طلقة تحذيرية لمحور تركيا – قطر

2013-06-01

الجمل – ألبير بيردال/يجيت غوناي- ترجمة: د. مالك سلمان: 

أودى تفجير بلدة ريهانلي التركية في 11 أيار/مايو بحياة 51 شخصاً, لكن الإعلام التركي تجاهله بشكل ملحوظ. ألقى الرئيس التركي, رسب تايب إيردوغان, المسؤولية على الحكومة السورية, ولكن دون أي دليل.
وتزعم مجموعة “ردهاك” التركية أن الاستخبارات التركية كانت تعرف مسبقاً أن المجموعة الجهادية السورية “جبهة النصرة” تحضر لتفجير ثلاث سيارات مفخخة داخل تركيا. لكن إيردوغان التزم الصمت.
تعرضت مجزرة ريهانلي إلى حظر صحفي في تركيا بعد فشل محاولة الحزب الحاكم السيئة في التغطية عليها. ولكن قيما يتعلق بالمجزرة, فإننا نعتقد أنه بمقدورنا أن نخمن هوية مرتكبيها.
كما أن الإعلام التركي لم يناقش الأسباب التي أدت بشكل مفاجىء إلى اندحار المجموعات المسلحة السورية في القصير في غرب سوريا. فمقاتلو القصير ينتمون إلى كتيبة الفاروق. وهذه هي المجموعة التي أشار إليها قائد “حزب الاتحاد الديمقراطي السوري” (الحزب الكردي المتواجد في شمال سوريا والقريب إيديولوجياً من “حزب العمال الكردي” في تركيا) عندما قال “عقدنا صفقة معهم في حلب”.
وهي أيضاً نفس المنظمة الإجرامية التي ينتمي إليها ذلك المجرم الذي أخرج قلبَ الجندي السوري وأكله, ثم قال: “وما المشكلة في ذلك؟ فأنا أذبح العلويين”.
وقد وضح متحدث باسم كتيبة الفاروق, يزيد الحسن, أن انتكاساتهم الأخيرة جاءت “نتيجة تناقص في شحنات الأسلحة القادمة من تركيا”. والحقيقة هي أن المملكة السعودية قد توقفت عن نقل الأسلحة عبر تركيا ونقلت أقنية الإمداد إلى شمال الأردن.
ذهب إيردوغان إلى الولايات المتحدة دون أن يزور ريهانلي ويقدم تعازيه لعائلات ضحايا التفجيرات.
في الأسابيع السابقة, زار قادة ثلاث بلدان عربية واشنطن: الملك عبد الله الثاني (ملك الأردن), ومحمد بن زايد بن سلطان آل نهيان (ولي عهد الإمارات العربية المتحدة), ووزير الخارجية السعودية, سعود الفيصل.
وقد كرروا الرسالة نفسها في اجتماعات عقدت بشكل منفصل: ضَعوا ثقلكم في القضية السورية. وقد قال مسؤول أمريكي ﻠ “وول ستريت جيرنال” إن سبب الطلب من الولايات المتحدة أن “تضعَ ثقلها” وتمسك بزمام المسألة السورية هو “الحاجة لطرف يستطيع إدارة اللاعبين”.
واللاعبان اللذان كانت هذه البلدان تشتكي منهما هما تركيا وقطر. حيث يقوم هذان البلدان بتقديم كميات كبيرة من الأموال والأسلحة والذخائر إلى المنظمات الإسلامية, وخاصة المجموعات المرتبطة ﺑ “الإخوان الإسلامويين”, دون أي تنسيق مع اللاعبين “الآخرين”.
وقد استفسرت “وول ستريت جيرنال” من مسؤول قطري وآخر تركي حول هذا الموضوع. رفض المسؤول القطري التعليق. أما المسؤول التركي, وبعد أن أنكر أن حكومة إيردوغان تدعم الأحزاب الإسلاموية في سوريا أو في أي مكان آخر في العالم, فقد قال “نحن ندافع عن مصالح الشعب السوري”.
منذ بداية “الربيع العربي”, نشأت منافسة حادة بين المملكة السعودية وقطر, وخاصة في مصر. وقد أثارت هيمنة “الإخوان الإسلامويين” في كافة البلدان التي زارها “الربيع العربي” قلق السعودية الشديد.
وبالطبع لم تكن المشكلة حول “دعم العناصر المتطرفة”. إذ كانت السعودية تدعم المجموعات السلفية الأكثر تطرفاً من “الإخوان الإسلامويين”. المسألة الجوهرية كانت تتمثل في فرض السيطرة السياسية.
فمنذ تحول الأزمة السورية الأولية إلى حرب شاملة من خلال استقدام القوات الأجنبية, وقفت تركيا إلى جانب قطر في عملية الاستقطاب التي فرزت هذه القوى.
إن تشكيل “كتلتي التحالف” هاتين – الأولى مشكلة من قطر وتركيا, والثانية من السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة – أدى إلى استقطاب حاد أفرز بدوره عدة عمليات دموية؛ مثل الهجوم الانتحاري الغامض على الموكب القطري في مقديشو, عاصمة الصومال, في 5 أيار/مايو.

