من دروس نكبة فلسطين: حرية الشرق في مفهوم الغرب

http://www.arabrenewal.info

الأربعاء, 08 مايو 2013 

محمد شعبان صوان

تحرير البلاد من أهلها والأملاك من أصحابها

كان شعار الحرية أو التحرير هو التبرير الذي قدمه الغرب دائما كلما أراد العدوان على الشرق منذ الحملة الفرنسية على مصر،

فمن تحرير المصريين من استبداد المماليك إلى تحرير سوريا من نير محمد علي باشا إلى تحرير المنطقة من تجارة الرقيق والقضاء على القرصنة في خليج البصرة وساحل شمال إفريقيا إلى تحرير العرب من استبداد الأتراك إلى تحريرهم من استبداد حكامهم الذين لا يروقون للغرب إلى تحرير الكويت، ويدلنا تاريخ الفكر الصهيوني عن معنى هذا التحرير الذي كان الغرب يقصد جلبه للشرق وأنه ليس سوى تحرير البلاد من أهلها ليكون الغربيون أحرارا في استغلالها استغلالا يختلف حسب اختلاف المصالح سواء بسلب الأرض أو نهب الثروات أو استغلال المواقع، وأن التحرير الحديث لا يختلف عما فعله الفرنجة الصليبيون الذين “حرروا القبر المقدس” ليستولوا بهذا الشعار على بلادنا، وتقدم الصهيونية حالة نموذجية للاستغلال الذي مارسه الغرب في عموم بلادنا بأشكال متباينة تحت ذريعة التحرير، يقول الدكتور بشارة خضر في كتابه أوروبا وفلسطين من الحروب الصليبية حتى اليوم: “عادت فكرة الحرب الصليبية من جديد في بعض الحلقات الأدبية والسياسية مع توطيد الوجود الأوروبي في الشرق بعد حرب القرم (1853- 1856)، إما مباشرة لحساب المسيحيين أو بصورة غير مباشرة لحساب اليهود”، ومن أمثلة ذلك رواية دانيال دوروندا (1876) لجورج إليوت والتي يكرس فيها البطل حياته لإعادة تكوين المركز القومي اليهودي، وهي رواية معروفة في الأوساط الأدبية، وفي نفس السنة نشر إدوارد هور كتابا عنوانه “روما، تركيا والقدس”، “أطلق فيه العنان لكرهه للمسلمين، مؤكدا أن دمار المسلمين هو أمل اليهود، وأن فلسطين ستتحرر من النير العثماني وستناط بمالكيها الشرعيين، المتحدرين من إبراهيم”، وكتب جيمس نيل الذي عاش في فلسطين في سبعينيات القرن التاسع عشر في الموضوع نفسه.[1]

وعلى الجانب الأمريكي من المحيط الأطلسي كانت نسبة كبيرة من أمريكيي القرن التاسع عشر تؤمن بأن قيام دولة يهودية في فلسطين شرط لازم لعودة المسيح وحلول العصر الألفي السعيد، وأن القضاء على الدولة العثمانية شرط لعودة اليهود إلى فلسطين، ومن ثم فإن القضاء على كيان المسلمين شرط “لتنوير العالم وتحريره”، وقد دعت الشاعرة اليهودية إيما لازاروس التي كتبت الشعر المدون على تمثال الحرية إلى “عودة” اليهود إلى فلسطين (1881)، وكانت “من أشد مؤيدي الاستعمار التنويري، وكانت تتطلع إلى اليوم المنتظر الذي تغزو فيه أوروبا الشرق الأوسط، فتزيح بذلك عن الولايات المتحدة عبء تحرير الأرض المقدسة”، وشاطرها إيمانها في نفس الفترة القس الإنجيلي دي ويت تالماج الذي زار فلسطين سنة 1889 “وبداخله كراهية للعنة الأمم، هذا العجوز قديم الأزل، أي الإمبراطورية العثمانية، وكان يكن أيضا كراهية للإسلام الذي ندد به بصفته غير أخلاقي بالنسبة للحضارة الغربية” كما يقول المؤرخ مايكل أورين،[2] ويضيف قائلا إن تالماج “كان مهتما بصورة أساسية بالتحرر” وإن “مفهومه للدولة اليهودية كان شبيها بمفهوم إيما لازاروس” ولكنه اختلف معها فيمن سيقوم بمهمة “التحرير”، “ففي حين افترضت الشاعرة أن أوروبا ستخلص فلسطين من العثمانيين، آمن القس بأن أمريكا يجب أن تقود العالم في استخلاص الأرض المقدسة من براثن الإسلام”،[3] وبهذا يكون مفهوم تحرير فلسطين لدى الغرب يعني تخليصها من العرب الفلسطينيين في الوقت الذي يعني تحريرها لدينا أن نخلصها من الصهاينة، وهذا التناقض الذي ينطبق على حرية فلسطين ينطبق أيضا على حرية بقية أقطار الشرق العربي الإسلامي بمشرقه ومغربه حيث يجب أن تسود الرؤى والمصالح الغربية المختلفة والمتفاوتة، فكيف يمكن أن يتفق الطرفان العربي والغربي على مفهوم هدف الحرية؟

