الجولان نحو التوتر الى ما دون الحرب؟

Web:     www.thinktanksmonitor.com                                                                                                                دكتور منذر سليمان

26-05-2013

         حركة التاريخ لها دلالاتها المحددة توفر استخلاص العبر لمن يحسن قراءتها والاتعاظ بدروسها. في هذا الزمن تحضرنا ذكرى معركة حطين الشهيرة، لتواكب اعلان فتح جبهة الجولان السوري المحتل امام المقاومة المسلحة وعينها على فلسطين، البوصلة الأم. اعلان له انعكاسات استراتيجية ليس على القوى الفاعلة في الاقليم فحسب، بل على المستوى الدولي ومزاحمة قوى دولية صاعدة للقطب الاميركي الاقصائي. فهل نحن امام نقطة انعطاف استراتيجية فاصلة اخرى في مسار التاريخ العام؟

         بلغ الزهو مداه في الاوساط السياسية الاميركية التقليدية في اعقاب تسديد “اسرائيل” ضربات متتالية مؤخرا في دمشق ومحيطها، واطمئنانها بأن سورية المثخنة بجراحها لن تستطيع التحدي والرد ميدانيا؛ وعليه تستعيد “اسرائيل” هيبتها بعد سلسلة احباطات اصابت هيلكيتها وادائها العسكريين، والاستعداد للانخراط بشكل اوضح كوكيل اميركي في الاقليم يمكن الاعتماد عليه دون منازع. اعلان الرئيس السوري عن فتح جبهة الجولان امام المقاومة المسلحة فاجأ الكثيرين، وهرولت “اسرائيل” المعتدية الى توظيف ما تستطيع من نفوذ ووسطاء، ومن والاها من اطراف دولية واقليمية، لارسال رسائل تطمينية بانها لا تنوي توسيع نطاق ما قامت به بعد الآن.

         الطرف الاميركي الراعي لكل ما يجري في سورية وحولها وعليها سارع الى اعادة قراءة الوقائع وما سيترتب عليها من تداعيات ترخي ظلالها سلبا على استراتيجيته الراهنة، فاقمه بروز سلسلة فضائح سياسية باتت تلاحق الادارة الاميركية، وتجدد مطالب التيارات الراعية للتدخل العسكري المباشر في سورية، من ناحية، وخشية الادارة فقدانها زمام الامور نتيجة انشغالاتها ونجاح ابتزازات خصومها الداخليين. وغابت لهجة اليقين والتكهنات الواثقة لطبيعة الرد الاميركي، او بشكل ادق، ما يمكن ان يسمح به لوكلائه المحليين في توجيه مزيد من الاعتداءات على سورية امام نقطة التحول الجديدة.

         سورية دشنت اعلانها باستهداف آلية عسكرية في الجولان دمرتها وكل من كان على متنها. الكيان “الاسرائيلي” لجأ لدق طبول الحرب عبر اعلانه اجراء مناورات داخلية مكثفة لتعزيز جهوزية اجهزة الطواريء المختلفة ونشر قوات اضافية على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، يرافقها ضغوط المستوطنين في المستعمرات الشمالية للتخفيف من هواجسهم الأمنية. المناورات التي تجري بدءا من 26 أيار وتمتد لاسبوع كامل، هي احد اركان مناورات الطواريء التي تجري سنويا بثبات لمدة 6 سنوات متواصلة، لسد الثغرات اللوجستية التي كشفتها حرب تموز لعام 2006.

         وزير الجبهة الداخلية “الاسرئيلية،” جلعاد اردان، عبر عن المخاوف بالقول “لم يعد السؤال قائما فيما ان كانت ستطلق صواريخ على المناطق الاسرائيلية السكنية الرئيسة، بل متى ستبدأ.” وتشكل مثل هذه التصريحات مؤشرات على اقتناع المسؤولين “الاسرائيليين” بجدية تهديدات معسكر المقاومة بالانتقام والرد على اية عمليات عدوانية، ولا تساهم في سعي الوزير اردان ادخال بعض الطمأنينة لسكان المستعمرات القلقون لسقوط آلاف الصواريخ والقذائف التي ستستهدف المنشآت الاستراتيجية عامة، مصدرها الجبهتين الشمالية والجنوبية لفلسطين المحتلة.

         وسائل الاعلام “الاسرائيلية” قامت باداء واجبها في التمهيد الاعلامي للمناورات وحث الجميع الالتزام الصارم بالتعليمات والارشادات والتعاون التام لا سيما في الانسحاب لمواقع مغايرة افضل أمن؛ وتلعب وسائل التقنية المتطورة دورا بارزا في الاداء اللوجستي بمعاونة وزارة التربية التي استحدثت استمارة تستجوب الطلبة ان كانوا واهاليهم قد دخلوا الملاجيء المخصصة.