ضرب قطر في الصومال
من استهدف هذا الهجوم الذي لم يلقَ أي اهتمام يذكر في الإعلام العالمي؟
عندما انفجرت القنابل, كان وفد قطري يزور الصومال. وكان وزير الداخلية القطري أحد أعضاء هذا الوفد, لكنه – تبعاً لقائد الشرطة نور أبدول – لم يكن في الموكب الذي تعرض للهجوم. قال أبدول إنه لم تحدث أية إصابات بين أعضاء الوفد القطري. ولكن فيما بعد, أشارت الصحيفة اللبنانية “الديار” إلى أن رئيس الاستخبارات القطرية, أحمد ناصر بن قاسم الثاني, قد قتل في الهجوم.
وتبعاً لصحيفة “الديار”, في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012 التقى رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني ورئيس الاستخبارات القطرية برئيس “الموساد” تامير باردو ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي الاجتماع, تمت مناقشة خطة لاغتيال الرئيس السوري بشار الأسد. وفي هذا الاجتماع, طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي من دول “مجلس التعاون الخليجي” الاعتراف بإسرائيل بعد إسقاط الأسد.
كان رئيس الاستخبارات القطرية يحلم باحتلال دمشق وكان يعمل مع الإسرائيليين لتحقيق هذا الحلم. فتبعاً لصحيفة “الديار”, كان آل ثاني هو الشخص المسؤول عن تنسيق نقل الجهاديين اليمنيين إلى سوريا بعد تلقيهم التدريب على يد القوات الخاصة الأمريكية في قطر.
ولكن من كان وراء الهجوم الانتحاري في مقديشو؟ هناك مجموعة واحدة في الصومال قادرة على تنفيذ مثل هذا الهجوم الكبير والمنظم بواسطة سيارتين مليئتين بالمتفجرات: منظمة “الشباب” المرتبطة بالقاعدة.

