تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأميركي 2012 « الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة » /الحلقة الثانية

=المحتوى

•.الاتجاه الكبير الثاني: توزّع القوة العالمية
• صعود الدول وسقوطها: ليست القصة القديمة ذاتها
• لا حدود للقوة الصلبة  في عالم 2030
• الاتجاه الكبير الثالث: الأنماط الديمغرافية
• الشيخوخة واسعة النطاق
• عدد متناقص من البلدان الشابة
جريدة الغد الاردنية
  30/12/2012
 6eaa1ccd3c8d3191a0c2a09c3026a641.portrait

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يقصد هذا التقرير إلى تحريض التفكير في هذه الطائفة المتنوعة والمتسارعة من التغييرات الجيو-سياسية والاقتصادية والتقنية التي تقوم بتحويل عالمنا اليوم، وإلى تأمل تجلياتها المستقبلية خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين التالية.
ونبدأ هذا التقرير بتحديد ما نرى أنه الاتجاهات الكبرى الأكثر أهمية في عالمنا المتغير -تمكين الفرد؛ توزُّع القوة العالمية إلى شبكات متعددة الوجوه وانسيابها من الشرق إلى الجنوب؛ والأنماط الديمغرافية التي ستكون أبرزها شيخوخة السكان وحدوث انفجار في أعداد المنتمين إلى الطبقات الوسطى؛ والتحديات التي تشكلها الموارد الطبيعية. وهذه الاتجاهات الكبرى تمكن معرفتها، وهي تشير في حد ذاتها إلى عالم متغيّر، لكن العالم يمكن أن يُحوّل نفسه بطرق مختلفة جذرياً. وباختصار: إننا نتجه إلى مياه لا يمكن سبر أغوارها.
ونحن نعتقد بأن هذه الاتجاهات الكبرى تتفاعل مع ستة متغيرات، أو “مغيرات للعبة” (1) والتي سوف تحدد أي نوع من العالم المتغير سوف نَعمُر في العام 2030. و”مغيرات اللعبة” هذه -الأسئلة عن الاقتصاد العالمي، وطبيعة الحكم الوطني والكوني، وطبيعة الصراع، والتدفق الإقليمي، والتقنيات المتقدمة، ودور الولايات المتحدة في المسرح الدولي– هي العناصر الخام التي يمكن أن تزرع بذور الفوضى العالمية أو قدراً مذهلاً من التقدم العالمي على حد سواء.
وبناء على ما نعرفه عن الاتجاهات الرئيسية الكبرى، وبتصور التفاعلات الممكنة بين الاتجاهات الكبرى ومغيرات اللعبة، فإننا نستشرف أربعة أشكال محتملة للعالم: على أحد طرفي الطيف، ثمة عالم متوقف المحركات، والذي تتعاظم فيه الصراعات بين الدول وتعيد فيه الولايات المتحدة تخندقها. وعلى الطرف النقيض، ثمة عالَم مستعادُ التوازن ومُنصهر، والذي يكون فيه التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتقني والسياسي مظاهر واسع الانتشار. وفي الوسط، ثمة إمكانيتان أخريان: عالم “جنّي خارج من القمقم”، والذي تسوده المظالم وتنعدم فيه المساواة؛ أو عالم اللادولة، الذي يزدهر فيه اللاعبون من غير الدول، سواء للخير أو الشر.
وليس في هذه النواتج المحتملة واحد يتعذر تجنبه. وسوف يتشكل الترتيب العالمي المستقبلي بقوة الفعل البشري، بقدر ما سيتشكل بالكثير من الاتجاهات المتكشفة والأحداث التي لا يمكن التنبؤ بها.
في وصفنا لأشكال المستقبل الممكنة، سنقوم بتحديد نقاط الانعطاف، وكذلك الفرص والمخاطر، بغية مساعدة القراء على التفكير في استراتيجيات يمكن أن تؤثر على مسار العالَم.

