل.
بدءا من بواكير التسعينيات، حدث توسع ملحوظ في حجم وعدد مهمات دعم السلام التي يتم نشرها في أعقاب الصراعات الداخلية. ويبدو أن عمليات دعم السلام قد أخمدت بعض تلك الصراعات أو أضعفت احتمال ديمومتها، وحالت دون تجدد صراعات أخرى. وقد انحدر عدد الدول الشابة التي اختبرت واحداً أو أكثر من الصراعات الداخلية من 25 % في العام 1995 إلى 15 % في العام 2005. كما ساعد صنع السلام وعمليات بناء الدول –على الرغم من تضارب الآراء العامة إزاء مثل هذه الجهود- في تقليل حجم الخسائر البشرية.
بالنظر إلى المستقبل، سوف يستمر خطر نشوب الصراعات الداخلية بالانخفاض على نحو شبه مؤكد في البلدان والمناطق ذات بنى السكان العمرية من فئة عمر النضج (حيث متوسط الأعمار فوق 25 عاماً). وستكون دول أميركا اللاتينية والكاريبي –باستثناء بوليفيا، وغواتيمالاً، وهاييتي والباراغواي- بصدد الاتجاه إلى معدل أعمار أكثر شيخوخة، ما سيفضي إلى تقليل مخاطر نشوب الصراعات فيها. وعلى نحو مشابه، ربما يتناقص خطر نشوب الصراعات الداخلية في جنوب شرق آسيا القارية –حيث يشيخ سكان بعض الدول بوتيرة سريعة. ومع ذلك، ستبقى مخاطر نشوب مثل هذه الصراعات عالية خلال العقدين القادمين في المناطق الغربية والوسطى والشرقية من جنوب الصحارى الإفريقية؛ وفي أجزاء من الشرق الأوسط وجنوب آسيا؛ وفي العديد من النقاط الساخنة في جزر آسيا-الباسيفيكي: تيمور الشرقية، بوباوا غينيا الجديدة، الفلبين، وجزر سليمان.
ومع ذلك، ينبغي أن نكون حذرين إزاء توقع هبوط ملحوظ في عدد وكثافة الصراعات الداخلية. أولاً، ربما يكون مثل هذا الحاصل معتمداً على استمرار الدعم العالمي لعمليات دعم السلام المكلفة. ثانياً، ثمة زيادة تدريجية تحدث في الصراعات الداخلية في البلدان ذات تركيبات السكان العمرية الأكثر نضجاً، والتي تضم أقليات إثنية شابة ناشزة سياسياً. وتشكل الصراعات التي تشتمل على الأكراد الإثنيين في تركيا، والشيعة في لبنان، والمسلمين البتانيين في جنوب تايلندا، أمثلة على الصراعات الداخلية المستمرة في دول تعرض هيكل سكان عمريا ضمن المدى المتوسط (متوسط أعمار من حوالي 25-35 سنة). وقد استمرت القليل من هذه الصراعات بعد أن تحول هيكل متوسط الأعمار إلى النضج (متوسط أعمار ما بين 35-40 سنة). وتضم الأمثلة كلاً من الأزمة الشيشانية في جنوب روسيا ومشكلات إيرلندا الشمالية. وبالنظر أماماً، يرجح أن تبقى إمكانية حدوث الصراعات الداخلية في جنوب الصحارى الإفريقية عالية، حتى بعد أن تنتقل بعض دول المنطقة إلى بنية متوسط أعمار أعلى، بسبب احتمال ارتفاع أعداد الأقليات الإثنية والقبَلية التي سوف تبقى أكثر شباباً بكثير من مجموع سكان البلدان المعنية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن محدودية الموارد الريفية –مثل المياه والأراضي الصالحة للزراعة- في العديد من البلدان نفسها التي ستشهد مستويات غير متناسبة من زيادة السكان الشباب، سوف تزيد من مخاطر نشوب الصراعات الداخلية. ويشمل مؤشر البلدان التي تواجه ندرة متنامية في المصادر وتصاعداً في المخاطر البيئية العديد من بلدان جنوب الصحارى الإفريقية وجنوب وشرق آسيا، بما فيها الهند والصين. وتواجه العديد من الدول الأغنى مخاطر متنامية فعلاً؛ ومع ذلك، يتسم عدد من البلدان في هذه المناطق –أفغانستان، بنغلاديش، الباكستان، والصومال- بوجود مؤسسات حكم متداعية أيضاً، وربما لن تتمكن من التكيف مع التحديات البيئية المتصاعدة وضغوط السكان.
