السائرون نياماً في آسيا

Portrait of Yoon Young-kwan

Yoon Young-kwan, former Minister of Foreign Affairs of the Republic of Korea, is currently Professor of International Relations at Seoul National University and a visiting scholar at the Free Unive…


Jan. 29, 2013 

سول ــ سواء شاء ساسة شرق آسيا وخبراؤها أم أبوا، فإن العلاقات الدولية في المنطقة حالياً أصبحت أشبه بسياسات توازن القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، وليس أوروبا المستقرة اليوم. والشاهد على هذا تصاعد النعرة القومية، والنزاعات الإقليمية الحدودية، والافتقار إلى آليات التعاون الأمني المؤسسية الفعّالة في شرق آسيا. ورغم أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا، تزداد عمقاً مع الوقت، فإن العلاقات الدبلوماسية فيما بين هذه الدول مثقلة بالخصومة وعدم الثقة، تماماً كحال العلاقات بين الدول الأوروبية في العقود السابقة للحرب العالمية الأولى.

This illustration is by Paul Lachine and comes from <a href="http://www.newsart.com">NewsArt.com</a>, and is the property of the NewsArt organization and of its artist. Reproducing this image is a violation of copyright law.
Illustration by Paul Lachine

ويُعَد تحول القوى من السمات المشتركة بين الحال آنذاك والحال الآن. ففي ذلك الوقت، كانت قوة بريطانيا العظمى النسبية في انحدار، في حين كانت قوة ألمانيا في ارتفاع منذ توحيد ألمانيا في عام 1871.

وعلى نحو مماثل، على الأقل فيما يتصل بالاقتصاد، وإن لم يكن من حيث القدرة العسكرية، تبدو كل من الولايات المتحدة واليابان وكأنها بدأت عملية انحدار نسبة إلى الصين. وبطبيعة الحال فإن هذه العملية ليست غير قابلة للتراجع: فبفضل الزعامة السياسية الفعّالة والإصلاحات الداخلية الناجحة في الولايات المتحدة واليابان، إلى جانب فشل الصين في إدارة الضغوط السياسية من الأسفل، قد يتوقف هذا التحول في القوى الذي يبدو صلباً عنيداً في ظاهره.

إن تحولات القوى الكبرى تحدد معالم عصور حيث من المرجح أن يرتكب زعماء سياسيون بارزون أخطاءً خطيرة في السياسة الخارجية. والواقع أن الإدارة الرديئة للعلاقات الدولية في مثل هذه المنعطفات الحاسمة كثيراً ما أدت إلى حروب كبرى. فالقوى الصاعدة تميل إلى المطالبة بدور أكبر في السياسة الدولية، في حين تميل القوى المنحدرة إلى العزوف عن التكيف، ومن المرجح أن يسيء كبار الساسة فهم نوايا زعماء الدول الأخرى فيبالغون في ردود أفعالهم إزاء تصرفاتهم.

وتاريخيا، تميل القوى الصاعدة إلى اكتساب قدر من الثقة أعظم مما ينبغي لها بسرعة كبيرة، الأمر الذي يدفعها إلى التصرف بتهور، وهو ما يخيف جيرانها. على سبيل المثال، خلع القيصر فيلهلم الثاني المستشار أوتو فون بسمارك من منصبه في عام 1890، بعد مرور أقل من عشرين عاماً من تشكيل الرايخ الثاني، وبدأ في تدمير شبكة التحالفات التي أقامها بسمارك بعناية كبيرة. وكانت دبلوماسيته الخشنة سبباً في ترويع فرنسا، وبريطانيا، وروسيا، الأمر الذي جعل من السهل على هذه الدول أن تتوحد ضد ألمانيا.

وتذكرنا العدوانية التي اتسمت بها دبلوماسية الصين الجديدة في عام 2010 ــ في أعقاب اندلاع أسوأ أزمة مالية على الإطلاق منذ ثلاثينيات القرن العشرين ــ بألمانيا في عصر فيلهلم الثاني. ففي كل من الحالتين، لم يكن انعدام الشعور بالأمان راجعاً إلى تهديد خارجي، بل إلى تصرفات كبار الساسة.

وفي أواخر عام 2010، تنفست الصعداء ــ بعض الشيء ــ عندما صرح أحد كبار قادة الصين، عضو مجلس  الدولة داي بينج جيو، بأن الصين ملتزمة بسبل التنمية السلمية. ولكن لغة الخطاب التي استخدمها بعض المسؤولين الصينيين، وخاصة في المؤسسة العسكرية، فيما يتصل ببحر الصين الجنوبي وغير ذلك من مزاعم السيادة الصينية المتنازع عليها، تشير إلى أن ليس كل زعماء البلاد قد يلتزمون بإخلاص بمثل هذا المسار. وبقدر ما تضع عملية صناعة القرار السياسي من قِبَل الزعيم الجديد للبلاد شي جين بينج في الحسبان شعور عدم الأمان من جانب جيران الصين ــ وتتخلى عن السعي إلى تحقيق الأمن المطلق للصين ــ فسوف يتحدد حجم أحد المتغيرات الأساسية المؤثرة على البيئة الأمنية في شرق آسيا في الأعوام المقبلة.