الفصل الأول
ثمة اتجاهات أربعة كبرى، هي التي ستحدد شكل العالم في العام 2030:
•  تمكين الفرد.
•  توزع القوة.
•  الأنماط الديمغرافية.
•  الترابط المطّرد بين الغذاء، والماء، والطاقة، في علاقتها مع التغير المناخي.
وهذه الاتجاهات موجودة اليوم، لكنها ستتعمق في غضون السنوات الخمس عشرة إلى العشرين المقبلة، وستصبح أكثر تداخلاً لتنتج عالماً مختلفاً نوعياً. وعلى سبيل المثال، سوف يؤدي دخول مئات الملايين من الناس إلى الطبقة الوسطى في كل مناطق وأقاليم العالم إلى خلق إمكانية لتحقق “مواطنية” عالمية، وبتأثير إيجابي على الاقتصاد الكوني والسياسة العالمية. وبالمقدار ذاته، يمكن أن يعمل غياب الإدارة والتقنيات الأفضل، والمزيد من محدودية الموارد، على الحدّ من تحقيق مزيد من النمو، وبما يتسبب في توقف محركات العالم.
وثمة أسفل هذه الاتجاهات الرئيسية تحوّلات تكتونية(2) –تغيرات حاسمة للخصائص الرئيسية لبيئتنا العالمية، والتي ستؤثر على الكيفية التي “يعمل” بها العالم.