الصراعات بين الدول: احتمالات متصاعدة
وقعت القليل من الصراعات بين الدول منذ عقد تقريباً، ولم تنشب أي حرب اشتركت فيها قوة عظمى منذ العام 1939، وهو ما يشكل أطول حقبة من السلام بين القوى الرئيسية خلال القرون الخمسة الماضية. ويفسر الباحثون ذلك بعدة طرق. فقد كانت هناك فترات قليلة جداً، إذا كان هناك أي شيء من ذلك أصلاً، توزعت فيها القوة العالمية بشكل غير متناسب كما هو حالها اليوم. ولا تضاهي قوة الولايات المتحدة العسكرية أي مجموعة أخرى ظاهرة من القوى، ويرجح أن يبقى الأمر كذلك لعقود قادمة. ومع أن هناك قوى جديدة تصعد، فإنها تسعى إلى الاستفادة من النظام العالمي القائم، وتتبع منحى الإبقاء على الوضع الراهن. وقد اختار عدد متزايد من الدول، عن وعي أو ضمنياً، الإبقاء على قدراتها العسكرية أقل بكثير مما تنطوي عليه بنيوياً. ويعكس ذلك كيفية تقديرها للأداة المساعدة الحديثة في استخدام القوة لتحقيق الأهداف السياسية، وربما الاعتقاد بأن لديها القليل مما تخشاه من خطر نشوب حرب رئيسية في المستقبل القريب.
ومع ذلك، نعتقد نحن وخبراء آخرون بأن مخاطر نشوب الصراعات بين الدول تتزايد بفضل التغيرات في النظام الدولي. ويبدو أن دعامة نقطة التوازن الراهنة لما بعد حقبة الحرب الباردة تشرع في الاهتزاز. وفي حال أصبحت الولايات المتحدة غير راغبة -أو أقل قدرة على العمل كمزود للأمن العالمي بحلول العام 2030، فإن العالم سيصبح أقل استقراراً. وإذا ما أصبح النظام الدولي أكثر تشظياً ولم يعد يرى الأشكال القائمة من التعاون مفيدة للعديد من اللاعبين الدوليين الرئيسيين، فإن احتمال المنافسة سوف يرتفع أيضاً.
ثمة ثلاث سلال للمخاطر يمكن أن تتآمر لزيادة فرص تفجر الأزمات: الحسابات المتغيرة للفاعلين الرئيسيين؛ النزاع على قضايا الموارد؛ وطيف أوسع من أدوات الحرب التي تصبح حيازتها أكثر إمكانية.
وبالإضافة إلى ذلك، تتزايد فرص امتداد الصراعات الإقليمية –خاصة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا- وإشعال جذوة حريق أوسع نطاقاً. ويرجح أن يبقى الشرق الأوسط أكثر المناطق تقلباً، حتى وهو يتحرك نحو مزيد من الدمقرطة. وتنطوي الديمقراطيات الوليدة على مخاطر أعلى للتراجع وعدم الاستقرار. ويمكن أن تشتعل الخصومات المزمنة –مثل تلك القائمة بين إيران وجيرانها- في حال قررت إيران تطوير أسلحة نووية. ولن يكون من السهل احتواء الكثير من هذه الصراعات بمجرد أن تندلع، وستكون لها تداعيات عالمية. وينطوي التمكين المطرد للاعبين من غير الدول في المنطقة، مثل حزب الله، على إمكانية تصعيد أي صراعات وتوسيعها. كما ستكون لعدم استقرار جنوب آسيا تداعيات عالمية أيضاً، بينما تصبح المنطقة محرك النمو الاقتصادي العالمي باطراد. وتبقى التوترات الهندية-الباكستانية في المقدمة: يساورنا القلق، على سبيل المثال، من حدوث تصعيد للتوترات في حال وقوع هجوم إرهابي رئيسي آخر على التراب الهندي، والذي يكون قد انطلق من منطقة تخضع للسيطرة الباكستانية. وسيشكل وجود شرق آسيا مثقل بالأزمات تهديداً كونياً رئيسياً ويتسبب بضرر واسع النطاق للاقتصاد العالمي. وسوف نتناول احتمالات الصراعات الإقليمية وتداعياتها العالمية لدى بحث مغير اللعبة الرابع (في الحلقة التالية).