ليس واضحاً حتى الآن إن كان آل ثاني قد مات في هذا الهجوم. ولكن من المؤكد أن القاعدة قد استهدفته. ففي خلفية تعاقب الأحداث التي تعود إلى أفريقيا, هناك “نزاع المقاولين الفرعيين”, أي المنافسة بين الثنائي تركيا وقطر ضد السعودية.
هناك علاقة دينامية بين المقاولين الفرعيين الأمريكيين والمجموعات المسلحة التي تقاتل في سوريا. وحقيقة أن قطر وتركيا تتعاونان بشكل وثيق مع “الإخوان الإسلامويين” في سوريا لا تعني بالضرورة أن هذين البلدين لا يعملان مع مجموعات مثل “جبهة النصرة”.
إن الوضع في “الميدان” في تغير مستمر. إذ تم توزيع الأسلحة المختلفة التي تم شحنها من البلقان على مجموعات “الجيش السوري الحر” و “جبهة النصرة” على حدٍ سواء. كما أن نسبة انتقال المقاتلين المتطرفين بين المجموعات المختلفة عالية جداً. وكذلك انتقال الدعم الذي تقدمه قوى “المقاولات الفرعية” لهذه المجموعات.
السلاح الرئيس الموجود بين أيدي مقاتلي النصرة هو بندقية “إم 60” المنقولة من كرواتيا. وقد تم نقل هذه الأسلحة, التي دفعت السعودية ثمنَها, إلى المتطرفين المسلحين عبر الأردن وتركيا. وبعد وقت قصير, ظهرت هذه الأسلحة في أيدي عصابات “الجيش السوري الحر” و “جبهة النصرة” على حدٍ سواء.
في الأسابيع الماضية, حصل تطور مثير للانتباه من هذا المنظور. قامت السعودية – المعروفة بعلاقتها الوثيقة مع مجموعات القاعدة في مصر وتونس وليبيا والآن في سوريا, والتي تبتعد دائماً عن “الإخوان الإسلامويين” – بجمع قادة “الإخوان الإسلامويين” السوريين في الرياض.
الأشخاص اﻠ 12 الذين ذهبوا إلى الرياض ينتمون إلى “المجلس الوطني السوري”, المدعوم من الولايات المتحدة بصفته “الحكومة السورية الشرعية”. وكان من بينهم قائد رفيع المستوى في “الإخوان الإسلامويين” هو محمد فاروق طيفور. وقد توصل طيفور إلى اتفاق مع السعوديين حول انسحاب غسان هيتو, وهو مواطن أمريكي وعضو في تنظيم “الإخوان الإسلامويين”, من رئاسة الحكومة الانتقالية التي شكلها “المجلس”.
ومن جهة أخرى, تم تشكيل “المجلس الوطني السوري” في قطر بمساعدة مباشرة من الولايات المتحدة. ومن المعروف أن الأمين العام للمنظمة, مصطفى الصباغ, عضو في تنظيم “الإخوان الإسلامويين” المسؤول عن رسم سياسات المنظمة بالتعاون مع قطر.
ومن المعروف أيضاً ارتباط معاذ الخطيب بتنظيم “الإخوان الإسلامويين”, والذي تم تعيينه رئيساً للمنظمة لكنه استقال عندما أصبح هيتو رئيساً للحكومة الانتقالية. وهكذا نرى أن “الإخوان الإسلامويين” في كل مكان.
يمكن للاجتماع الذي عقدَ في الرياض أن يكون علامة على تدخل السعودية في الدور الذي ستلعبه قطر وتركيا. وقد قدمت شرحت السعودية للأمريكيين هذا التدخل على أنه محاولة للحد من دور المجموعات الإسلاموية المتطرفة. وكان الجزء الآخر من هذه العملية قرار نقل الأسلحة إلى المسلحين في سوريا عبر سليم إدريس, رئيس “المجلس العسكري الأعلى” ﻠ “المجلس الوطني السوري”.
فمن جهة, يضع السعوديون يدهم على “الإخوان الإسلامويين”, ومن جهة ثانية يبعثون برسالة إلى قطر عبر قنابل القاعدة في الصومال. وفوق كل ذلك, التفجيرات التي ضربت ريهانلي.
بعد الهجوم الدموي في ريهانلي, أصدر وزير الخارجية الأمريكية جون كيري بيانَ تعزية. ففي رسالة من 3 جمل فقط, ذكر أن الولايات المتحدة سوف تقف إلى جانب حليفتها تركيا. لم تُدِن الرسالة منفذي الهجوم. فقد اكتفى كيري بالتأكيد على “العلاقة الوثيقة التي تربطهم بتركيا”.
بعد تفجيرات لندن في سنة 2005, أصدرت الحكومة الأمريكية بياناً مفصلاً من 4 مقاطع. وبكلمات أخرى, فإن إصدار بيان جاف من 3 جمل لا تدين منفذي الهجوم ليس تصرفاً دبلوماسياً ملائماً.
وفوق ذلك, وبعد تفجيرات ماراثون بوسطن, سارع الرئيس التركي ورئيس حكومته بإصدار بيان يدين الهجوم.
هل يمكن أن تكون تفجيرات ريهانلي رسالة إلى تركيا ﻠ “التراجع”, كما كانت الرسالة المرسلة إلى قطر في الصومال؟
رسالة في قنبلة
إن نتائج الاجتماع بين إيردوغان وأوباما ليست واضحة تماماً.
