الفراغ الاستراتيجي السوري

da008cdfa29b31cd7217e9eaacc9bfe7.portrait

 يونيو 17, 2013                                                                                                                                                                                                                      /http://natourcenter.info
أصبحت الحجج المطروحة داخل الإدارة الأميركية بشأن الوضع السوري مستهلكة جدّاً، ومن المستبعد أن تؤدي إلى مفاجآت، لكن الضغوط التي تتعرض لها الإدارة كي تعمّق تدخلها العسكري في الصراع السوري قد تصبح أقوى من أن تُقاوم.

كتب الخبر: MARC LYNCH

مارك لينش مدير معهد دراسات الشرق الأوسط وأستاذ العلوم السياسية، جامعة جورج واشنطن – قسم الترجمة 17/6/2013

ستعقد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما جولة إضافية من المشاورات الداخلية بشأن الطريقة الفضلى للتعاطي مع الشأن السوري، ورغم التغطية الإعلامية الكثيفة، أصبحت الحجج المطروحة داخل الإدارة مستهلكة جدّاً، ومن المستبعد أن تؤدي إلى مفاجآت، لكن الضغوط التي تتعرض لها الإدارة كي تعمّق تدخلها العسكري في الصراع السوري قد تصبح أقوى من أن تُقاوم، كما ذكر زميلي في Foreign Policy آرون ديفيد ميلر أخيراً، مع أن الأغلبية العظمى من الشعب تعارض خطوات مماثلة ولا أحد يعتقد حقّاً أن الأفكار المطروحة قد تنجح.

يشكّل الجدال في واشنطن بشأن سورية جزءاً من جدال أوسع يتناول دور الولايات المتحدة الملائم في الشرق الأوسط والعالم، ومن الواضح أن إدارة أوباما أصابت في تشديدها على ضرورة عدم الانجرار إلى مستنقع آخر شبيه بالعراق، غير أن كثيرين في واشنطن يعتبرون رفض التدخل في سورية، كما الانسحاب من العراق، تخليّاً عن القيادة، ولكن يقرّ معظم الصقور أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمّل كلفة حرب أخرى مثل العراق أو أفغانستان، فضلاً عن أن الشعب يرفض ذلك، لذلك يوصي قليلون علانية بتدخل أميركي واسع النطاق.

تركّز الحجج التي لا تنتهي بشأن سورية غالباً على المسائل التكتيكية: تسليح الثوار، والدبلوماسية، وفرض منطقة حظر جوي. ولكن كما أشار أخيراً ميكا زنكو في Foreign Policy، تؤدي هذه الخيارات المحدودة إلى تورط واشنطن مباشرة في الحرب من دون أي أمل منطقي بإنهائها، وقد ينجح إحداث حفر في مدارج الطائرات لبضع ساعات إلى أن يصلحها بشار الأسد، ومع أن منطقة الحظر الجوي قد تحدّ من القدرات التدميرية لقوات الأسد الجوية، يملك الجيش السوري موارد أخرى، أما تسليح الثوار، فقد يميل الدفة قليلاً في ساحة القتال، إلا أنه لن يكسر حالة الجمود الاستراتيجي القائم أو يمنح واشنطن نفوذاً يُذكر داخل صفوف المعارضة السورية. ويجب ألا ننسى أن الخطوة الأولى على منحدر زلق تكون سهلةً عادةً، بيد أن حلّ الصراع أو العثور على مخرج من هذا المستنقع أكثر صعوبة بكثير.

لا تصيب الحجج المألوفة عن الخيارات المتوافرة للولايات المتحدة لبّ الموضوع، بل تخفي سؤالاً بالغ الأهمية: متى تُصنَّف سياسة أميركية في سورية “ناجحة”؟ هل يجب اعتبار سورية جبهةً في حرب باردة إقليمية واسعة ضد إيران وحلفائها أم كارثة إنسانية من الضروري وقفها؟ يتخطى هذان السؤالان الحدود الحزبية ويتحوّلان إلى سؤالين أساسيين بشأن كيفية فهم الشرق الأوسط، الذي يتبدّل بسرعة.

يُعتبر هذا الاختلاف في التصنيف بالغ الأهمية في مناقشات سياسات محدّدة، فالخطوات التي تستنزف إيران وحلفاءها تطيل إراقة الدماء وتفاقمها، في حين أن السياسات التي تخفف المعاناة الإنسانية وتؤدي إلى تشكيل دولة سورية أكثر استقراراً بعد الحرب قد تتطلب التعامل مع داعمي الأسد. تخيلوا، مثلاً، أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري توصل إلى إنجاز دبلوماسي أنهى من خلاله القتال وضمن انتقال السلطة السياسية سلمياً في سورية، إلا أنه اضطر إلى إعطاء إيران دوراً مهماً فيه، ولا شك أن هذا سيشكّل انتصاراً كبيراً من وجهة النظر الإيرانية، بيد أنه سيتحوّل إلى كارثة تاريخية بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

يعتبر كثيرون من المنادين بتدخل أكثر عدائية الصراع السوري جبهة في حرب باردة مع إيران، ومن وجهة النظر هذه، لا يُعدّ دخول حزب الله الحرب وسقوط القصير بالضرورة أمراً سيئاً، فمع هذه الخطوة بات باستطاعة واشنطن اليوم أن تضرب مباشرة أحد أهم الأصول الإيرانية في الشرق الأوسط، فقد خرجت ملكة العدو، إذا استعنا في وصفنا هذا بلعبة الشطرنج، من وراء جدار بيادقها وصارت عرضة للهجوم، ومن المؤكد أن الخوف من هزيمة الثوار وانتصار حزب الله وإيران سيرغم دول الخليج العربي، أوروبا، والولايات المتحدة على تقديم المزيد من المال والدعم العسكري.