“الحقوق” الاستعمارية لا تقتصر على فلسطين

وليس من الغريب أن يتحدث الغربيون عن الشرق بصفته ملكا من أملاكهم كما لاحظ ذلك حليفهم الملك فيصل الأول ابن الحسين وهو يصارع للحصول على استقلال سوريا التي اتفق الحلفاء فيما بينهم على كونها من نصيب فرنسا في اتفاقية سايكس بيكو “التي عالجت شئون البلاد كأنها ملك خاص أو سلعة من السلع” كما قال فيصل – عندما كان مايزال أميرا- في ندائه للمجلس الأعلى لمؤتمر الصلح في باريس سنة 1919،[4] ويخطئ من يظن أن نظرية “الحقوق” الغربية في بلاد الشرق تقتصر على أطماع الصهيونية في فلسطين، إذ عندما غزت فرنسا بلاد الشام بعد الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918) كانت تستند إلى “حقوقها” التاريخية في هذا البلد فضلا عن مصالحها التجارية والاستعمارية، وكانت تحاجج بريطانيا المترددة بين وعودها المتناقضة لكل من العرب واليهود والفرنسيين بالمطالبة بهذه الحقوق التي تعود جذورها إلى حروب الفرنجة الصليبية،[5] والتي لا تقتصر على ما شاع في الفترة الاستعمارية من استخدام شعار “الرسالة الحضارية” الفرنسي وشعار “عبء الرجل الأبيض” البريطاني اللذين يؤهلان المتحضر ويعطيانه حقا في إخضاع من هم أقل حضارة منه للأخذ بأيديهم نظريا نحو المدنية والحياة العصرية، وعمليا لأخذ ما في أيديهم كما صرح بذلك شعار “القدر الجلي” الأمريكي في نفس الفترة بلا مواربة:

“القدر الجلي” جعل الإبادة شرطا للحرية واستبق أحداث القرن العشرين في الشرق بتمثيلها بدقة في القرن التاسع عشر في الغرب