ba6364b46eab4ad8835aee2ccee5cde0.portrait

الفصل الأول

• الاتجاه الكبير الثاني: توزّع القوة العالمية
سوف يكون لتوزع القوة العالمية بين الدول، وانسيابها من الدول إلى الشبكات غير الرسمية، تأثير دراماتيكي بحلول العام 2030، وبما يعكس إلى حد كبير اتجاه الصعود التاريخي للغرب منذ العام 1750، ويعيد لآسيا وزنها في الاقتصاد والسياسة العالميين. وفي تحول تكتوني، ستكون آسيا قد تجاوزت أميركا الشمالية وأوروبا مجتمعتين فيما يتعلق بالقوة العالمية وبحلول العام 2030، اعتماداً على الدخل المحلي الإجمالي، وحجم السكان، والإنفاق العسكري، والاستثمار التقني. وربما تكون الصين وحدها أكبر اقتصاد في العالم، متجاوزة حجم اقتصاد الولايات المتحدة قبل بضع سنوات من العام 2030. وفي الأثناء، يرجح أن تستمر اقتصادات أوروبا واليابان وروسيا في انحداراتها البطيئة نسبياً.
وبالقدر ذاته من الأهمية، ثمة اقتصادات دول أخرى غير غربية، مثل كولومبيا، ومصر، وإندونيسيا، وإيران، وجنوب أفريقيا، والمكسيك، وتركيا وأخريات، التي تصنف على أنها متوسطة المستوى اليوم، والتي يمكن أن تصعد بحلول العام 2030. على حدة، ستبقى كل من هذه الدول فاعلاً من الصف الثاني، بسبب ضخامة اقتصادات كل من الصين والهند. ومع ذلك، ستشرع هذه الاقتصادات، كمجموعة مجتمعة، في تجاوز أوروبا واليابان وروسيا في القوة العالمية بحلول العام 2030. وتبين نماذجنا، على سبيل المثال، أن هذه المجموعة من الدول متوسطة المستوى والنامية باطراد –”الأحد عشر القادمون”(1) في تحليل غولدمان ساكس- سوف تتغلب مجتمعة على الاتحاد الأوروبي بدوله السبع والعشرين من حيث القوة العالمية بحلول العام 2030. وعندما ينضم هذا الصف الثاني مع العمالقة من غير الغربيين مع الصين والهند، فسيكون انتقال القوة من الغرب إلى العالم الصاعد غير الغربي أكثر وضوحاً. وستنعكس ضخامة هذا الانتقال في القوة الدولية في عدد تحويلات القوة الإقليمية التي ستكون قيد العرض بحلول العام 2030 –والتي سيحدث بعض أكثرها دينامية خارج آسيا، حيث تعمل الصين والهند مسبقاً على تقوية مواقفهما الإقليمية. في 2030، يرجح أن يبلغ حجم الدخل المحلي الإجمالي للصين، على سبيل المثال، حوالي 140 % أكبر من مثيله في اليابان.
وبوصفها ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، يتوقع أن تبقى الصين متقدمة على الهند، لكن الفجوة بينهما يمكن أن تبدأ بالانغلاق بحلول العام 2030. ويرجح أن يرتفع معدل النمو الاقتصادي للهند بينما يتباطأ في الصين. ويمكن أن تكون الهند في العام 2030 هي بيت القوة الصاعد الذي وبالشكل الذي ينظر به إلى الصين اليوم. ويمكن أن يصبح معدل نمو الصين الحالي -8 إلى 10 %- ذكرى بعيدة في العام 2030.
سوف يصل حجم سكان الصين في عمر العمل إلى ذروته في العام 2016، ثم ينحدر من 994 مليوناً إلى حوالي 961 مليوناً في العام 2030. وفي مقابل ذلك، لا يرجح أن يصل حجم سكان الهند في عمر العمل إلى ذروته حتى العام 2050. وثمة ما هو مهم أيضاً، وهو أن الهند ستستمر غالباً في تعزيز ميزتها من حيث القوة والنفوذ قياساً بالباكستان. ويبلغ حجم اقتصاد الهند مسبقاً ما يقارب ثمانية أضعاف اقتصاد الباكستان؛ وبحلول العام 2030، يمكن أن تكون النسبة أكثر من 16-1 بسهولة.