إذا تبنت واشنطن هدف استنزاف إيران وحلفائها من خلال حرب بالوكالة، فمن المنطقي أن نشهد مجموعة من السياسات المؤيدة للتدخل. وسيكون النموذج المتبع في سورية شبيهاً بالحرب التي خاضها المجاهدون ضد الاحتلال السوفياتي في أفغانستان: تمرّد طويل الأمد يُنسَّق عبر الدول المجاورة، تؤججه أموال الخليج العربي، وتروّج له الدعاية الإسلامية والعلمانية.

لكن “نجاح” هذه الاستراتيجية يُحدَّد من خلال الضرر الذي تُنزله بإيران وحلفائها، لا من خلال خفضها حصيلة الضحايا المدنيين، تأسيسها دولة سورية أكثر استقراراً وسلاماً، وتهميشها المجاهدين الإسلاميين الأكثر تطرفاً. كذلك لن يشكّل إنهاء الحرب أولوية، إلا إذا شمل إنزال هزيمة كاملة وشاملة بالأسد، إلا أن تنامي العنف، وتدفق اللاجئين، واتخاذ الصراع طابعاً إقليميّاً ستزيد على الأرجح الضغط على الدول المجاورة، مثل تركيا، والأردن، ولبنان، وإسرائيل، والعراق، كذلك ستؤجج هذه التطورات الطائفية، بما أن التشديد على الانقسامات السنية-الشيعية يشكّل جزءاً رئيساً من جهود الخليج العربي السياسية لحشد الدعم للمعارضة السورية. فضلاً عن ذلك، ستبقى منطقة الحرب أرضاً خصبة لجهاد تنظيم القاعدة، مهما بلغت كمية الأسلحة التي تُرسَل إلى منافسيه “المعتدلين” في المعارضة.

ولكن ما الذي يمكن أن يحدث إن اعتُبر هذا الصراع حرباً أهلية سورية وكارثة إنسانية؟ لطالما شكّل حلّ هذه الأزمة المزدوجة محور الجهود الدبلوماسية الدولية والأميركية. وها قد تحوّل مجدداً إلى أبرز أولويات مؤتمر جنيف الثاني المقترح (الذي سيولد ميتاً على الأرجح)، الذي يهدف إلى جمع النظام السوري والمعارضة على طاولة الحوار بغية التوصل إلى صفقة من خلال التفاوض. قد تحدّ تسوية مماثلة نظريّاً عمليات القتل، وتسمح بعودة اللاجئين، وتخفف الضغط عن جيران سورية، وتهمّش المجاهدين، وتقلّص مشاعر الكره الطائفي المتفشية في المنطقة، إلا أنها لن تشكّل هزيمة لإيران وحلفائها.

لا يبدو أي من الأطراف المتحاربة حاليّاً مستعداً لسلوك درب مؤتمر جنيف الثاني للوصول إلى عملية انتقال للسلطة من خلال المفاوضات، ولا شك أن مشاكل صفقة مماثلة كبيرة، وتفضّل إيران ودول الخليج، على ما يبدو، شن حرب بالوكالة على عقد صفقة إقليمية بشأن سورية (مع أن بعض الدول الملاصقة لها، مثل الأردن، تبدو أكثر ميلاً لعقد صفقة مماثلة)، فستبدو مشاكل تطبيق هذه الصفقة مهولة وأحياناً أكثر تعقيداً من أن تُحلّ: من الطبيعي أن تقلق المعارضة من أن يستغلّ الأسد تخفيف وتيرة الصراع ليُصفّي خصومه، في حين أن المعارضة السورية المتقاتلة في ما بينها ستواجه صعوبة في إقناع أعضائها بالالتزام بالاتفاق.

نتيجة لذلك، من الضروري أن تستند مناظرة التدخل العسكري الأميركي إلى مناقشة صريحة للأهداف، لا السبل فحسب، ففي الوقت الراهن، يتأرجح مؤيدو تسليح الثوار بين تأسيس حججهم على أن هذه الخطوة ستشكّل ضربة للإيرانيين وبين الادعاء أن خطوة مماثلة قد تحسّن احتمالات التفاوض من أجل التوصل إلى حل. ولكن من الضروري التخلص اليوم، لا بعد أن تتورط واشنطن في الصراع، من هذا التوتر البارز بين مَن يقولون إن الثوار يحتاجون إلى كمية إضافية من الأسلحة كي يرغموا الأسد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ومَن يعتبرون أن هذا الدرب سيؤدي إلى إنزال هزيمة نكراء بنظام الأسد.

يُظهر الواقع أن إدارة أوباما أحسنت في مقاومتها الدعوات المتواصلة للتدخل في الحرب في سورية، فهل يعتقد أي شخص راقب صلابة الأسد السنة الماضية أن النظام كان سيسقط بسرعة في وجه الضربات الجوية وفرض منطقة حظر جوي؟ فلو سلكت الولايات المتحدة هذا الدرب، لما كان المشهد السوري مختلفاً كثيراً عما نراه اليوم، باستثناء أن الولايات المتحدة كانت ستغرق في هذا المستنقع وأن أوباما سيتعرض لضغوط ملحّة تدعوه إلى التصعيد.

أعتقد أن أوباما أذكى من أن يستسلم للضغط ويسلّح الثوار ليظهر بمظهر مَن “يتخذ الخطوات” فحسب، ولكن بغية المحافظة على موقف مماثل، على إدارته أن تبحث في ما وراء مجموعة الخيارات السياسية المطروحة وتوضح ما تريد الولايات المتحدة بالتحديد تحقيقه في سورية.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s