“إن الثروات القابعة منذ دهور طويلة تحت القمم المكللة بالثلج لجبالنا، قد وضعتها العناية الإلهية لمكافأة الأرواح الجريئة التي يتجلى قدرها في تكوين طليعة الحضارة، على الهنود أن يتنحوا أو أن تقهرهم موجة الهجرة المتقدمة والمتزايدة باستمرار، إن مصير السكان الأصليين مكتوب بأحرف شديدة الوضوح، إن الحاكم الغامض الذي حكم بسقوط روما حكم أيضا بالفناء على رجال أمريكا الحمر”،[6] ورغم هذه اللغة الإبادية فإن موسوعة الغرب الأمريكي تشير إلى أن أكثر مؤيدي “المصير الجلي” حماسا واحتقارا لحقوق الآخرين – من منظور الأجيال اللاحقة- “اعتقدوا أنهم كانوا يتصرفون بشكل مثالي وأن ما كان مفيدا للأمريكيين كان مفيدا للجنس البشري عموما”،[7] ومازالت نفس التبريرات القديمة حية إلى هذا اليوم عند قطاع أمريكي عريض يرى في “عصر النور والحرية والديمقراطية” أن إبادة السكان الأصليين في أمريكا عمل “مبرر” نال العالم منه “ثقافة الحرية التي أعطت الكرامة والسيادة للإنسانية”، ويذهب التطرف المتغطرس مدى بعيدا حينما يرى أحد الكتاب المشهورين – هو كريستوفر هيتشنز الذي احتفى به يوما المفكر الراحل إدوارد سعيد وشاركه التأليف في نقد الصهيونية (كتاب لوم الضحايا) قبل أن ينقلب من اليسار إلى اليمين ويحتفي به المحافظون الجدد- أن “من لا يحتفل بإبادة سكان أمريكا الأصليين إنسان يكره إنسانيته، إنه مخبل، جاهل، بليد، أما الذين ينظرون إلى الإبادة نظرة نقدية فهم رجعيون متخلفون لأن التاريخ لا يصنع إلا بمثل هذه الفظاعات، ولهذا فإن التذمر من ذلك لا معنى له لأنه كالتذمر من تحول في المناخ… ثم إن هذه الإبادة تستأهل التمجيد والافتخار لأنها كانت سببا في تحسين الوضع الإنساني”،[8] وهي صورة دالة عن مدى “التقدم” الذي حصل في الفكر الأمريكي منذ زمن الإبادة نهديها لمثقفينا المولعين بتقليد سادتهم الغربيين والذين يذرفون الدموع على أطلال المحرقة النازية ويقبلون بتميز الدم اليهودي عن دماء بقية البشر أملا بالحصول على التعاطف الغربي مع المأساة الفلسطينية أو بمجرد الرضا الغربي ويبالغون في استجداء الغرب بالحفر في أحافير التاريخ العربي والإسلامي لوصمه وإدانته إثباتا لإنسانيتهم المزعومة، كما أنها صورة نموذجية لطريقة انقلاب المفاهيم في مراكز القوة المادية حيث تتحول الجريمة إلى فضيلة، وهي دليل جديد في موضوعنا وهو طريقة تحول مفهوم الحرية إلى عملية استعباد تحث عليها المصالح المادية.

ومفهوم القدر الجلي الذي تطور منذ سنة 1840 عن مفاهيم التوسع الامبراطورية السابقة في التاريخ كان “نسخة أكبر وأكثر تطرفا من ادعاء البيوريتان (المتطهرين) بأن الرب منحهم حقا في أرض الميعاد الجديدة (أمريكا)”، وكما طبقه الأمريكيون على بلاد الهنود الحمر ليستولوا عليها، ساق المبشرون نسخة معدلة منه ليطبقوها في نفس الفترة على الشرق العثماني مستهدفين جذب الأرواح والأذهان قبل أن تتطور مصالحهم المادية، مستهزئين بالإسلام بصفته “دينا رجعيا مضللا”، ورافضين “كل صور المسيحية الشرقية بصفتها متخلفة وعفا عليها الزمن”، عاملين على “إعادة” اليهود إلى فلسطين “عودة لم تكن لتفيد اليهود وحدهم، بل الإنسانية جمعاء”، وقد عينت الحكومة الأمريكية وكلاء قنصليين في ست مدن فلسطينية “مما جعله أكبر تمثيل لبلد غربي في المنطقة” وقد استخدم المبشرون في بلادنا نفس أساليب غطرسة القوة المستخدمة مع الهنود الحمر في أمريكا، وكانت دوافع الإرساليات الأمريكية في الشرق متطابقة مع دوافع عموم الأمريكيين الذين عدوا أنفسهم منفذي القدر الجلي وحملة ثمار عصر النهضة والثورة الصناعية وحاملي لواء الديمقراطية،[9] تماما كما يحدث اليوم عندما تغير قدرنا الجلي بتطور المصالح الأمريكية في بلادنا التي لم يكن المبشرون الأوائل الطيبون فيها سوى طليعة الاستعمار القادم في إثرهم.