وفي أفريقيا، تمتلك كل من مصر وأثيوبيا ونيجيريا الإمكانية للاقتراب من جنوب أفريقيا أو تجاوزها من حيث القوة الوطنية الكلية، لكن المفتاح لتحقيق ذلك سيكون الحاكمية الأفضل من أجل توسيع النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والبشرية. وفي جنوب شرق آسيا، سوف تصعد قوة فيتنام الإقليمية، لتقترب من تايلندا بحلول العام 2030. وتستفيد فيتنام من نمو ثابت في حصة الفرد من الدخل المحلي الإجمالي، بينما ظلت تايلندا موضوعاً لأنماط غير منتظمة من الانخفاضات والارتفاعات في حصة الفرد من الدخل المحلي الإجمالي. وفي أميركا اللاتينية، يحتمل أن تؤكد السنوات الخمس عشرة المقبلة موقع البرازيل بوصفها “عملاق الجنوب”، والتي سترفع من مكانتها قياساً إلى المكسيك وكولمبيا -رغم آفاق نمو هذين البلدين الكلية الجيدة. وفي أوروبا، يرجح أن تبقى ألمانيا قائد البلدان الستة والعشرين الأخرى في الاتحاد الأوروبي، بسبب آفاق وإمكانات نموها الاقتصادي، لكنها ستتعرض لتحدي شيخوخة السكان. وبحلول العام 2030، ستواجه روسيا انخفاضاً حاداً في السكان –حوالي 10 ملايين نسمة- وهو انحدار سيكون أكبر من مثيله في أي بلد آخر خلال نفس الإطار الزمني. ومع ذلك، واعتماداً على معدلات نموها الاقتصادي والهجرة، فإنه يمكن لروسيا أن تحتفظ بحصتها الحالية من القوة العالمية.
وتشير نماذجنا أيضاً إلى أنه يرجح أن تبقى العديد من الدول المكشوفة والهشة حالياً -مثل أفغانسان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال- تبقى ضعيفة إلى حد كبير خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين القادمة. وعلى الأغلب، ستتسم هذه الدول باستمرارية الحكم قليل الكفاءة، والأداء الاقتصادي والأمني الضعيف، بينما تواجه مجموعة التحديات الديمغرافية والبيئية.
• صعود الدول وسقوطها: ليست القصة القديمة ذاتها
سوف يقوم التغير المتسارع في حظوظ الدول المختلفة –نفس مقدار التغيرات نفسها- بوضع ضغوط على سلوك الدول تجاه بعضها بعضاً، وعلى سلوكها الداخلي على حد سواء، بينما تتحقق توقعات المرء إزاء بلده في الترتيب الدولي الكلي أو تتبدد. وسوف تعبر عدد من الدول نقاط انعطاف حادة في الفترة حتى 2030: حيث إما ستستقر قوة الدولة ونفوذها، أو أن إيقاع صعود نفوذها الدولي سيتباطأ. وقد لا يقتصر عبور نقاط الانعطاف على الصين والولايات المتحدة وحسب، وإنما ربما تمر أوروبا، واليابان وروسيا أيضاً بنقاط انعطاف، وهو ما سيتجلى في شكل مزيد من التوتر والضغط على النظام الدولي.
وعلى سبيل المثال، على الرغم من أن قوة الصين العالمية ستستمر في التصاعد، فإن وتيرة هذا الصعود ستتباطأ. وحسب نموذج دورة القوة والنفوذ الذي أعده أكاديميون، فإنه عندما يشرع معدل قوة الدولة الصاعدة في الإبطاء أو الاستواء، فيرجح أن تصبح الدول خائفة وأكثر حزماً وتأكيداً للذات. تاريخياً، كان معدل التغير أبطأ بكثير من التحولات في هيكل النفوذ والقوة. وعلى سبيل المثال، تتجاوز الزيادات في قوة الاقتصادات الصينية والهندية الآن كل الارتفاعات التي سبقتهما في اقتصادات بريطانيا (القرن 19) والولايات المتحدة واليابان (القرن 20). في السابق، كانت دولة واحدة أو اثنتان فقد تصعدان في كل مرة، وتهزان النظام العالمي أكثر من كونهما تعيدان ترتيبه بالجملة في إطار زمني مضغوط.

