دروس تاريخية يرفض الغرب تعلمها

26/05/2013

جنود عراقيون يحرسون حدود بلدهم مع سورية – (أرشيفية)

باتريك كوبيرن* – (كاونتربنتش) 14/5/2013
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، خلقت بريطانيا وفرنسا -كما هو معروف- الشرق الأوسط الجديد من خلال إعادة ترتيب ما كان يشكل الإمبراطورية العثمانية. ورسمت حدود الدول الجديدة في المنطقة، مثل العراق وسورية، بما يتماشى مع الاحتياجات والمصالح البريطانية والفرنسية. وتم تجاهل رغبات السكان المحليين بشكل كبير.
والآن، ولأول مرة خلال أكثر من 90 عاماً، نجد كل تسوية ما بعد الحرب في المنطقة وهي تُنقض. لم تعد الحدود الخارجية هي الحواجز التي لا يمكن عبورها كما كان حالها حتى وقت قريب، بينما يصبح عبور خطوط التقسيم الداخلية معقداً مثل الحدود الدولية.
في سورية، لم تعد الحكومة تسيطر على العديد من نقاط العبور إلى تركيا والعراق. ويتقدم الثوار السوريون ويتراجعون دون معيق عبر حدود بلدهم الدولية، بينما يقاتل مقاتلون شيعة وسنة من لبنان وبوتيرة متزايدة إلى جانب أحد الجانبين المتحاربين. ويقصف الاسرائيليون سورية متى ما أرادوا. وبطبيعة الحال، لا تعني تحركات فرق رجال حرب العصابات وسط حرب أهلية بالضرورة أن الدولة تتحلل في نهاية المطاف. لكن قابلية النفاد عبر حدودها تشير إلى أن أي طرف سيخرج كاسباً من الحرب الأهلية السورية سوف يحكم دولة ضعيفة، قادرة بالكاد على حماية نفسها.
وتعمل نفس الحالة في العراق. وقد أصبح ما يدعى خط الزناد الذي يقسم المنطقة الخاضعة للسيطرة الكردية في الشمال عن باقي العراق، أكثر شبهاً بحدود يدافع عنها كلا الجانبين بالقوة المسلحة. وكانت بغداد قد أثارت غضب الأكراد في العام الماضي بتشكيل “قيادة عمليات دجلة”، التي هددت بفرض سيطرة عسكرية مركزية على مناطق متنازع عليها بين الأكراد والعرب.
أصبحت خطوط التقسيم أكثر تعقيداً في العراق بعد مجزرة الحويجة يوم 23 نيسان (أبريل)، والتي أسفرت عن مقتل 44 محتجاً من السنة العرب على الأقل. وجاءت هذه الحادثة بعد أربعة أشهر من الاحتجاجات السنية السلمية الجماهيرية ضد التمييز والملاحقة. وكانت نتيجة هذا الشق الأعمق بين السنة والحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد أن أصبحت القوات العراقية في المناطق ذات الاغلبية السنية تتصرف كجيش احتلال. ويقوم الجيش في الليل بإخلاء النقاط الأمامية المعزولة بحيث يستطيع تركيز القوات في مواقع دفاعية، فيما أصبحت سيطرة الحكومة العراقية في النصف الشمالي من البلد متعبة أكثر وأكثر من ذي قبل.
هل يهم حقا بالنسبة لباقي العالم من يقاتل من في البلدات الفقيرة في الداخل السوري، أو في سهول وجبال كردستان؟ يؤكد الدرس المستقى من آلاف الأعوام السابقة أن ذلك يهم بدرجة كبيرة. فقد كانت المنطقة الممتدة بين الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط وبين حدود إيران الغربية، على نحو تقليدي، منطقة تتصادم فيها الإمبراطوريات. وتجدر الاشارة إلى أن خرائط المنطقة تعج بأسماء ميادين المعارك التي حارب فيها الرومان ضد الفرس، والعثمانيون ضد الصفويين، والبريطانيون ضد الأتراك.
لعل من المثير للاهتمام، والمرعب مع ذلك، رؤية اللامبالاة التي قسم بها البريطانيون والفرنسيون المنطقة بموجب اتفاقية سايكس – بيكو في العام 1916. وكانت تلك الاتفاقية قد قضت بأن يسيطر البريطانيون على منطقتي بغداد والبصرة، وأن يمتد نفوذهم أبعد إلى الشمال. كما قضت بأن يسيطر الفرنسيون على جنوب شرق تركيا وشمالي سورية، ومنطقة الموصل التي يعتقد بأنها تتوافر على النفط. وفيما بعد، تبين مع ذلك أن كرم البريطانيين بخصوص الموصل جاء لأن بريطانيا كانت قد وعدت بمنح شرقي تركيا لروسيا القيصرية، واعتقدت بأنه سيكون من المفيد وجود شريط فرنسي صحي بينها وبين الجيش الروسي.