الحسابات المتغيرة للاعبين الرئيسيين
يرجح أن تتغير الحسابات الاستراتيجية للقوى الصاعدة التي ستظل مصالحها الإقليمية والعالمية في حالة تغير مستمر ودراماتيكي خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين القادمة. وثمة مناقشات ساخنة تدور في أوساط النخب الصينية، على سبيل المثال، حول ما إذا كان على الصين التخلي عن سياساتها التقليدية –عدم وجود قواعد خارجية أو عقد تحالفات عسكرية رئيسية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى- فيما تتوسع مصالحها في الخارج. وسيكون حاصل هذه النقاشات مؤشراً حاسماً على ما إذا كانت الصين تنوي أن تصبح قوة عالمية عظمى، وهو ما سيكون له تأثيرات بالغة الأهمية على احتمالات حدوث منافسة مستقبلية بين القوى العالمية. وتشير النظائر التاريخية لصعود قوى عالمية أخرى إلى أن تأكيد الصين لنفسها ربما يتصاعد بينما يبطِئ نموها الاقتصادي، وثمة حاجة سياسية في الوطن لتوضيح مكانة الصين في العالم.
بوجود روابط اقتصادية متنامية واعتمادية متبادلة بين منطقة الخليج الفارسي وآسيا، تتوسع نظرة الصين العالمية باطراد. وعلى الرغم من ازدهار التجارة البينية والعلاقات الاقتصادية بين بكين ونيودلهي، تظل العلاقة الهندية الصينية مغلفة بعدم الثقة. وربما لن يتغير هذا الوضع بينما تنمو القوتان بالتوازي –للمرة الأولى في آسيا، حيث عادة ما هيمنت قوة واحدة. وينبع قلق الهند مما تفهمه على أنه سياسة احتواء صينية تهدد صعودها. ويرجح أن يبقى تعاون الصين المستمر مع الباكستان في التطوير النووي وتقنية الصواريخ، وتأكيدها لذاتها بمطالبها الإقليمية، ومعارضتها لمشاركة نيودلهي في المنتديات الإقليمية والعالمية، عوامل تهييج وأن تشكل نظرة الهند الاستراتيجية المستقبلية.
سوف تعتمد حسابات روسيا الاستراتيجية إلى حد كبير على ما إذا كان القادة الروس سيقررون زيادة اندماج روسيا في النظام الدولي وخفض مخاطر وقوع صراعات مستقبلية مسلحة، أو أن يقرروا استمرار عزلة روسيا النسبية وعدم الثقة بالآخرين، وبما يفاقم التوترات بين الدول. ولدى روسيا مكامن قلق جدية تتعلق بالتهديد الذي تشكله الصين سريعة التوسع، وخاصة من شهية بكين المتعاظمة للموارد الطبيعية، والتي يمكن أن تفضي في النهاية إلى الإطباق على شرق روسيا الأقصى وسيبيريا. ويعتقد قادة روسيا بأن عليهم القلق من احتمال تدخل الولايات المتحدة وحلف الناتو في صراع بين روسيا وإحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.
من شبه المؤكد أن تبقى أوروبا بالغة الحذر إزاء استخدام القوة والتدخلات العسكرية. وربما سيستمر الأوروبيون بإدراك أن تحدياتهم الأمنية الأساسية تنتج عن العولمة. وتضم هذه التحديات تهديدات تنبع من انتشار أسلحة الدمار الشامل؛ ومخاطر أدوات الفضاء الافتراضي على البنى التحتية الحاسمة، بما فيها الأصول الفضائية؛ والتهديدات الناجمة عن التنافس على المصادر وتدفق اللاجئين من مناطق الاضطرابات المحتملة. ويرجح أن تفضي الضغوط القوية على الموازنات في المستقبل المنظور إلى إجبار الدول الأوروبية على دمج الموارد الدفاعية الأوروبية، بما يتسبب في تقليص الفجوة العسكرية بين أوروبا وبين القوى العالمية الجديدة مع مرور الوقت. ومع المزيد من التعاون الدفاعي، يمكن أن يلعب الأوروبيون دوراً أكبر في العمليات العسكرية المستقبلية، خاصة في التدخلات لغايات إنسانية.