         المناورة الشاملة ستكون الاولى التي سيتم اختبار نظام الانذار المبكر فيها بصورة كاملة، فضلا عن صفارات الانذار، وسيتلقى سكان المستعمرات تنبيهات متواصلة عبر وسائل الاتصالات المختلفة والتي تشمل الهواتف النقالة ووسائل التواصل الاجتماعية والنشرات المتلفزة.

         الخطاب السياسي السوري تغير نحو التشبث بالحقوق واستردادها، كما جاء في تصريحات وزير الاعلام السوري عمران الزعبي بأن الرد السوري على الاعتداءات “الاسرائيلية” سيكون باسترداد هضبة الجولان المحتلة سيما وانها “كانت ولا تزال ارضا عربية سورية .. ويتعين على اسرائيل الادراك انه لم يعد بوسعها الدخول في نزهة فوق الاجواء السورية اذ ان الارض والاجواء السورية لن تكون نزهة لأحد.”

          القيادات “الاسرائيلية” على مختلف مواقعها حذرت من عدم أخذ التحذيرات السورية على محمل عالٍ من الجدية، ليس آخرها وزيرة “العدل تسيبي ليفني؛” وشرع سكان المستعمرات الشمالية في اعادة تأهيل الملاجيء وتحديث خطط الطواريء، خاصة تلك التي لا تبعد سوى بضع مئات من الامتار من خطوط الهدنة مع سورية.

         كما شهدت التدريبات العسكرية “للقوات الاسرائيلية” في الجولان تطويرات في اساليبها التقليدية لتشمل مواجهة قوات غير نظامية مسلحة بمعدات مضادة للدروع، اوجزها رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، افيف كوخافي، في “مؤتمر هرتسيليا” الدوري ان وحداته تجهز نفسها لمواجهة محتملة مع حزب الله في لبنان، مع الاشارة الى ان التدريبات المتخصصة المشار اليها قد تكون مقصورة على الوحدات المواجهة للقوات السورية.

         ارتفاع منسوب التوترات الاقليمية ينطوي على عدة مسببات، على رأسها الغارات الجوية “الاسرائيلية” ضد سورية التي بلغت ثلاث غارات منذ بداية العام الجاري والتي كان من شأنها مفاقمة التوترات الاقليمية، واجهتها سورية بتهديدات مماثلة بلاطلاق صواريخ بعيدة المدى على “اسرائيل.” العامل الآخر هو نشوب اشتباكات بالقرب من خطوط الهدنة مع سورية، وقلق سكان المستعمرات من اقتراب اصوات الاشتباكات منهم. في هذا الصدد، تفيد المعلومات الميدانية بقيام سورية اعادة توزيع قوات كبيرة لها من جبهة الجولان التي وصفها مسؤولون غربيون بانها “الاشد أهمية خلال 40 عاما، ليلحق بضعة آلاف من الجنود على الاقل الى جبهات المواجهة بالقرب من دمشق في الاسابيع الاخيرة.”

         اعلان روسيا عن الوفاء بالتزاماتها التسليحية لسورية وتسليمها في مواعيدها فعلت فعلها في مضاعفة وتيرة التوتر، سيما اعلانها ان منظومة الدفاع الجوية S-300 هي في طريقها لسورية، مما حفز قائد سلاح الجو “الاسرائيلي،” امير ايشيل، الى اطلاق صفارات التحذير من ان “اندلاع حرب بشكل مفاجيء مرشح الحدوث عبر عدد من السيناريوهات الراهنة .. ومن شأن اشعال احداث غير مترابطة تصعيد الأمر بشكل سريع.”

سيناريوهات جبهة الجولان

         مستقبل تواجد قوات حفظ السلام التابعة الامم المتحدة في هضبة الجولان له فعل مؤشر هام على مسار الحرب المقبلة، سيما وان قوات الفصل الدولية (الاوندوف) المؤلفة من نحو 1200 عنصر لا يزال نطاق عملها قائما بمراقبة وقف اطلاق النار على الهضبة السورية منذ العام 1974. تداعيات الازمة السورية ترخي ظلالها على مستقبل مهمة القوات الدولية، التي تعرضت للمرة الثانية لاختطاف بعض افرادها من القوات الفيليبينية على ايدي المتمردين السوريين؛ اطلق سراحهم لاحقا لكن الحكومة الفليبينية اعربت عن نيتها لسحب الوحدة وعودتها الى بلادها.

         جل ما تخشاه “اسرائيل” ان يؤدي انسحاب قوات الامم المتحدة، او بعض وحداتها، الى عدم استقرار الاوضاع السياسية السائدة في هضبة الجولان، اسوة بالحدود المشتركة مع لبنان. الامر الذي يرجح من احتمالات قيامها بعمل عسكري.

         قلة من المعنيين “الاسرائيليين” يخففون من وطأة وجدية التهديدات السورية، سيما الواردة على لسان وزير الاعلام السوري باطلاق قذائف صاروخية على مراكز التجمعات السكانية، بانها لا تعدو عاصفة صيف سرعان ما تتبدى. اما الحقائق والتدابير المتخذه تشير غير ذلك، في ضوء تصريحات متتالية لمن هم في قمة هرم القيادات العسكرية بأن “المستوطنين سيواجهون تحديات غير مسبوقة.”