2030لا حدود للقوة الصلبة  في عالم

يشكل التحول في القوة الوطنية نصف القصة فقط، ويمكن أن يطغى عليه تحوُّل أكثر أساسية في طبيعة القوة. بحلول العام 2030، لن تكون هناك أي دولة –سواء كانت الولايات المتحدة، أو الصين، أو أي بلد كبير آخر- بمثابة قوة هيمنة. وباكتساب التمكين من تكنولوجيا الاتصالات، فإن من شبه المؤكد أن القوة ستنتقل أكثر باتجاه شبكات متعددة الأوجه وغير متبلورة مكونّة من فاعلين من الدول وغير الدول، والتي ستتشكل لتؤثر على السياسات الدولية حول القضايا المختلفة. وستكون قيادة مثل هذه الشبكات مسألة مكانة، وقدرة على الصيد والمتابعة، ومهارة دبلوماسية، وسلوك بناء. وسوف تقيّد الشبكات واضعي السياسات لأن الفاعلين العديدين سيتمكنون من إعاقة تصرفات واضعي السياسات في عدة نقاط. وعلى الرغم من اعتقادنا بأن الأعراف والتوجهات العالمية ربما تلتقي على هدف تحقيق المزيد من الحكم الديمقراطي، فإن معالجة التحديات العالمية قد تصبح أكثر إرباكاً بسبب تعدد الجهات الفاعلة وتباين وجهات نظرها، بما فيها الجهات غير الحكومية.
يبدو أن تلك الدول الواقعة إلى الشمال الغربي من الخط، تضرب فوق وزنها من حيث القوة الصلبة. وفي السنوات العشرين التالية، نتوقع أن تصعد الكثير من القوى المتوسطة لتصبح فوق الخط أيضاً بينما تزداد قواها الصلبة والناعمة على حد سواء. وتتضمن العوامل المستخدمة في تحديد الوزن الدبلوماسي: المعاهدات بين الحكومات ومعاهدات الأمم المتحدة التي تكون الدولة طرفاً فيها، وكذلك الصلات الدبلوماسية والتحالفات. وتتوافر البلدان ذات القوى المادية والدبلوماسية، مثل الولايات المتحدة والصين، على وزن كبير، لكن من غير المرجح أن تواصل هذه البلدان مساراتها من دون شركاء من الدول وغير الدول.
سوف تستمر التكنولوجيا بأنها العامل الأعظم في تحديد الأمور. وسوف يجلس “أقطاب” الإنترنت المستقبليون –كما هو حال غوغل وفيسبوك اليوم- على جبال من البيانات، وستكون المعلومات عن الزمن الحقيقي قريبة عند رؤوس أصابعهم وفي متناول أيديهم أكثر من معظم الحكومات. وبينما يتم استخدام هذه الجبال من البيانات لتحسين المعرفة بحوافز الإنسان ودوافعه، سيكون اللاعبون من غير الدول، مثل الشركات الخاصة، قادرين على التأثير في السلوك بمقدار كبير يساوي تأثير اللاعبين من الدول.
وبينما تتصاعد قوة الفاعلين من غير الدول، سيصبح اكتساب الشرعية اختباراً أكثر أهمية وحسماً بالنسبة لهم –خاصة أولئك الذين يُرَون على أنهم يمارسون نفوذاً هائلاً. وتماماً كما يرجح أن تقع الحكومات تحت ضغط متزايد من مواطنين أكثر اتصالاً بكثير، فسيكون على اللاعبين من غير الدول إثبات قيمتهم للجمهور من خلال الإشارة إلى نواتج إيجابية تنجم عن قوتهم. لن تكون النوايا الحسنة كافية. ويمكن للمرء توقع حركة ثنائية الأبعاد من مزيد القوانين والتنظيم التي تضعها الدول لضبط اللاعبين السيئين -مثل قراصنة الشبكة الإلكترونية- في حين ينفتح فضاء سياسي أوسع للأفراد ذوي الدوافع الإيجابية.
الاتجاه الكبير الثالث: الأنماط ا لديمغرافية
في عالَم 2030 -الذي سيكون عدد سكانه قد وصل إلى مكان قريب من 8.3 مليار نسمة (صاعداً من 7.1 مليار في العام 2012- نعتقد بأن أربعة اتجاهات ديمغرافية ستكون قد تشكلت مبدئياً، ولو أنها لن تحدد بالضرورة معظم الشروط الاقتصادية والسياسية للبلدان، وطبيعة العلاقات بين الدول. وهذه الاتجاهات الأربعة هي: شيخوخة المجتمعات في الغرب وفي معظم الدول النامية بسرعة؛ ومع ذلك، بقاء عدد يعتد به -ولو أنه متناقص- من المجتمعات والدول ذات المجتمعات الشابة؛ الهجرة، التي ستصبح باطراد قضية عابرة للحدود؛ النمو المديني، والذي سيحفز النمو الاقتصادي، لكنه سيضع ضغوطاً جديدة على موارد الماء والغذاء.
• الشيخوخة واسعة النطاق
في العام 2030، ستتراوح هياكل الأعمار بين سكان شبان بدرجة استثنائية (حيث معدل الأعمار 25 عاماً أو أقل) إلى سكان يعيشون أعماراً أطول مما كان ممكناً في السابق. وبشكل عام، يرتفع متوسط الأعمار في معظم مجتمعات العالم تقريباً بوتيرة متسارعة، ما عدا منطقة جنوب الصحارى الإفريقية. وتواجه الدول الشائخة معركة قادمة على الطريق في سبيل إدامة معايير المعيشة فيها، بينما ستمتلك الدول الأكثر شباباً الإمكانية للحصول على دفعة اقتصادية، بفضل “الهِبَة الديمغرافية”، في حال استطاعت وضع الأعداد الإضافية من شبابها في هيكل العمل.