ويرجح أن تواجه الولايات المتحدة أيضاً –مثل أوروبا- قيوداً تتصل بالموازنة، في الوقت الذي تتضاعف فيه تحدياتها الأمنية العالمية. وهكذا، سيكون على الولايات المتحدة ككل أن تصارع حول المدى الذي تستطيع به الاستمرار في لعب دور الوصي على النظام العالمي والضامن له. وربما يظهر ذلك في العديد من الميادين المختلفة. ويعمل دور الولايات المتحدة التاريخي كضامن للأمن في آسيا، بما في ذلك وجودها الاستثنائي على الأرض، على وضعها في موقف تنافسي مع الدول الآسيوية الصاعدة –الصين بخاصة- والراغبة في لعب أدوار إقليمية أكبر بنفسها. ويرجح أن تحظى حماية الولايات المتحدة للخطوط البحرية –خاصة في الخليج الفارسي وامتداداً إلى أوروبا وعبر المحيط الهندي إلى شرق آسيا- بترحيب معظم الدول في هذه المناطق. ومع ذلك، ربما تتصاعد التوترات –خاصة مع الصين- حول دور الولايات المتحدة في ذلك. ويخشى الاستراتيجيون الصينيون من أن يكون اعتماد الصين على الولايات المتحدة في ضمان أمن الخطوط البحرية نقطة ضعف استراتيجية للصين في أي صراع مستقبلي، مثل الصراع حول تايوان، حيث قد تفرض الولايات المتحدة حظراً على البترول. وفي الرد على ذلك، تقوم الصين ببناء قوتها البحرية وتطور مسارات لنقل الطاقة على اليابسة، بغية تنويع سبل وصولها إلى الطاقة. ومع احتمال اتساع مدى الكوارث الإنسانية، سوف تكون الأصول العسكرية الأميركية –مثل معلومات الكشف والاستخبارات- مفتاحاً للنجاح في الجهود العالمية ذات القاعدة العريضة في هذا الصدد.
مصادر جديدة للاحتكاك في عالم محدود الموارد
إلى جانب التوقعات الأمنية المتغيرة، ثمة التوترات المتصاعدة حول الموارد. سيكون الوصول إلى الموارد –المعادن بالإضافة إلى الطاقة- أمراً حاسماً لاستمرار النمو الاقتصادي المتسارع في العديد من الدول النامية، وستكون هذه الدول أكثر اعتمادية باطراد على الموارد الخارجية. وتبقى إمكانية تصاعد النزاعات حول الحقوق في استغلال قيعان البحار كبيرة في العديد من المناطق –بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي والقطب الشمالي وجنوب الأطلسي. ولا يقتصر الأمر على المطالب الإقليمية غير المحسومة، وإنما تتطور التقنيات الحديثة في مجال التنقيب العميق عن الموارد تحت قاع البحر باطراد. ومع ذلك، تعرف الدول ذات الصلة أن الانخراط في صراع حول هذه الموارد سوف يعرّض استغلالها للخطر. وربما يكون ذلك بمثابة الرادع.
قد تصبح المياه مصدراً أكثر مدعاة للخلاف من الطاقة أو المعادن في الطريق إلى العام 2030، على المستوى الداخلي أو بين الدول على حد سواء. وعلى الرغم من أن الإجهاد المائي (2) قائم في الولايات المتحدة والمكسيك وعلى طول الساحل الغربي لأميركا الجنوبية، فإن الحزام العالمي الرئيسي للإجهاد المائي يقع عبر شمال إفريقيا، والشرق الأوسط، ووسط وجنوب آسيا، وشمال الصين. وتتزايد هذه الحالة من الإجهاد لأن هذه المنطقة هي المتوقع أن تشهد أكبر نمو في عدد السكان خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين المقبلة. وتوجد العديد من مساقط المياه المهمة على طول هذا الحزام المركزي، بما فيها أنهار النيل، ودجلة والفرات، والإندوز، والكنج، وميكونغ، والنهر الأصفر، وأنهار يانغتزي. وباستثناء اليانغتزي وميكونغ، فإن كل هذه الأنهار تقع تحت ضغط معتدل (النيل والكنج) إلى ضغط عال، ويقع نهر ميكونغ على الأقل تحت ضغط عال مؤقت نتيجة للجفاف وملء خزانات المياه الصينية.
أما مساقط المياه الأقل، (وفي الكثير من الحالات -المعروفة أقل) عبر هذا الحزام –بما فيها نهر الأردن في إسرائيل/فلسطين، وأنهار كورا أورال وكيزيليماك (روافد دجلة والفرات الواقعة في تركيا في جزئها الأكبر، وسير داريا وأمو داريا التي كانت ذات مرة أنهارا أكثر أهمية وتغذي بحر آرال)، وبحيرتا بلكاش وتاريم في آسيا الوسطى، فتقع في معظمها تحت الضغط. وعبر شمال إفريقيا، وشبه الجزيرة العربية، وإيران، ثمة مناطق كبيرة لا تحتوي مساقط مياه تمكن ملاحظتها، ولذلك تعتمد بكثافة على المياه الأحفورية والمستوردة، بما في ذلك “المياه الافتراضية” المستوردة؛ مثل السلع الزراعية: كاللحوم، والفواكه والخضراوات التي يتطلب إنتاجها وجود مستويات عالية من المياه.