وسوف تشكل السياسة الخارجية الأميركية عنصراً أساسياً آخر. فإذا تبنت الولايات المتحدة نهج المواجهة والهيمنة، فإن السياسة في شرق آسيا سوف تستقطب لا محالة، تماماً كما تراجعت أوروبا المتعددة الأقطاب في القرن التاسع عشر لكي تفسح المجال أمام نظام ثنائي القطبية على نحو متزايد وبشكل متزامن مع تصاعد التوترات بين ألمانيا وبريطانيا. ولعل ما يسمى بمحور آسيا الأميركي كان ضرورياً من وجهة نظر الولايات المتحدة، نظراً لمخاوف حلفائها الآسيويين بشأن الصين. ولكن ما لم تكن الولايات المتحدة راغبة في إشعال مواجهة على غرار الحرب الباردة في آسيا، فيتعين عليها أن تحرص على إشراك الصين في صياغة بنية أمنية إقليمية قابلة للبقاء.

وعلاوة على هذا فإن تبني الولايات المتحدة لنهج المواجهة في التعامل مع الصين يشتمل ضمناً على عامل آخر مزعزع للاستقرار: فقد تصبح اليابان أكثر جرأة مما ينبغي في إدارة سياستها الخارجية. فبعد أن توقف فيلهلم الثاني عن إشراك روسيا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، تفاقمت العلاقات الثنائية بين البلدين سوءا، وهو ما كان سبباً في تزويد حليفته النمسا بما يشبه الشيك على بياض في التعامل مع صربيا ــ والأهم من ذلك الراعي الروسي لصربيا. وبالتالي، فقد ساهم فيلهلم عن غير قصد في اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.

والآن بدت بالفعل علامات مثيرة للقلق تدلل على سوء تقدير من جانب اليابان. فقد أوردت التقارير أن رئيس الوزراء الياباني الجديد شينزو آبي قال إنه يفكر في إنكار بيان كونو الصادر في عام 1993، والذي اعترف بأن المؤسسة العسكرية اليابانية اغتصبت واستعبدت عدداً من النساء الآسيويات والأوروبيات أثناء الحرب العالمية الثانية. وإذا فعل آبي هذا، فإن علاقات اليابان مع كوريا الجنوبية والصين سوف تعاني من ضرر خطير.

ولا يصب هذا في مصلحة أحد، بما في ذلك اليابان، لأن اليابان تشترك مع كوريا الجنوبية في العديد من المخاوف الأمنية. لذا فإن الدبلوماسية الأميركية لابد أن تكون حاذقة. إذ يتعين عليها أن تخفف من شعور اليابان بعدم الأمان في أعقاب صعود الصين، في حين تعمل على إقناع قادة اليابان الجدد بالتصرف بحكمة والامتناع عن السلوكيات المفرطة في القومية. وبصراحة فإن اليابان لديها أمور أكثر أهمية يتعين عليها أن تتعامل معها بعد عقدين كاملين من الركود الاقتصادي.

في تناقض واضح مع جهودها المتعددة الأطراف في أوروبا، خلقت الولايات المتحدة إطاراً أمنياً متشعباً من القلب ــ تشكل على أساس التحالفات الثنائية مع الولايات المتحدة ــ في آسيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ونتيجة لهذا، لم تنشأ أي قناة مباشرة للتعاون الأمني بين الدول الآسيوية، وهو ما ساهم بدوره في تدني مستوى الثقة في شرق آسيا، حتى بين أوثق حلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وهنا على وجه التحديد تصبح كوريا الجنوبية، حليفة الولايات المتحدة المتوسطة الحجم، في وضع أفضل من قوى أكبر في شمال شرق آسيا للعمل كوسيط مُيَسِّر.

إن الدروس التي نستطيع أن نتعلمها من الإخفاقات الدبلوماسية التي أدت إلى الحرب العالمية الأولى وفيرة. ومؤخراً نُشِر كتاب تاريخ لكريستوفر كلارك يتحدث فيه عن المقدمات الدبلوماسية التي سبقت تلك الحرب، بعنوان “السائرون نياما”. والسؤال المطروح اليوم على الولايات المتحدة وزعماء شرق آسيا هو ما إذا كان من الممكن أن يفيقوا من نومهم وأن يسارعوا إلى وضع آليات فعّالة متعددة الأطراف للتعاون الأمني قبل أن يلحقوا بأنفسهم ضرراً جسيما.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

 http://www.project-syndicate.org/

Advertisements

2 responses to “السائرون نياماً في آسيا

  1. التنبيهات: Diversity Press·

  2. التنبيهات: قائمة بأسماء المعتقلين من قيادات وأعضاء الحركة الشعبية لتحرير السودان بولاية شمال كردفان – تنوع Diversity Press·

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s