حزب الله والحرب في سوريا

2013-05-25  أيار/مايو  2013 23                                                                                                                                                               ترجمة: د. مالك سلمان

 “غلوبل ريسيرتش

 فيل غريڤز

هناك تزايد ملحوظ في التغطية السلبية في الصحافة الغربية والخليجية؛ والتركيز على تورط حزب الله المباشر في المعركة الدائرة للسيطرة على بلدة القصير السورية؛ وعلى دوره في لبنان والمنطقة بشكل عام, وارتباطه بالرئيس السوري بشار الأسد والحكومة الإيرانية.
مع استمرار النزاع السوري, تدفق المقاتلون السلفيون/التكفيريون من 30 جنسية مختلفة على الأقل عبر الحدود السورية, بموافقة ضمنية من الدول التي تدعم “المعارضة” السورية. وبالمقابل, وخلال السنتين السابقتين, حاول الإعلام المتواطىء بكافة الأشكال الممكنة التستر على القوى السلفية/التكفيرية الأصولية التي شكلت البنية الأساسية لقوة “المعارضة” القتالية؛ لكنه استسلم في النهاية واعترف بالحقيقة القائلة إنه ليست هناك أية قوة علمانية تحارب ضد الحكومة السورية. وعلى النقيض من هذا الجهل المتعمد أو التشويه المقصود للحقائق, وضع الإعلام الغربي والخليجي نصبَ عينيه الآن التركيز ليس فقط على تورط حزب الله المباشر, بل أيضاً الذهاب إلى أبعد مدىً لتسليط الضوء على كل مقاتل يموت أو يُصاب من حزب الله, إضافة إلى كافة تحركاته داخل سوريا.
يجب التركيز على عدة قضايا تتعلق بالحالة المشتتة لما يسمى بالإعلام “المستقل” عندما يتعلق الأمر بحزب الله. النقطة الأولى والأكثر سطوعاً هي أن شيطنة حزب الله ومؤيديه جزء لا يتجزأ من البرنامج الدعائي لإسرائيل والولايات المتحدة, في محاولة منهما لتقويض المقاومة ضد الاحتلال والتوسع الأمريكي/الإسرائيلي/الخليجي. والأسباب الكامنة خلف هذه الشيطنة واضحة: لا ترغب الولايات المتحدة وإسرائيل, لا الآن ولا في أي وقت في المستقبل, أن تسمحا لحزب الله بالعمل بحرية على حدود إسرائيل الشمالية, كما أن الاثنتين ترغبان في إبادة مجموعة المقاومة. والإعلام “الإخباري” جاهز لخدمة أسياده الممولين من خلال الشيطنة العلنية المطلوبة, وعبر الافتراض بالذنب والدعاية.