بعذر أو دون عذر، بلادنا من حقوق الغرب

وبالعودة إلى فرنسا فإنه رغم بعد الشقة بينها وبين سوريا لم يكن هناك بعد الحرب الكبرى الأولى ما يمنع من اختلاق ارتباطات تاريخية واهية تذكرنا بارتباطات الصهاينة التي لم يكن الدافع إلى تحقيقها غير المصالح الاستعمارية تماما كما في الحالة الفرنسية وفي حالة “الحقوق” التاريخية الإيطالية في ليبيا والتي تعود إلى أيام الإمبراطورية الرومانية، ولكن في أماكن أخرى كالجزائر مثلا لم يمنع افتقاد هذه الأبعاد التاريخية، والتي سيجري اختلاقها في زمن قادم بروية من أحافير الوندال، من اختلاق حجج فورية عند اللزوم وإن كانت أوهى من بيت العنكبوت كضربة من مروحة الداي حسين باشا (1827) والتي ألحقت إهانة لا تغتفر بالشرف الفرنسي[10] فرد الفرنسيون على هذه ضربة الريش بحرب صليبية ضروس ضمت الجزائر إلى البر الفرنسي أكثر من 130 عاما، وقد ضمت فرنسا الجزائر الأرض دون الجزائر الشعب الذي لم ينله من الضم سوى المعاناة التي حصدت مليونا ونصف المليون شهيد وظل مستثنى من الدخول في الجنة التي صنعها المستعمِرون لأنفسهم على أرضه ليتمتع بها الأوروبي وحده، حتى لو لم يكن فرنسيا،(*) دون صاحب الأرض، في مثال صارخ للرغبة في تحرير الأرض من سكانها لصالح الأغراب عنها وهو ما لم تستطع محاولات الترقيع الإنسانية التخفيف من غلوائه حتى ولو بضم أعداد رمزية من الجزائريين إلى المواطنة الفرنسية مقابل تأبيد الاحتلال الفرنسي كما جاء في قانون بلوم فيوليت زمن حكم الجبهة الشعبية اليساري (1936- 1937).[11]

لحظات الاعتراف وكشف الحساب

وكانت هذه هي نفس السياسة الاستئثارية المغلفة بدعاوى الحرية التي تعامل بها الحلفاء معنا لحظة انتصارهم في الحرب الكبرى الأولى التي خاضوها في الميدان الشرقي بزعمهم بهدف وحيد هو “التحرير التام والنهائي للشعوب التي طال ظلم الأتراك لها، وإقامة حكومات قومية وإدارات قومية تستمد سلطتها من الإرادة المستقلة والاختيار الحر يعبر عنه السكان الأصليون” كما جاء في تصريح بريطاني- فرنسي مشترك في 7-11-1918،[12] ورغم الوعد الصريح بالاعتراف بالحكومات القومية “بمجرد تأليفها” فإن الفرنسيين والبريطانيين لم يفوا بوعدهم وساروا خلف مصالحهم الأنانية، وبهذه المفارقة أقر مستشار الرئيس الأمريكي ويلسون في سنة 1919 بعد رفض الأوروبيين تطبيق حق تقرير المصير – الذي نادى به رئيسه- على بلادنا، فقال: “بالرغم من الدعاية بشأن تحرير الأعراق المضطهَدة، فإن البريطانيين والفرنسيين يعملون فقط من أجل مصالحهم في الشرق الأدنى”،[13] وهي نبرة لا نسمعها إلا نادرا وذلك إذا اختلف اللصوص فيما بينهم أو إذا تحدثوا إلى أنفسهم في لحظات الاعتراف النموذجية أو إذا وصلت بهم الثقة بالنفس إلى درجة لا يخشون فيها التحدي، وقد اعترف وزير الخارجية البريطاني السابق اللورد كيرزون بذلك أثناء توزيع الغنائم بين الحلفاء تحت عنوان الانتداب الذي يُفترض أنه لصالح تحرير الشعوب الضعيفة والذي جعل سعادتها وتقدمها “وديعة مقدسة في يد العالم المتمدن” كما جاء في المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم،[14] فقال هذا الوزير موضحا أن بلاده تدخل المنافسة الاستعمارية دفاعا عن مصالحها وليس مصالح الضعفاء (1919): “علينا أن نلعب لعبة حق تقرير المصير بأي ثمن، لأننا نعرف في قرارة أنفسنا أننا سنستفيد من ذلك أكثر من أي طرف آخر” فعقب عليه المستشار العسكري للرئيس ويلسون بسخرية لاذعة فضحت الأثرة البريطانية وإن كان ذلك لأنها تنافس السياسة الأمريكية: “أينما كان الانتداب يغطي آبار نفط ومناجم ذهب فإن بريطانيا العظمى ستحصل عليه، وسنطلب من الولايات المتحدة أن تقوم بالانتداب على كل أكوام الحجارة وتلال الرمال المتبقية”.[15]