سوف تصل دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، كمجموعة، إلى متوسط أعمار يعادل 42.8 سنة في العام 2030، صاعداً من 37.9 سنة في العام 2010، بينما نضج سكان اليابان وألمانيا فقط ليصلوا إلى متوسط العمر البالغ 40 سنة وما فوقه في العام 2010. ويُتوقّع بحلول العام 2030، وفي تحوُّل تكتوني، أن تكون مجموعة أكبر من الدول قد دخلت هذه الفئة “فوق-سنّ-النضج” في أوروبا وشرق آسيا. وسوف يتكون سكان هذه الدول من عدد كبير من الناس في سن 65 عاماً –وبما يخلق “انتفاخاً في المتقاعدين” غير مسبوق. وفي الوقت نفسه، وفي غياب تدفق كبير من المهاجرين الشباب أو عدم ترجيح حدوث ارتفاع كبير في الخصوبة والإنجاب، سوف ينخفض عدد السكان في سن العمل في هذه البلدان، وسيضم شريحة كبيرة نسبياً من العاملين الذين في أواسط العمر.
سوف تواجه البلدان التي سيكون لديها عدد كبير من كبار السن احتمال حدوث تباطؤ في نواتجها المحلية الإجمالية، أو حالة ركود. وستواجه هذه الدول ذات السكان بالأعمار فوق
-النضج تحدي إجراء إصلاحات فعالة الكلفة في برامجها الخاصة بالتقاعد والرعاية الصحية –وتجميع المال اللازم لدعم متقاعديها المعوزين بطريقة مناسبة- بينما تديم معايير مستويات المعيشة للعائلات ودافعي الضرائب الذين يدعمون هؤلاء المتقاعدين. ويحتمل أن يفضي التراجع عن أنظمة “ادفع حيثما تذهب” للتقاعد والرعاية الصحية باتجاه نظم تمويل أكثر أماناً إلى التسبب بضربة سياسية ارتدادية، عندما تسعى الحكومات إلى تقليص المستفيدين والمنافع، وإلى زيادة مساهمة العاملين، وتمديد العدد المطلوب من سنوات العمل. ويمكن أن تتعرض حكومات الدول ذات السكان الفوق-ناضجين إلى الضغط لتحد كثيراً من إنفاق الدولة التقديري، وأن تفرض عبئاً ضريبياً أعلى.
ويتوقع بعض المحللين أن تتسم المجتمعات الشائخة بالنفور من المجازفة وبالمحدودية المالية؛ ويقول أولئك المحللون أن بعض الدول الأوروبية، وكذلك بعض الدول الشرق آسيوية التي تشيخ باطراد، ربما تستنتج أنها لا تستطيع إعالة جيش عسكري كبير، أو أن تقوم بتوسع نفوذها في الخارج. وبالنسبة لبعض دول أوروبا الغربية ذات معدلات الخصوبة المنخفضة، والتي بذلت جهداً ضعيفاً لدمج المهاجرين الآسيويين والأفارقة، فيمكن أن يفضي نمو هذه الأقليات السريع إلى حتّ التماسك الاجتماعي، وإلى تعزيز السياسات الرجعية.
ومع ذلك، تبقى معظم هذه التأثيرات تخمينية. ويبقى حجم تأثيرات الشيخوخة وقدرة الدول ذات المؤسسات المتطورة جيداً على التقليل من التأثيرات السلبية للشخيوخة مجهولاً. ويرجح أن يفضي التقدم في مجال الرعاية الصحية إلى تحسين نوعية حياة بعض المسنّين، وبما يمكنهم من العمل لسنوات أطول.
سوف تصبح مجموعة الدول ذات البنى العمرية الناضجة (حيث متوسط الأعمار فوق 35 عاماً وأقل أو يساوي 45) أكبر أيضاً بحلول العام 2030، حيث ستكسب المجموعة بعض الدول الشرق آسيوية وتخسر بعض الدول الأوروبية لصالح الفئة العمرية التي فوق سن النضج. وبالنسبة للدول الواقعة في الفئة الناضجة، مثل الصين، ستكون فوائد وفرص الميزة الديمغرافية الإضافية قد خفتت كثيراً، ولو أن الدول التي استثمرت بكثافة في رأس المال البشري ربما تطيل أمد تلك الميزة الإضافية. وعلى الرغم من تقلص ميزاتها الديمغرافية، لن تكون قد تشكلت في تلك البلدان مقادير كبيرة من المسنين بعد. لكنها ستحتاج مع ذلك إلى إيلاء عناية أكبر لوضع برامج قابلة للإدامة للتقاعد والرعاية الصحية من أجل تجنب المخاطر بعيدة الأمد التي ربما تهدد نموها.
وفي الاتحاد السوفياتي وروسيا، سوف يستمر تقدم متوسط الأعمار وزيادة فئة كبار السن في التقدم ببطء. وفي الولايات المتحدة، يقوم معدل الهجرة الكبير ومستوى الخصوبة اللذين يشكلان بدائل قريبة، بتبطيء شيخوخة المجتمع. وفي روسيا، يعني معدل الوفيات المرتفع بين الشباب -بسبب استهلاك التبغ، وإساءة التعاطي مع الكحول، والحوادث ذات الصلة- أنه بدلاً من شيخوخة المجتمع، فإن الذكور خصوصاً يموتون في سن مبكرة نسبياً –في الخمسين من أعمارهم بدلاً من العيش إلى الستين والسبعين كما هو الحال في الدول الأخرى.
• عدد متناقص من البلدان الشابة
