الصراع على بلورة نظام عالمي وتأثيراته على سورية


par Imad Fawzi Shueibi (Articles), mardi 14 juin 2011

الصراع على بلورة نظام عالمي وتأثيراته على سورية

د. عماد فوزي شُعيبي

يتجاوز الحراك الإقليمي – الدولي حدود الضغط السياسي على سورية، وصولاً إلى محاولة ثانية ]بعد محاولة (2001-2006)[ لتشكيل نظام سياسي عالمي جديد.

المشهد الدولي أكثر تعقيداً مما يبدو.

فبعد أن حاولت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2001 وحتى عام 2006 تشكيل نظام دولي أحادي القطب بدت نُذُرُه منذ سقوط جدار برلين فسقوط الاتحاد السوفييتي حيث تمنعت الولايات المتحدة عن تمويل قطاعات وإدارات في الأمم المتحدة وحرمت الدول الأربع الدائمة العضوية من حق النقض (الفيتو) وصولاً إلى غزو أفغانستان فالعراق فارضة قاعدة ازدراء ألمانيا فمعاقبة فرنسا وإدارة الظهر لروسيا عام 2003 فور سقوط بغداد الأمر الذي حدا بباريس إلى تغيير موقفها معلنة تسليم مسؤولياتها في حلف شمال الأطلسي إلى قائد المنطقة الوسطى الأمريكي، بمعنى التخلي عن المسؤوليات – وبالتالي السياسات – لصالح المشروع الأمريكي المنفرد في المنطقة لتشكيل نظام عالمي بقطب واحد تدور حوله القوى العظمى، ولو إلى حين.

كان واضحاً أن بريطانيا التي فضلت أن تشتغل (مستشاراً!) للولايات المتحدة كانت تعلم أن الحراك العسكري – السياسي الاستراتيجي في ساحة عمليات الانتقال، من نظام عالمي إلى نظام عالمي آخر، هي الإمبراطورية البريطانية السابقة الممتدة من أفغانستان فالعراق مروراً بإيران إلى السودان، وهذا يحتاج إلى (مستشار!) يعرف طبيعة المنطقة وهو ما قامت به لندن بامتياز في العراق وخاصة في جنوبه. ولهذا، فإن تسليم باريس بالدور الأمريكي كان إكمالاً لحراك الأمريكيين في ساحة العمليات التي كان ينقصها شرق المتوسط المحسوب في الناتو على فرنسا.

توقف حراك مؤقت سمى الولايات المتحدة الأمريكية قطباً وحيداً منذ عام 1991 إلى عام 2006، عندما انتصرت المقاومة في لبنان على دحرجة عجلات المشروع الأمريكي الذي أعلنه ريتشارد بيرل بوضوح: “نبدأ من العراق ثم لبنان فسورية، فالسعودية، فالجائزة الكبرى مصر”. لم يكن لهذا النظام الدولي أن يتبلور أحادي القطبية لتناقض ذلك مع طبيعة النظام الاقتصادي – السياسي العالمي، فالاقتصاد متعدي الجنسيات (أي لا يمكن أن يكون أحادياً)، وثمة دول عظمى لا تتخلى عن مكانتها ودورها، وهي إن التحقت بالسياسة الأمريكية فذلك إلى حين، كما أن ألمانيا كثاني أقوى اقتصاد عالمي تحتاج إلى أن تخرج من حالة تعليق دورها كدولة عظمى منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، (وهو ما يفسر إلى حدّ كبير دورها المناهض لسورية في هذا الوقت بالذات).

مر العالم بحالة اللاقطبية منذ 2006-2011 وبات واضحاً أنه إذا كان ثمة تعذر في تشكيل نظام عالمي أحادي القطبية من عام 1991 وحتى 2006 واستمراره، فإن حالة اللاقطبية لا يمكن أن تستمر، بل ثمة استحالة أن تكون نظاماً عالمياً. ولهذا، بدا أن اتفاقاً دولياً تبلور نهاية عام 2010 على اقتسام دولي للنفوذ على شكل نظام قد يكون بمحور (وليس بقطب) يضم عدة أقطاب أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، هو المحور الذي بدأنا نراه منذ اندلاع الثورات في كل من تونس ومصر، إلا أن سرعة ما حدث على ليبيا من تسليم أمريكي لقيادة فرنسية أولاً وبريطانية ثانياً وتنحي أمريكي عن القيادة المباشرة، ما عكس أن ثمة ما يتجاوز إدارة آنية للصراع إلى حلف دولي يخطط (ليالطا-2) في المنطقة يتبلور على أساسها نظام عالمي بمحور متعدد الأقطاب، تظهر أوروبا في مقدمة تنفيذه العملياتي (باعتبار كل تشكيل عالمي يحتاج إلى فعل عسكري يسبقه) وتتراجع الولايات المتحدة إلى الخلف درجة واحدة بحيث يكون الفعل المباشر أوروبي (فرنسي – بريطاني – ألماني) وتكون القسمة موزعة بامتياز مع الطرف الأمريكي الذي تعذرت صورته النمطية وأساليبه غير الخبيرة بالمنطقة عن استحداث إنجاز فيها، يعيد توزيع الثروة ويفسح في المجال أمام بلورة نظام عالمي جديد.