“الحقوق” الاستعمارية مازالت سارية إلى اليوم

وهذا الأمر ليس من مخلفات الماضي الاستعماري، فمازالت الإمبريالية الغربية بعد نهاية الحقبة الاستعمارية وتغير طرق الهيمنة تعد ثروات الشرق الطبيعية حقا طبيعيا لها وجد بطريق الخطأ الجيولوجي تحت باطن الأرض الشرقية ولا بد من تصحيح ذلك،[16] ولم يتورع كبار مسئوليهم مثل كارتر وكيسنجر عن الإشارة إلى “خطأ الرب” في ذلك، ولهذا لا يتحرج ساسة الغرب من الحديث عن نفط العرب بصفته “نفطنا” أي نفط الغربيين كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون أثناء أزمة الخليج التي اندلعت سنة 1990،[17] وقد تصرف الغرب آنذاك وفقا لهذا المفهوم وكان هياجه مركزا على ألا يستحوذ العراق على احتياطي نفطي ضخم واتخذ ساسته من تحرير الكويت ستارا وهميا لنواياهم، ولهذا لم يكن من الغريب أن يؤدي “تحرير الكويت” إلى تدمير العراق تدميرا شاملا، لأن الحرية التي كان يمكن تحقيقها بطرق عديدة أخرى – كمبادرة الأمير سلطان مثلا- لم تكن الهدف بقدر تحقيق الأطماع التي كان الدمار العراقي هو سبيلها الوحيد، وهذا الجشع هو ما تدل عليه أفعال الغربيين دائما إذ توضع سياسات تتجاهل الحقوق الجمعية لبلادنا بل تتجاهل وجودنا وتدعي وجود “الفراغ” في المنطقة منذ مغادرة الجيوش البريطانية[18] وهو فراغ على الولايات المتحدة أن تملأه في تكرار لفكرة الأرض بلا شعب التي لا تعترف بوجود بشري يملأ العين الغربية سوى الوجود الغربي، ولا ينحصر تطبيقها على فلسطين وحدها، ولذلك تشن الحروب علينا للاستيلاء على أراضينا “الفارغة” لإقامة كيان غربي غاصب فيها أو لضمان تدفق ثرواتنا الطبيعية التي وجدت في هذا “الفراغ” ويحتاج إليها ويسير بها الاقتصاد الغربي، وتحت عنوان التحرير تتحقق المصالح الغربية ولو احتاج الأمر إلى تدمير أوطان نائية وسحق شعوب آمنة بدعوى تحريرها ولكن المراقب الحصيف لا تخطئ عينه أن من تحرر هي البلاد من أهلها والأملاك من أصحابها حتى يتبدل الأمر بالمقاومة بفعل سنة التدافع.