تاريخياً، أفضت التوترات حول المياه إلى عقد اتفاقيات لتقاسم المياه أكثر مما أنتجت من الصراعات العنيفة، لكن عدداً من المخاطر يمكن أن يغير هذا النمط القديم، بما في ذلك المعدلات العالية لنمو السكان في المناطق المتأثرة، والتغيرات السريعة في وفرة المياه لأسباب مثل حالات الجفاف الحادة، على سبيل المثال. ومع ذلك، يرجح أن تكون الاضطرابات والصراعات الداخلية هي النتائج المباشرة، بينما يضع الطلب المتعاظم في الداخل بسبب أعمال الإغاثة والهجرة من المناطق المتأثرة مزيداً من الضغوط على المناطق الأخرى. ومع ذلك، تعني حقيقة أن العديد من أحواض الأنهار في معظم المناطق المتأثرة بضغط المياه متقاسمة بين الدول، عدم إمكانية استبعاد نشوب الصراعات بين الدول، خاصة في ضوء التوترات الأخرى القائمة بين العديد منها.
انتشار التقنيات الفتاكة
سوف تشهد السنوات الخمس عشرة إلى العشرين المقبلة ظهور طيف أوسع من أدوات الحرب الأكثر قابلية للامتلاك، خصوصاً قدرات توجيه الضربات الدقيقة، وأدوات الفضاء الافتراضي (السيبراني)، وأسلحة الإرهاب البيولوجي.
ويعمل التوافر التجاري لمكونات رئيسية، مثل الصور، والوصول الذي يكاد أن يكون عالمياً إلى بيانات الملاحة الدقيقة GPS، على نشر قدرات توجيه ضربة دقيقة إلى لاعبين من الدول وغير الدول، ويمكن أن يسمح انتشار الأسلحة المزودة بأجهزة للتوجيه وضبط الدقة بوضع بنى تحتية حاسمة تحت خطر عدد أكبر بكثير من الخصوم المحتملين. وقد يخلق ذلك دينامية أمنية جديدة جذرياً في مناطق مثل الشرق الأوسط، حيث توجد الكثير من القوى المتنافسة. ويمكن أن يشكل انتشار الأسلحة دقيقة الإصابة بعيدة المدى وأنظمة الصواريخ المضادة للسفن تحديات كبيرة أمام نشر الولايات المتحدة وحلف الناتو للقوات، بما يحد من خيار العمل العسكري في داخل مسرح الحدث. ويمكن أن يثني ذلك الأطراف الثالثة عن التعاون بسبب المخاوف من أن تصبح هي نفسها ضحايا لاستهداف مصالحها بدقة، وبتداعيات أكثر فتكاً. ويمكن للأسلحة الأكثر دقة أن تجعل المهاجمين يصبحون مفرطي الثقة بقدراتهم العسكرية، وبالتالي أكثر ميلاً إلى استخدام مثل هذه الأنظمة. كما قد تمنح الدقة المهاجمين إحساساً زائفاً بقدرتهم على تفصيل الهجمات بطريقة تُحدِث تأثيرات معينة ضيقة النطاق.
يمكن أن تأخذ الأسلحة السيبرانية (المتعلقة بالفضاء الافتراضي، الإنترنت) أشكالاً مختلفة، بما في ذلك الفيروسات (برامج تضاعف نفسها ويتطلب انتشارها فعلاً بشرياً)، والديدان (فئة فرعية من الفيروسات، يمكن أن تنتشر من دون فعل بشري)، وأحصنة طروادة (برمجيات ماكرة تكون مخبأة داخل برنامج مشروع)، وهجمات الحرمان من الخدمة (قصف الخوادم برسائل تجعلها تتعطل)، و”صيد السمك” (رسائل إلكترونية ومواقع إلكترونية مارقة، تخدع الناس بحيث يكشفون عن معلومات كلمة السر/ الدخول).
وتشمل سيناريوهات أعمال الحرب السيبرانية، شن الهجمات المنسقة بالأسلحة السيبرانية، والتي تقوم بتخريب أصول البنية التحتية بالتزامن. ويتضمن أحد السيناريوهات حالة حيث تفشل أنظمة الطاقة، والإنترنت، وآلات الصرف الآلي، والبث الإعلامي، والإشارات الضوئية، والأنظمة المالية، وبرامج الطيران الجوي جميعاً معاً ولفترة تمتد لأسابيع. وتشير اتجاهات الهجمات السيبرانية حتى الآن إلى أنه على الرغم من أن بعض أنظمة الحاسوب تكون أكثر أمناً من أخريات، فإن أنظمة قليلة، إذا كان مثلها موجوداً أصلاً، يمكن أن تزعم بأنها آمنة تماماً أمام هجوم سيبراني مبيّت. وبالنسبة لبعض المهاجمين، تعرض الهجمات السيبرانية ميزات أخرى والتي نادراً ما كانت متوفرة في معظم أعمال الحرب: مجهولية هوية الفاعل، وانخفاض كلف الشراء. وتجعل هذه الخصائص من الحرب السيبرانية مفضلة لاستخدام الجماعات والأفراد الساخطين الراغبين في زراعة الفوضى.