         ما يعزز تنامي التوتر في الاتجاهين جاء عبر تصريحات متكررة لرئيس هيئة قيادة الاركان، بيني غانتز، في لقاء اجراها بجامعة حيفا حديثا، تم بثه على شبكة التلفزة المحلية، بتحذير سورية من انه “لا يستطيع ولن يسمح لمرتفعات الجولان التحول الى منطقة مريحة للأسد.”

         قائد قيادة المنطقة الشمالية في الجيش “الاسرائيلي،” يائير غولان، اشار بوضوح الى نيته التدخل بغية انشاء منطقة عازلة في الجولان. ان “احد التدابير التي ليس بوسعنا التغاضي عنها يكمن في انشاء منطقة عازلة دفاعية على الجانب الآخر” من خط وقف اطلاق النار، على غرار المنطقة العازلة سابقا في الجنوب اللبناني، موضحا ان اقامتها سيتم “عبر طرف سوري محاور ممن تتوفر لديه النية للتعاون معنا ضد العناصر الاخرى التي تشكل تهديدا لهم ايضا.” وقفز غولان عن الخسائر البشرية العالية التي تكبدتها “اسرائيل” في اعتداءاتها على لبنان وخسارتها مراهنتها على توفير الاستقرار عبر تلك السياسة التي ادت الى انكفائها عن جنوب لبنان.

الخبراء العسكريون في الجانبين يلخصون استراتيجية المواجهة بان الجانب “الاسرائيلي” سيعتمد على سلاح الجو بشكل مكثف، والجانب السوري سيستند الى حرب استنزاف عمادها اطلاق الصواريخ بكثافة مما يستلزم الرد المضاد يؤدي الى استدراج واستنزاف القوات المعادية، وربما توسيع رقعة الاشتباك التي قد تخرج عن سيطرة الطرفين عن الحد من نطاقها. كما من شأن اي توغل “اسرائيلي” في الاراضي السورية، كما تعود سابقا في لبنان، لن يكون نزهة وسيترتب عليه مخاطر هائلة للطرفين، وسيؤدي الى استنهاض الحمية الوطنية السورية للدفاع عن الوطن، وربما تقويض حدة الازمة الداخلية وتوحيد بعض القوى المتضادة سابقا للرد على الاعتداء. كما لا ينبغي اهمال الضغط الشعبي الهائل المتوقع في كل من الاردن ومصر ومطالبته بالغاء الاتفاقيات المبرمة مع “اسرائيل،” والتي بدورها ستواجه مزيد من العزلة الدولية كطرف معتدي.

في السياق عينه ومن المسلم به ان “اسرائيل” لن تقدم على عمل عدواني ضد سورية دون الحصول على مباركة او موافقة اميركية، سيما وان ادارة الرئيس اوباما بدأت تترنح من وطأة الفضائح السياسية التي تلاحقها داخليا، وقد تنظر لايجاد مخرج لحرف الانظار عن أزماتها الداخلية بالتوجه نحو ساحة خارجية. الامر الذي تجد تجلياته في السياسات الاميركية، لا سيما في حرب تشرين لعام 1973 حين وضع الرئيس المحاصر ريتشارد نيكسون القوات الاميركية على درجة عالية من التهيؤ والاستعداد لمواجهة تحركات الاتحاد السوفياتي، كما قيل، لصرف الانظار عن فضيحة ووترغيت التي باتت تطوقه من كل جانب.

بعض المصادر الاستخباراتية الاميركية  تشير الى “انشاء حزب الله مراكز للتدريب على حرب العصابات بالقرب من العاصمة السورية دمشق مهمتها استهداف الشق الاسؤائيلي من هضبة الجولان.” واوضحت اسبوعية “دبليو ان دي بوليتيكس” الاميركية ان معسكرات التدريب “تضم مجموعات فلسطينية واخرى من القوات الخاصة السورية تنتظر الضوء الاخضر من الرئيس بشار الاسد لتنفيذ مهامها في القريب العاجل.”

ارتبطت معركة حطين وللأبد بتحرير مدينة القدس (1187) من الاحتلالات الاوروبية الاجنبية، بعد طول تمزق وشرذمة وتشظي وتآمر الاخوة الاعداء؛ وتكرس الانتصار بعد نكستين متتاليتين وتوحيد وجهة البوصلة النضالية نحوها. اعلان سورية بفتح جبهة الجولان امام المقاومة المسلحة، فضلا عن خيار الدولة السورية بانها اضحت دولة مقاومة وليست داعمة لها فحسب، يواكبه انتصارات ميدانية حاسمة وذات ابعاد استراتيجية على القوى المعتدية، من شأنه تعديل البوصلة النضالية مجددا ووضع نهاية طريق الهزائم والتشرذم وتبديد الثروات الطبيعية والانسانية خدمة لاطراف خارجية متعددة.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s