الاستنتاج: سهولة قلب مفهوم التحرير إلى حقيقة الاستعباد

ارتباط الحرية بالاستعباد أو حتى اعتمادها عليه ليس أمرا مستهجنا في حضارة الغرب ولا هو أمر نادر فيها أيضا، فالأمريكي مثلا اكتشف أن عمل الإفريقي كأرض الهندي كان موردا حيويا للأمة الأمريكية الوليدة، ولهذا قام أصحاب المصالح بالتأكيد على أن وعود أرباب الثورة الأمريكية بجنة الحرية والمساواة لم تكن تتصف بالمساواة، وأنها لا تشمل جميع البشر،[19] وذلك لأنها كانت مؤسسة على اضطهاد الآخرين، فالأمريكي لم يكن حرا في اضطهاد الهندي والإفريقي وحسب، بل كان الاستيلاء على أرض الهنود وما تطلبه من إبادة ونهب شرطا أساسيا لإقامة صرح مجتمع الديمقراطية والمساواة،[20] بين البيض طبعا، ولهذا شرعوا في سلب حرية السكان الأصليين فور حصولهم هم على حريتهم من بريطانيا بعد الثورة الأمريكية،[21] وكذلك أسست بقية الأمم الغربية ديمقراطياتها على استغلال الآخرين وتصدير المشاكل إليهم، كما كان الاستيلاء على جهد الأفارقة، وما تطلبه ذلك من عنف واستعباد، شرطا رئيسا لبناء مجتمع المزارعين البيض الأحرار،[22] وأصبح سكان الجنوب الأمريكي مع الوقت “يرون في تمسكهم بنظام الرق تعبيرا عن حقهم في الحرية” ولا مانع أيضا من ادعاء أفضلية هذا النظام للعبيد أنفسهم،[23] أليس ما هو خير للأمريكي هو خير للعالم أجمع[24] كما سيتكرر ذلك في التاريخ الذي أتى فيما بعد؟

لقد كان الأمريكي انتقائيا في تعامله مع حرية الآخرين وإنسانيتهم بما يفيد مصالحه الذاتية وحدها، وأوضح مثل على ذلك الطريقة التي تعامل بها مع إنسانية العبيد في مساومات دستور الثورة الأمريكية: فالعبيد يحسبون من البشر عندما يكون ذلك في مصلحة قوة الجنوب التمثيلية في المؤسسة الحاكمة ولا يحسبون بشرا عندما تكون إنسانيتهم ضد مصالحه لو أُعطوا هذا الصوت ليعبروا عن أنفسهم، فولايات الجنوب”تريد تعداد الرقيق ضمن سكانها، ليس تمثيلهم بل تعدادهم فقط، بحيث أن العبد يساوي الأبيض، حتى تزيد نسبة تمثيلها في مجلس النواب”،[25] ولهذا تصادر وزن العبيد البشري لصالحها فقط دون مصالحهم وتدخل في جدال مع نظيراتها الشمالية التي ترفض بدورها هذه المعادلة ولكن حرصا على نفوذها الذاتي أيضا وليس على حرية العبيد أو إنسانيتهم وتصل المساومة بين الآباء المؤسسين لحرية العالم إلى عد الإفريقي ثلاثة أخماس إنسان دون صوت(!)

الخلاصة

كما كان الإفريقي بشرا عندما يريد الأبيض ذلك وليس بشرا عندما يرفض السيد ذلك، وتصادر حريته وإنسانيته لصالح سيده دون نفسه، نظر الغرب وما يزال إلى حرية الشرق وإنسانية أهله من زاوية نظرياته المتعلقة بالحقوق الغربية في هذه المنطقة والتي تسمو على حقوق أهل البلاد في بلادهم، وهذه الأفضلية تؤكدها نظريات الحقوق التاريخية والرسالة الحضارية وعبء الرجل الأبيض والقدر الجلي التي يسند بعضها بعضا ويملأ بعضها فراغ البعض الآخر ومازال مفعولها يسير السياسة رغم زوال عصر الاستعمار إذ يرى أصحاب التفوق الحضاري أن الهيمنة على الغير ونهبه – مع ادعاء تحريره وتحضيره- من حقوق هذا التفوق الذي تدعمه القوة المسلحة التي لا حرج عليها فيما تفعله كما يشهد بذلك التاريخ المظلم للاستعمار وحتى لو عادت بنا في بعض الأمثلة المعاصرة إلى عهد الاحتلال العسكري الذي تحول – بألاعيب الحواة المبتدئين من تلاميذ مدرسة المارينز- إلى تحرير لبلادنا، ولكن حقائقه المرة أوضح من أن تخطئها العين أو تخطئ فهم المقصود بهذا التحرير، ولهذا فإن علينا أن نعي جيدا أن تحرير بلادنا – من وجهة النظر الغربية- لا ينفصل عن “الحقوق” الغربية في هذه البلاد وفي ثرواتها ومواقعها الهامة وفي الهيمنة عليها، لصالح القاصرين من أبنائها طبعا(!) وإذا كان اضطهاد الأفارقة في الولايات المتحدة قد فقد شيئا من دوافعه النفعية فإن المصالح في بلادنا مازالت قائمة ومازالت تدفع باتجاه ادعاء تفوق الحقوق.