سوف يزيد التداخل المتعاظم للأجهزة والبرمجيات، بما في ذلك الاستخدام الأكبر لحوسبة السحابة والتكامل بين الأنظمة، من نقاط ضعف وهشاشة قادة التكنولوجيا أمام الهجوم، بمن فيهم الولايات المتحدة. وتشير الاتجاهات الحالية إلى ترجيح أن يصبح التعالق العميق بين أنظمة البرمجيات المختلفة والأجهزة هو العرف السائد، بما يمكّن الوصول عن بعد إلى كافة أنواع الأنظمة التي ما تزال غير متصلة بالشبكة اليوم. وسيكون للمزيد والمزيد من الأنشطة اليومية مكون رقمي –ركوب حافلة، شراء الحاجيات من البقالة، دخول غرفة اجتماعات. وفيما تصبح المجتمعات أكثر اعتمادية على البرمجيات وتصبح الأنظمة أكثر اتصالاً، سوف تزداد مستويات الضرر المحتمل الذي يمكن أن يوقعه هجوم سيبراني.
ثمة القليل من البدائل للإنترنت. وستكون إحدى ردود الفعل خلق شبكات غير متصلة، والتي ستكون أقل فعالية، لكنها أكثر أمناً من الهجمات السيبرانية. وتتخذ الأنظمة السلطوية مسبقاً مثل هذه الخطوات؛ وعلى سبيل المثال، أنشأت إيران نظام إنترنت وطني. ومع ذلك، وعلى المدى البعيد، يرجح أن تضطر المنظمات والأفراد إلى العمل بجد للخروج من الشبكة الإلكترونية العالمية أو تنفيذ النشاطات من دون ترك أثر رقمي.
وكما هو حال الطيف الواسع من الأهداف المحتملة –التي تشمل كل شيء، من الأنظمة العسكرية إلى شبكات الكهرباء، والأنظمة المالية- فكذلك سيختلف المخربون السيبرانيون المحتملون على شبكة الإنترنت أيضاً. حتى الآن، ما تزال الأسلحة السيبرانية التي ينتجها المجرمون والأفراد الساخطون غير معقدة مقارنة مع أدوات اللاعبين من الدول، لكن من المرجح أن يتحسن ذلك بينما تصبح المنظمات الإجرامية أكثر مهارة، وتستطيع أن تبيع خدماتها للاعبين من الدول وغير الدول، من المنطوين على نوايا أكثر خطورة. ويبدو الإرهابيون حتى الآن مركزين على إيقاع خسائر بشرية كبيرة، لكن ذلك يمكن أن يتغير بينما يدركون مدى الأضرار التي يمكنهم إحداثها باستخدام الحرب السيبرانية.
يمكن أن تقع الدول التي تمتلك أسلحة نووية تحت إغواء تفجير أداة نووية لإنهاء قدرة خصومها على البقاء متصلين. ولا تستطيع الكثير من الأنظمة الحالية العمل في بيئة إلكترومغناطيسية معادية أو معرضة للإشعاع. وفي هذه الحالة، لن يكون الاستخدام النووي الأول بهدف إلحاق الأذى بالبشر بقدر ما سيكون لحرمان الخصوم من استخدام الأنظمة الإلكترونية. ويمكن أن يكون الفضاء، والمحيطات، والمخانق قرب السواحل، مناطق محتملة للاستخدام النووي مع القليل من الخسائر العرَضية البشرية.
يرجح أن ينشأ سباق تسلح سيبراني بينما تسعى الدول إلى الدفاع عن البنى التحتية العامة والخاصة ضد اللاعبين من الدول أو غير الدول، وكذلك من أجل ضم الهجمات السيبرانية والهجمات الفيزيائية المنهكة الأخرى إلى ترساناتها من الأسلحة الاستراتيجية. ومع ذلك، يظل المدى الذي ستساهم به الأدوات السيبرانية في تشكيل مستقبل الحرب غير واضح. ويعتقد مؤرخو الحرب بأن الحال ربما ينتهي بالقوة السيبرانية على نحو يشبه توقعات بداية القرن العشرين لمدى حسم القوة الجوية. ومع أن القوة الجوية لعبت دوراً هاماً في صراعات القرن العشرين، فإنها لم تنجز أبداً ما زعم أكثر المتحمسين لها بأنها ستنجزه: أن تكون قدرة مستقلة قادرة على كسب الحرب.