عكست اتفاقية سايكس – بيكو أولويات زمن الحرب، لكنه لم يتم تطبيقها على هذا النحو أبداً. فقد أصبح الوعد البريطاني بمنح الموصل لفرنسا مفرغا من محتواه مع اندلاع الثورة البلشفية في العام 1917، ونشر البلاشفة لاتفاقيات روسيا السرية مع حليفتيها السابقتين بريطانيا وفرنسا. وفي المفاوضات التي جرت في العامين 1918/1919 والتي أفضت إلى توقيع معاهدة فرساي، أعطي معظم الاهتمام للأثر بعيد المدى لتوزيع الغنائم وحسب.
بينما يناقش أمر بلاد ما بين الرافدين وفلسطين مع ديفيد لويد جورج، قال جورج كليمنصو، رئيس الوزراء الفرنسي في حينه والذي لم يكن مهتما بالشرق الأوسط: “قل لي ماذا تريد”، فأجاب لويد جورج: “أريد الموصل”. فقال كليمنصو: “ستأخذها، فهل تريد شيئا آخر؟” فقال لويد جورج: “نعم، أريد القدس أيضاً”. فوافق كليمنصو على ذلك أيضاً وهو مبتهج، ولو أنه حذر من أنها ستكون هناك مشكلة حول الموصل التي كانت هناك شكوك حتى ذلك الحين حول توافرها على النفط.
وقد انطوت تلك المفاوضات على سحر، لأن الكثير جداً من القضايا التي يفترض أنها سويت في حينه ما تزال موضع نزاع حتى اليوم. والاسوأ من ذلك، أن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في حينه أرست ركائز العديد جداً من النزاعات والحروب المستقبلية التي ما تزال مستمرة، أو تلك التي ستأتي. وما تزال الأطروحات التي قدمت في ذلك الوقت، تطرح في الوقت الراهن.
على نحو غير مستغرب، فإن قادة الثلاثين مليون كردي هم الأكثر ابتهاجا بنزع الصدقية عن الاتفاقيات التي كانوا هم، إلى جانب الفلسطينيين، أكبر ضحاياها. وبعد تقسيمهم بين العراق وتركيا وإيران وسورية، أصبحوا يحسون بأن لحظتهم قد حانت أخيراً. فهم يتمتعون في العراق بحكم ذاتي قريب من الاستقلال، وفي سورية فرضوا سيطرتهم على بلداتهم وقراهم الخاصة. وفي تركيا، وفيما يشرع رجال حرب العصابات في حزب العمال الكردستاني في الانسحاب إلى جبال قنديل في شمالي العراق بموجب صفقة سلام، أظهر الأكراد أن الدولة التركية فشلت في سحقهم، بالرغم من 30 عاما من الحرب.
ولكن، مع انهيار التوصل إلى تسوية سلمية في القرن العشرين لأزمة الشرق الأوسط، فإن من غير المرجح أن تكون المحصلة سلاما وازدهارا. ومن السهل رؤية الخطأ في حكومات اليوم في العراق وفي سورية، لكن من غير السهل رؤية من سيحل محلهما. وللنظر إلى الاحتفاء شبه الاجماعي الساسة الاجانب والإعلام، والذي واكب سقوط العقيد القذافي في العام 2011، ثم لننظر إلى ليبيا الآن، حيث تظل حكومتها محاصرة بشكل دائم، أو أنها تحاول الانفلات، من سطوة مسلحي المليشيات.
إذا سقط الرئيس بشار الأسد في سورية فعلا، فمن هو الذي سيحل محله؟ وهل يعتقد أحد فعلاً بأن السلام سيعقب ذلك تلقائيا؟ أليس الأكثر رجحانا بكثير أنها ستكون هناك حرب مستمرة وأكثر حدة، كما حدث في العراق بعد سقوط صدام حسين في العام 2003؟ إن الثوار السوريين وداعميهم يستخفون بالتشابهات بين الأزمتين في العراق وسورية. لكنهما أزمتان تنطويان على تشابهات منذرة. ربما كان صدام غير شعبي في العراق، لكنه لم يكون بالإمكان استثاء أولئك الذين دعموه أو عملوا لصالحه من السلطة وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية من دون قتال.
الآن، تبدو الوصفات الاميركية والبريطانية والفرنسية لمستقبل سورية محفوفة بكارثة محتملة، مثلما كانت خططهم في الأعوام 1916 أو 2003. وبقوله أنه ليس باستطاعة الاسد لعب أي دور في حكومة سورية في المستقبل، فإن وزير الخارجية الاميركية، جون كيري، يتحدث عن زعيم حكومة لم تخسر سوى واحدة فقط من عواصم المحافظات لصالح الثوار. ويمكن فرض هذه العبارات فقط على المهزوم، أو من هو على وشك أن يهزم. وسيحدث هذا سيحدث في سورية فقط إذا تدخلت القوى الغربية عسكريا نيابة عن المتمردين، كما كانت قد فعلت في ليبيا، لكن النتائج بعيدة المدى ستكون مخيبة للآمال بالمقدار ذاته.

*مؤلف كتاب: “مقتدى: مقتدى الصدر والانبعاث الشيعي والنضال من أجل العراق”.
History Lessons the west refuses to learn*نشر هذا المقال تحت عنوان: 

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s