اليوم، توجد أكثر من 80 دولة تتمتع بسكان في متوسط عمر 25 سنة أو أقل. وكمجموعة، تتوافر هذه البلدان على إمكانية التأثير المتعاظم على الشؤون العالمية –منذ السبعينيات، ظهرت 80 % تقريباً من كافة الصراعات المدنية والإثنية المسلحة (بمعدل 25 وفاة متصلة بالمعارك في السنة أو أكثر) في بلدان ذات سكان شباب. ويمتد “القوس الديمغرافي لعدم الاستقرار” الذي رسمته هذه التكوينات السكانية الشابة، بادئاً من مجموعات في القسم الأوسط من أميركا الوسطى ووسط الأنديز، ويغطي كل مساحة جنوب الصحارى الأفريقية، ويستمر عبر الشرق الأوسط إلى وسط وجنوب آسيا.
وبحلول العام 2030، سيكون هذا القوس قد تقلص. ونظراً لانخفاضات الخصوبة التي تبدو جارية الآن، فإنه يتوقع أن تهبط حصيلة البلدان ذات السكان إلى نحو 50 دولة في العام 2030. ويتوقع أن تكون المجموعة المستمرة الأكبر من الدول الشابة واقعة على طول الحزام الاستوائي لجنوب الصحارى الإفريقية. وهناك مجموعة ثانية أخرى أكثر تناثُراً من الدول الشابة، والتي يتوقع أن تستمر بالبقاء كذلك في منطقة الشرق الأوسط -بما فيها المناطق الفلسطينية (الضفة الغربية وغزة)، والأردن، واليمن في جنوب الإقليم. وفي الأميركتين، يحتمل أن تحتفظ كل من بوليفيا وغواتيمالا وهاييتي فقط بتركيبة سكانية شابة. وعلى طول ساحل الباسيفيكي، يتوقع لهذه الحالة التي تشكل تحدياً كبيراً أن تستمر في تيمور الشرقية، وبابوا غوينا الجديدة، وجزر سليمان.
ومن بين توقعات مكتب الإحصاءات الأميركي الحالية لشرق آسيا، يتوقع أن تبقى أفغانستان فقط شابة في العام 2030. ومع ذلك، فإن زيادة الشيخوخة التي ستحصل في مجموعات السكان الكبيرة والنامية في الباكستان والهند المجاورتين، يمكن أن تكون مصدر قلق أمني كبير. ويرجح أن تستمر البنى العُمرية الشابة طوال معظم فترة العقدين المقبلين في المجتمعات القبَلية في المقاطعات والمناطق الباكستانية الغربية. وفي الباكستان وأفغانستان، ربما تصل معدلات الحمل إلى أكثر من خمسة أطفال للمرأة الواحدة عند قبائل البشتون. وفي الهند، حيث حافظت الولايات الجنوبية والمدن الكبيرة على معدل خصوبة منخفض، فيرجح أن تختفي التركيبة الشابة -العامل الذي يمكن أن يسهم في التسبب بعدم الاستقرار في غياب منافذ التوظيف- بسرعة أبطأ في الولايات الوسطى والشمالية، في أوتار براديش وبيهار.
ويبقى معدل الخصوبة عند الأكراد في جنوب شرق تركيا مستقراً عند حوالي أربعة أطفال للمرأة الواحدة. وفي إسرائيل، تبقى الخصوبة في مجتمع الأقلية المتنوعة من السكان الأرثوذوكس المتزمتين فوق ستة أطفال للمرأة الواحدة. ومن المحتم أن يفضي استمرار ارتفاع معدلات الخصوبة والنمو السكاني في أوساط الأقليات غير المندمجة إلى إقلاق النظام السياسي، خاصة عندما تصبح هذه الشرائح من السكان أكثر بكثير مما هي الآن –ولو أن الديمغرافيا وحدها لا تقدم استبصارات في الكيفية التي ستتصرف بها الدول من أجل تعديل هذه التحولات السكانية.
هوامش
(1) تقترح النماذح أن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة اقتصادياً في العام 2022، إذا قيس الدخل المحلي الإجمالي بعامل القوة الشرائية، وفي وقت ما قرب العام 2030 إذا ما قيس الدخل المحلي الإجمالي بمعدلات تبادلات السوق. ورغم أن المقياس الثاني مهم للتجارة والتحليل المالي، فإن الأول ربما يقدم استبصاراً أفضل في القوة الاقتصادية الأساسية.
(2) يتكون “الأحد عشر القادمون” في تحليل غولدمان ساكس من دول: بنغلادش، مصر، إندونيسيا، إيران، المكسيك، نيجيريا، الباكستان، الفلبين، كوريا الجنوبية، تركيا، وفيتنام.
(3) هذا التقدير معتمد على معدل التبادل في السوق.
(4) القوة الصلبة تتعلق بشكل عام بالمسائل العسكرية والاقتصادية والتقنية. بينما تتعلق القوة الناعمة بالمكاسب السياسية والدبلوماسية والاجتماعية والثقافية والقيم التي تحشد النفوذ والتأثير والقدرة على الإقناع أيضاً.

ala.zeineh@alghad.jo

Advertisements

One response to “تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأميركي 2012 « الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة » /الحلقة الثانية

  1. تنبيه: محور§§ _ الوكالات الاستخبارية الأميركية ترى عالما مختلفا في العام 2030 §§ | ستراتيجي أنفو·

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s