ربما تكون القوة السيبرانية مهمة بنفس المقدار بعيداً عن ميدان المعركة، في الجانب المتعلق بقدرة تقنية المعلومات على تمكين ظهور الحركات الاجتماعية المرتبطة على الشبكة، وهو ما يمكن أن ينتج تأثيرات اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة. وتتعلق الإمكانية التي خلقتها تقنية المعلومات بثورات “افعلها بنفسك” المستقبلية، التي تقوم بها شبكات اجتماعية متصلة بواسطة الشبكة، والتي توظف تقنيات المعلومات للتواصل والتعاون مع الأفراد ذوي الآراء والاتجاهات الفكرية المشابهة.
وينطوي التقدم في البيولوجيا الصناعية أيضاً على إمكانية أن يصبح سيفاً ذا حدين، ومصدراً لتسلح فتاك يكون في متناول البيولوجيين من طراز “افعلها بنفسك” أو القراصنة البيولوجيين. وبينما تنخفض الكلف وتتحسن تقنيات ترتيب سلاسل الحمض النووي الريبوزي DNA والبيولوجيا الصناعية، يبني الباحثون على هذا التقدم بطرق تضع أسساً مهمة لتطوير الحقل. ولأن جهود التسويق المبكرة استفادت من عرض الأدوات والمواد منخفضة الكلفة للباحثين الأكاديميين والتجاريين، فقد أسس المجتمع البيولوجي مستودعاً مفتوحاً متاح الوصول للبنات البناء الموحدة القابلة للتبادل -أو “الطوب الحيوي”- من الأعضاء البيولوجية التي يمكن أن يستخدمها الباحثون. ولا يسهم هذا التقدم فقط في تعظيم فرص استكشاف التطبيقات التي تزداد أصالة وقيمة، وإنما يرفع أيضاً من مخاطر الاستخدام المزدوج –المقصود وغير المقصودة- للتطورات في الحقل. وسيكون ذلك صحيحاً بشكل خاص بينما يصبح الوصول إلى التكنولوجيا البيولوجية أسهل على مستوى كوني، وبالتالي، سيصبح من الصعب تعقب وضبط وتقليل إمكانيات الإرهاب البيولوجي، إن لم يكن “الخطأ البيولوجي”.
حتى الآن، ركزت مبادرات السياسة على إنتاج متطلبات الإبلاغ المتعلقة بمنتجي السلع، لكن مثل هذا الجهد يمكن أن يصبح عبثياً فيما يصبح البحث البيولوجي أكثر انتشاراً وتوزُّعاً. وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن تطبيقات التكنولوجيا سوف تبقى متقدمة على فهم كافة المخاطر. وكلما استمر غياب الجهود الرامية إلى تقوية الأطر التنظيمية الضابطة لإدارة المخاطر بفعالية، أفضى الوصول الأكبر إلى البيولوجيا الصناعية إلى زيادة فرصة تطوير واستخدام الأسلحة البيولوجية من جهة الأفراد أو الجماعات الإرهابية، أو الإطلاق غير المقصود لمواد خطرة نتيجة “خطأ بيولوجي”.
أشكال محتملة جديدة للحرب
في حال حدثت صراعات مستقبلية بين الدول، فيرجح أنها ستشمل أشكالاً متعددة من أعمال الحرب. وسوف تنطوي الحروب المستقبلية في آسيا، والتي تشترك فيها روسيا، الصين أو الهند والباكستان على خطر استخدام الأسلحة النووية، بالإضافة إلى القدرات العسكرية التقليدية. وربما تشتمل الحروب المستقبلية في الشرق الأوسط أيضاً على عناصر نووية في حال استمر انتشار الأسلحة النووية.
تشكل الصراعات مع المنظمات التي ترعاها الدول، مثل حزب الله وحماس، الأرضية المشتركة لطيف أعمال الحرب المستقبلية، لأن مثل هؤلاء الخصوم ربما يجمعون تكتيكات الحرب غير النظامية، والمفاهيم المنظمة مع أسلحة المواجهة المتقدمة والدفاعات الجوية.
يرجح أن تتشكل شخصية الحروب المستقبلية في نهاية المطاف بوجهات عدد من المنافسات العسكرية الجارية والناجمة. وسوف تساعد الدينامية التي تخلقها هذه المنافسات، وكذلك أفق خروج كاسب واضح في النهاية، على تعريف شخصية البيئة الأمنية المستقبلية وأي حروب هي التي يمكن أن تحدث في داخلها.