بالنسبة إلى الإعلام الرسمي التركي, كانت النتيجة “الاتفاق”؛ حيث “اتفق إيردوغان وأوباما على مسألة ضرورة إزاحة الأسد”. كان هناك الكثير من الصحفيين الأتراك في المؤتمر الصحفي ذاك, والذي دامَ 38 دقيقة. وقد شاهده الآخرون على التلفزيون أو الإنترنت. فهل شاهدوه فعلاً, أم أنهم سدوا آذانَهم؟
ففي جلسة الأسئلة والأجوبة المخصصة للصحفيين, تم توجيه السؤال الأول لأوباما من قبل صحفي أمريكي. كان السؤال حول الضريبة. أما السؤال التالي الموجه إلى إيردوغان فكان حول العلاقة مع إسرائيل وإن كان سيذهب إلى غزة أم لا. وسأل صحفي آخر أوباما عن “وزارة العدل” وتسريبات “الأسوشييتد بريس” وهجوم بنغازي. وتم توجيه السؤال التالي إلى إيردوغان: “في حال لم تتدخل الولايات المتحدة في المسألة السورية, ماذا ستفعلون بخصوص تفجيرات ريهانلي؟”
وهناك المزيد. قامت القنوات الإخبارية الأمريكية ببث المؤتمر الصحفي على الهواء. ولكن في الأوقات التي كان يتكلم فيها إيردوغان, كان البث يعود إلى الأستوديو لتحليل النقاط التي ذكرها أوباما حول القضايا الداخلية. وهذا ما فعلته كافة القنوات.
دعونا نعزي هذه الظاهرة إلى عجرفة القنوات الإخبارية الأمريكية. لكن اثنين من الصحفيين الأتراك اللذين طرحا أسئلة في المؤتمر الصحفي لفتا الانتباه إلى قضايا في غاية الأهمية. فقد سأل أحدهما إيردوغان إن كان قد جَلبَ معه أي دليل يتعلق بمزاعمه القائلة باستخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا. وباختصار, فإن الجواب الذي تلقاه كان, “نتبادل الآن كل هذه المعلومات”. 
وقد سأل الصحفي نفسُه أوباما إن كان سيفعل شيئاً لإزاحة الأسد. استهلَ أوباما إجابته بمزاعم استخدام الأسلحة الكيماوية وكرر مقولة الولايات المتحدة التي كان يكررها في الأسابيع الماضية: “لدينا دلائل على استخدام الأسلحة الكيماوية. لكننا بحاجة إلى المزيد من المعلومات الاستخبارية حول هذا الموضوع”.
وتابع قائلاً: “بغض النظر عن هذا, فقد مات الآلاف هناك. ولذلك علينا أن نزيد الضغط الدولي على الوضع في سوريا. علينا أن نحرك المجتمع الدولي. لا أعتقد أن أحداً, بما في ذلك رئيس الوزراء إيردوغان, يحبذ التدخل الأمريكي في سوريا من طرف واحد وبشكل مباشر”.
وبعد ذلك, سأل صحفي تركي آخر أوباما مرة أخرى: “قلتَ إن على الأسد أن يرحل. كيف ومتى سيرحل؟” ربما كان هذا الصحفي يحاول أن يحصلَ من أوباما على جملة جديرة بخبر صحفي مهم. لكن الرد لم يكن مثيراً. فقد نَوَهَ الرئيس الأمريكي إلى المؤتمر الدولي الذي سيُعقد في جنيف وكرر وعدَه “باستمرار دعم المعارضة”.
لم يكن مؤتمر جنيف الأول حول سوريا ناجحاً. إذ لم يكن “الإجماع” نتيجته الأكثر أهمية وإنما شراء الوقت لكل طرف لتعزيز موقفه. ويمكن أن نقول إن الطرفين لن يذهبا إلى المؤتمر الثاني متوقعينَ أي نوع من “الإجماع”.
قام الغرب بتجميع المجرمين والمخربين المتمحورين حول “الإخوان الإسلامويين” الذين يسميهم بالمعارضة تحت غطاء جديد يدعى “المجلس الوطني السوري”, مما فتح الباب أمام احتمال اللقاء السياسي. ثم حصل على هذا الفريق الذي أنتجَ شخصيات الإخوانية من أمثال معاز الخطيب وغسان هيتو لتشكيل حكومة. فإذا كان الغرب يريد “الإجماع على حكومة انتقالية” في مؤتمر جنيف الثاني, فسوف يمزق الغطاءَ الذي صنعه.
إن مؤتمر جنيف الجديد هذا سيمكن الطرفين مرة أخرى من شراء الوقت وتعزيز مواقعهما السياسية. ومن جهة الولايات المتحدة, سوف تسمح هذه العملية بتقويض تأثير كتلة قطر – تركيا بين قوات المعارضة. وفي حال لم يرتدع هذا المحور, يمكن للرسالة التي تطالبه فيها ﺑ “التراجع” أن تأتي عبر القنابل المتفجرة.

تُرجم عن (“إيشا تايمز”, 29 إيار/مايو 2013

http://www.aljaml.com/                                                                                                              الجمل: قسم الترجمة                                

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s