******

الهوامش 

[1] الدكتور بشارة خضر، أوروبا وفلسطين من الحروب الصليبية حتى اليوم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003، ص 107.

[2] مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال: أمريكا في الشرق الأوسط منذ عام 1776 حتى اليوم، كلمة، أبو ظبي، وكلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2008، ترجمة: آسر حطيبة، ص 273- 274.

[3] نفس المرجع، ص 275.

[4] زين نور الدين زين، الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان، دار النهار للنشر، بيروت، 1977، ص .

[5] نفس المرجع، ص 229، هامش رقم 1.

[6] دي براون، تاريخ الهنود الحمر، دار الحوار، اللاذقية، 1982، ترجمة: توفيق الأسدي، ص 145- 146.

[7] Howard R. Lamar (ed)، The New Encyclopedia of the American West، Yale University Press، New Haven، 1998، p. 676: Manifest Destiny.

[8] منير العكش، أميركا والإبادات الجنسية: 400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2012، ص 147- 148.

[9] مايكل أورين، فصل: “المصير الحتمي (أو القدر الجلي) للشرق الأوسط”، ص 133- 157.

[10] بسام العسلي، المقاومة الجزائرية للاستعمار الفرنسي (1830- 1838)، دار النفائس، بيروت، 1986، ص 56.

(*) يشير المؤرخ الاقتصادي شارل عيساوي إلى أنه في سنة 1912 كان خُمس المستوطنين الأوروبيين في الجزائر من الفرنسيين في الوقت الذي كان فيه أربعة أخماسهم من إسبانيا وإيطاليا ومالطا وبقية السواحل الأوروبية المتوسطية، وهو ما يذكرنا بتساهل الكيان الصهيوني في توثيق الهوية اليهودية للمستوطنين الأغراب الذين يجلبهم من خارج فلسطين، أو لتهويد شعوب بعيدة في سبيل ملء فراغه السكاني وحل مشكلته الاستيطانية.

– Charles Issawi، An Economic History of the Middle East and North Africa، Routledge، London، 2010، p. 82.

[11] يوجين روجان، العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2011، ص 307.

[12] دكتور حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، دار المعارف بمصر، 1973، ج 1 ص 286.

[13] مايكل أورين، ص 371.

[14] د. وهيب أبي فاضل، موسوعة عالم التاريخ والحضارة، نوبليس، 2007، ج 5 ص 53.

[15] مايكل أورين، ص 372.

[16] عبد الحي يحيى زلوم، حروب البترول الصليبية والقرن الأمريكي الجديد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص 81- 82.

[17] باسيل يوسف بجك، العراق وتطبيقات الأمم المتحدة للقانون الدولي (1990- 2005)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص 179.

[18] جاك بنوا ميشان، الملك سعود: الشرق في زمن التحولات، دار الساقي، بيروت- لندن، 2010، ترجمة: نهلة بيضون، ص 27- 29.

[19] Colin G. Calloway، The American Revolution in Indian Country، Cambridge University Press، 1995، p. 300.

[20] دان لاسي، مولد أمة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص 141.

[21] Colin G. Calloway، p. 300.

[22] Edmond S. Morgan، American Slavery، American Freedom، History Book Club، New York، 2005، Front flap.

[23] د. محمد النيرب، المدخل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية: الجزء الأول حتى 1877، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1997، ص 223.

[24] Howard R. Lamar، p. 676.

[25] د. محمد النيرب، ص 115.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s