تفجير بورغاس واتهام حزب الله
منذ أن أعلنت الحكومة البلغارية نتائجَ التحقيق في تفجير حافلة مليئة بالسياح أودى بحياة 5 سياح إسرائيليين, بالإضافة إلى سائق الحافلة البلغاري في تموز/يوليو 2012, شنَ الإعلام الغربي, ومنظمة “إيباك”, و “المدرعات البحثية” المرتبطة بالمحافظين الجدد في واشنطن العاصمة, والمسؤولون الحكوميون الغربيون حملة دعائية شعواء. ومن خلال استخدامها للعبارات المبهمة التي جاءت على لسان وزير الداخلية البلغاري زفيتان زفيتانوف بحرية كبيرة, قررت هذه الجهات أن المسؤولية تقع على عاتق حزب الله. وقبل التوصل إلى أية نتائج يجب توضيح قضية واحدة هي تصريح وزير الداخلية البلغاري حول الحادثة بعد انتهاء التحقيقات:
هناك افتراض منطقي, أكرر افتراض منطقي, يشير إلى أن الاثنين كانا عضوين في الجناح المتطرف لحزب الله.”
هذا ليس تصريحاً تأكيدياً, مما يعني أن الوزير البلغاري ليس واثقاً من هذا الافتراض. وفي هذه المقالة المنشورة في “نيويورك تايمز”, نقرأ عن “الدليل” الدامغ المفترض الذي قادَ المسؤولين الغربيين والإعلامَ التابع على حدٍ سواء لإدانة حزب الله:
“بمساعدة الولايات المتحدة وإسرائيل, قام المحققون هنا بحل القضية – وربطها بحزب الله – باستخدام معلومة منمصدر سري وبعض العمل الاستخباراتي التقليدي, حيث حددوا أن مصدر الطابعة التي أنتجت شهادتين مزورتين هو لبنان … فقد أكد ‘يوروبول’ أن شهادة سواقة مزورة تابعة لميشيغان وجدت في مكان الحادث قد جاءت من لبنان … وكانت هوية الأسترالي الاكتشافَ الرئيسي الثاني. ففي شهر أيلول/سبتمبر, أعلم جهاز استخبارات أوروبي البلغاريين حول صانع قنابل أسترالي من أصول لبنانية, كما قال المسؤول الاستخباراتي الغربي السابق. وقال اجهاز الاستخباراتي إنه انتقل إلى لبنان للانضمام إلى الجناح العسكري لحزب الله. فقد قال السيد زفيتانوف الثلاثاء إن الأسترالي والكندي انتقلا إلى لبنان, أحدهما في سنة 2006 والآخر في سنة 2010.”
هذه الشذرات من المعلومات مجهولة المصدر هي كل الدلائل التي تم تقديمها حتى الآن على ارتباط حزب الله بتفجير بورغاس. فلأن الهويات المزيفة قد جهزت في لبنان, فإن ذلك يبرهن أن حزب الله هو من قام بتجهيزها. ولأن المتواطئين المزعومين مع منفذي التفجير, واللذين لم يتم الكشف عن هويتهما, كانا لبنانيين, فإن هذا يبرهن أيضاً على “ارتباطهما” بحزب الله. من الواضح أن “الدليل” المقدم حتى الآن هو ظرفي في أفضل الحالات. لكن غياب الدليل الواضح هذا لن يردعَ المسؤولين الغربيين والإسرائيليين, وإعلامهم التابع ونظراءَهم في “المدرعات البحثية”, عن تحميل المسؤولية الكاملة لحزب الله؛ مما يقدم الإدانة المرغوبة بلا محاكمة أو, في الحقيقة, بلا أي دليل علني واضح.
كما أشار صحفي تحقيقات, غاريث بورتر, في شهر شباط/فبراير, فإن التقرير البلغاري برمته مبني على مجرد “افتراض” أو “فرضية” تزعم تورط حزب الله؛ ومع ذلك يشكل هذا التقرير الأساسَ الذي ينطلق منه الاتحاد الأوروبي لتصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية. ويمضي بورتر في القول:
“إن المعلومات الرئيسة حول التحقيق الذي أجراه الرئيس الأسبق للجنة التحقيق وصحافية بلغارية كبيرة قد قوضت مصداقية الزعم البلغاري الذي ربط بين المشتبهين وحزب الله … وقد كشف المدعي العام المشرف على التحقيق البلغاري في مقابلة نشرت في مطلع شهر كانون الثاني/يناير أن الدليل المتوفر واهٍ إلى درجة لا يسمح فيها بتحميل المسؤولية لأي طرف كان, كما أن المحققين وقعوا على دليل يتناقض مع الدليل السابق.
كشفت كارادجوفا عن غياب المعلومات حول الرجلين اللذين يعتقد المحققون أنهما ساعدا الأجنبي الذي مات من انفجار القنبلة التي كان يحملها, والذي ربطه زفيتانوف بحزب الله لاحقاً. وقد وضحت أن السبب هو سفرهما بلا هواتف نقالة أو كمبيوترات محمولة … ويبدو أن نوعين فقط من المعلومات ربطا بين الرجلين, تبعاً لكارادجوفا, ولا يقدم أي منهما أي معلومات عن انتماءاتهما السياسية. أحدهما هو أن الاثنين كانا يعيشان حياة ‘منتظمة وبسيطة’, مما يعني – حسب تفسيرها – أن الاثنين تلقيا التدريبَ نفسه.
والآخر أن الاثنين كانا يحملان شهادة سواقة تابعة لولاية ميشيغان جاءتا من البلد نفسه. وقد قيل لاحقاً إن الطابعة المستخدمة في تزوير الشهادتين موجودة في لبنان.
لكن الحقيقة الكبرى التي تكشفها كارادجوفا هي أن المحققين وجدا بطاقة “سيم” في مكان التفجير وأملوا في أن تقدم معلومات عن الاتصالات التي أجراها المشتبهان قبل وصولهما إلى مكان التفجير. لكن شركة الهاتف المعنية كانت “ماروك تيليكوم”, ولم تستجب الشركة المغربية لطلبات حول تلك المعلومات.
إن موضوعَ بطاقة “السيم” يقوض “فرضية” تورط حزب الله, لأن “ماروك تيليكوم” تبيع بطاقاتها في كافة أنحاء شمال أفريقيا – وهي منطقة من المعروف أنه ليس لحزب الله فيها أي قواعد عملياتية, ومن المعروف أيضاً أن القاعدة تمتلك فيها عدداً من المنظمات الضخمة.
كما تُعتبَر المغرب “حليفاً قوياً” للولايات المتحدة, لذلك من غير المرجح أن تكون الحكومة المغربية قد رفضت طلباً من الولايات المتحدة لضمان التعاون المطلوب من قبل شركة الهاتف المغربية.
من الواضح أن كل من يزعم مسؤولية حزب الله عن تفجير بورغاس يسعى لتنفيذ أجندة مشبوهة. حيث أن ‘الدليل’ المقدم واهٍ وظرفي, كما أن النائب المدعي العام ألقى بظلال الشك على أي دور محتمل لحزب الله في برنامج تلفزيوني مباشر. فلماذا امتنعت إسرائيل, أو الولايات المتحدة, عن تتبع بطاقة ‘السيم’؟ أو حتى مطالبة الشركة المغربية بتزويدهما بالمعلومات المطلوبة؟”