*الوصول في مقابل الوصول المضاد: تقف قدرة الولايات المتحدة على عرض قوى جوية وبحرية في تنافس مع قدرات الصين المتنامية على ردع ومنع مثل ذلك العرض للقوة. وسوف تحدد حصيلة هذه المنافسة قدرة أي من الجانبين على السيطرة على المقاربات الجوية والبحرية لشرق آسيا، وستحدد قدرة الولايات المتحدة على تطمين حلفائها في المنطقة.
*عدم تفضيل نووي في مقابل نهضة نووية: تحركت الطموحات النووية في الولايات المتحدة وروسيا خلال السنوات العشرين الماضية في اتجاهات متعاكسة. ففي حين يشكل خفض دور الأسلحة النووية في الاستراتيجية الأمنية الأميركية غاية، تسعى روسيا إلى إنتاج مفاهيم وقدرات جديدة لتوسيع دور الأسلحة النووية في استراتيجيتها الأمنية. وترغب قوى نووية أخرى مثل الباكستان، وطامحون محتملون مثل إيران وكوريا الشمالية، بامتلاك الأسلحة النووية لتعويض مكامن ضعفها الأمنية.
*الدفاع الصاروخي في مقابل الهجوم الصاروخي: أصبح انتشار صواريخ المواجهة بحيث تكون في متناول كل من اللاعبين الدول وغير الدول سمة للحرب الحديثة. وسوف يزداد التهديد الذي تشكله هذه الصواريخ للبنى التحتية الحاسمة (الاقتصادية، وبنى الطاقة، والسياسية …إلخ) وكذلك للقوات العسكرية، بينما تزداد قدرتها على استغلال التوجيه الدقيق أو حمل أسلحة الدمار الشامل. وفي المقابل، تبذل بعض الدول جهوداً كبيرة لمواجهة التهديد من خلال بناء دفاعات متعددة الطبقات ضد الصواريخ. ويبقى أن نرى ما إذا كان بوسع أنظمة الدفاع المتقدمة تكنولوجيا وباهظة الكلفة، أن تواكب الأعداد المتزايدة من الصواريخ البالستية وصواريخ كروز التي يمكن استخدامها ضدها.
*التفوق المعلوماتي في مقابل الحرمان المعلوماتي: تعتمد الطريقة التقليدية للحرب بالنسبة للولايات المتحدة وحلف الناتو على تحقيق التفوق المعلوماتي لتحديد الأهداف، واستخدام الأسلحة دقيقة التوجيه، والاحتفاظ بقيادة وسيطرة فعالتين. وسيكون لقدرة خصم مستقبلي على تحييد أو تقليل هذه الميزة المعلوماتية –بما في ذلك من خلال توسيع القتال إلى الفضاء الخارجي- تأثير دراماتيكي على سلوك الحرب المستقبلي. ويشكل تطوير الصين قدرات لمواجهة التفوق المعلوماتي الأميركي في صراع مستقبلي مثالاً على هذا النوع من المنافسة.
*أشكال معتادة في مقابل أشكال غير معتادة من الاشتباك: من المؤكد أن المنافسة بين العمليات العسكرية العادية المنظمة المعتمدة على الدولة، وبين القتال غير الاعتيادي، اللامركزي الذي عُرض مؤخراً في أفغانستان والعراق، سوف تستمر. وليست هذه المنافسة جديدة، لكن ارتقاء الـ”الخصوم المهجنين”، الذين يجمعون بين التكتيكات المعتادة وأسلحة المواجهة المتقدمة، تضيف إليها بُعداً جديداً.
(1)  مغيرات اللعبة game changers: مغير اللعبة، هو شخص أو فكرة تغير القواعد المقبولة والعمليات والاستراتيجيات وإدارة المهمات. أو هو عنصر أو مكون مُنتج حديثاً، والذي يغير وضعاً أو نشاطاً قائماً بطريقة يعتد بها.
(2)  يحدث الإجهاد المائي water stress عندما تكون الإمدادات السنوية من المياه لدولة أو منطقة أقل من 1.700 متر مكعب للفرد الواحد سنوياً.

ala.zeineh@alghad.jo

Advertisements

2 responses to “تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأميركي 2012 “الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة”الحلقة السادسة

  1. التنبيهات: محور§§ _ الوكالات الاستخبارية الأميركية ترى عالما مختلفا في العام 2030 §§ | ستراتيجي أنفو·

  2. التنبيهات: محور§§ الوكالات الاستخبارية الأميركية ترى عالما مختلفا في العام 2030 §§ | ستراتيجي أنفو·

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s