بريطانيا تطلق حملة في الاتحاد الأوروبي
يقودنا هذا إلى التقارير الأخيرة التي تشير إلى محاولات الحكومة البريطانية المتكررة لإقناع الاتحاد الأوروبي بتصنيف الجناح العسكري لحزب الله على لائحة المنظمات الإرهابية. إن بريطانيا تدفع الاتحادَ الأوروبي الآن إلى هذا التصنيف لتمكين فرض عقوبات محتملة, ويأتي تفجير بورغاس بمثابة العنصر الرئيس في هذه القضية المحركة ضد حزب الله؛ إذ إن التفجير مذكور في كل مقالة نشرت حول هذا الموضوع, كما تم سياقه كسبب لميل ألمانيا الواضح نحو الاتجاه البريطاني.
بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة وشركائهما الخليجيين, التوقيت مثالي. ومرة أخرى, هناك نفاق صارخ. إذ لم ينطق أي من بلدان الناتو, التي تدفع باتجاه تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية, بكلمة واحدة حول الميليشيات السلفية/التكفيرية التي تدعمها هذه البلدان في سوريا (باستثناء “جبهة النصرة). إذ لم تكتفِ هذه المجموعات بمهاجمة البنية التحتية الأمنية والشخصيات الحكومية السورية, بل ارتكبت أيضاً المجازرَ, وقامت بتفجير مئات السيارات المفخخة في المناطق المدنية, كما نفذت الإعدامات الميدانية, واغتصبت وعذبت ونهبت. لكن هؤلاء هم الأخيار الذين يدعمهم الغرب في معركتهم من أجل الديمقراطية في سوريا؟ أم من أجل تطبيق الشريعة؟
مع تراجع وكلاء الغرب ودول الخليج هؤلاء أمام ضربات الجيش العربي السوري (وقد لعب حزب الله دوراً هاماً في ذلك), لجأت إسرائيل إلى توجيه ضربات جوية ضد الأسلحة التي “تغير قوانين اللعبة”, كما تستمر بلدان الناتو في ممارسة الضغط “الدبلوماسي” في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ضد حزب الله بناءً على هذه الاتهامات الواهية. إن هذه التحركات مرتبطة بشكل وثيق بالجهود الغربية/الإسرائيلية/الخليجية لتقويض ما تسميه “الهلال الشيعي”.
وفي لبنان نفسه, تتهم الولايات المتحدة وبريطانيا وشركاؤهما حزبَ الله بالمسؤولية عن الأزمة الملتهبة على الحدود السورية, والتي يستعر لهيبها في طرابلس في الشمال أيضاً؛ وذلك دون التطرق إلى حقيقة أن لبنان شكلَ معبراً رئيساً للمتطرفين المسلحين إلى سوريا. فمنذ بدء الأزمة السورية, كان شمال لبنان وبلدة القصير معقلاً قوياً ونقطة عبور للمتمردين والمقاتلين سمحَ بتدفق المتطرفين السلفيين/التكفيريين. ولكن يبدو أن هذا ما يريده القادة الغربيون ويسعون بكل ما أوتوا من قوة لدعمه. إذ يتحدث وليم هيغ عن “انتشار النزاع”, ويروج للأكاذيب القائلة إن حزب الله يشكل تهديداً للأمن الداخلي اللبناني, بينما تقوم بريطانيا وحلفاؤها بتسليح وتمويل ودعم وتغطية نفس السلفيين الذين يحاربهم حزب الله دفاعاً عن القرى الشيعية والسكان المدنيين السوريين. كما أن الغرب يدعم نفس الديمقراطية التي ساهمت في انتشار الوكلاء السلفيين/التكفيريين الذين طردوا كافة المسيحيين من القصير فورَ دخولهم إليها. هل يقوم الغرب وحلفاؤه, من خلال تصميمهم على إسقاط حكومة الأسد وبالتالي تدمير أي مقاومة يمكن لحزب الله أن يبديها ضد العدوان الإسرائيلي, بدعم التطهير العرقي؟
فإذا كان حزب الله –الذي بقي حتى نشوب الأزمة السورية يتعايش بسلام مع الجميع في بلد مكون من 18 طائفة مختلفة وكان عضواً نشطاً في الحكومة اللبنانية وبنيتها التحتية الأمنية – منظمة إرهابية؛ على المرء أن يتساءَل:ماذا يمثل المسلحون الطائفيون المتطرفون الذين يدعمهم الغرب؟ مقاتلون من أجل الحرية؟ وأكثر من ذلك, وإذا أخذنا بالاعتبار الدلائل الكثيرة على الإرهاب المدعوم من الغرب, على المرء أن يتساءَل: ما هو الهدف الذي يخدمه تصنيف حزب الله كمنظمة “إرهابية”, إن لم يكن العدوان العسكري الغربي “الشرعي” بتغطية من الأمم المتحدة؟

تُرجم (“غلوبل ريسيرتش”, 23 أيار/مايو 2013)الجمل: قسم الترجمة

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s