من الواضح أن سورية في صلب الاستراتيجية المكونة لهذا النظام العالمي لعدة أسباب:

1. أن دمشق تجرأت على أن تكون قوة تعمل خارج مفاعيل الاستراتيجيات العالمية.

2. أنها بالغت الجرأة بوقف المشروع الامريكي بحرب عام 2006.

3. أن مشروعاً تحاول أن تقيمه إقليمياً، بامتدادات عالمية هو مشروع “البحار الخمسة” يتجاوز على أي اعتبارات في التشكيلات الدولية، ويخرج إسرائيل من أي مشهد سواء في حالة (اللا حرب واللاسلم) او في حالة السلم إن تحققت ذات يوم، وهذه تعتبر من أكبر الكبائر!!! وتكاد تذكّر الغرب بمشروعي محمد علي وعبد الناصر. ولهذا كان لا بد من معاقبة سورية بتذريرها إلى ذرات طائفية قبل الإجهاز عليها.

4. أن دمشق استطاعت أن توقف المشروع الأمريكي إلى حين،و المتمثل في:

a) إلغاء مبدأ السيادة و استبداله بمبدأ التدخل الإنساني.

b) إلغاء مبدأ المقاومة واستبداله بمبدأ التفاوض السياسي المحض. وهما النموذج الأساس في استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة التي أعلنت منذ أيلول/سبتمبر عام 2002 وهي استراتيجية لم تلغها إدارة أوباما بل لا تزال تعمل على أساسها ولكن بطرق مختلفة، لم يعتدها العقل التحليلي السياسي السائد لأنها ليست من النوع النمطي، لكن سرعة التحرك صوب ليبيا و سرعة استثمار الأوضاع في سورية وبتنسيق واضح متناغم سياسياً وإعلامياً و لوجستياً، تعكس أن ثمة مشروعاً ولغة عالمية جديدة يجب التكيف مع أدواتها الجديدة.

5.إن واقع استخراج النفط والغاز من ساحل شرق المتوسط والذي تُرك لهذا الجيل وابتدأته إسرائيل يقتضي ترتيبات دولية مشابه لما حدث في دول النفط مطلع القرن العشرين ، ولما كان أن ابتدأت إسرائيل بالاستخراج وليس التنقيب فهذا يعني أن منطقة شرق المتوسط قد تجاوزت وضعها الجو سياسي الهام إلى وضع اقتصادي عالمي يتصل باستخراج النفط ووصل شبكة أنابيب نفطية وللغاز لنقل موارد الطاقة للولايات المتحدة والغرب، الذي يلهث فرنسيا وبريطانيا وألمانياً ( وقد لا ننسى البرتغال التي تريد أن تذكر بدورها الاستعماري أيضاً) من أجل قسمة الكعكة على أساس تمتين أوضاع سياسية فيها على أساس جغرافيا سياسية جديدة أو على الأقل أنظمة موالية وهذا يترافق مع تصفية القضية الفلسطينية وهنا تقع سورية في عين العاصفة.

مشهد يصعب أن نتخيل ابتعاده عن التأثير المباشر أو غير المباشر على أحداث سورية لأن التأثير معلن سواء بمبدأ التدخل الإنساني الذي تلح عليه أوروبا وأمريكا أو بمبدأ التخلي عن المقاومة الذي لم تتورع مساعدة وزير الدفاع الأمريكية عن إعلانه وهي من سلالة المحافظين الجدد وجزء من مجلس سياسات الدفاع وهو الذي لم يُحل رغم استبدال الديموقراطيين بالجمهوريين.

دمشق في عين العاصفة وأحداثها الداخلية تستثمر أيما استثمار، ولعل ما قاله ديجيرجيان السفير الأمريكي الأسبق في دمشق من أن أقصى ما يمكن حصوله إذا انهار الوضع في سورية هو دويلات متقاتلة طالبانياً ! لا يبتعد عن نظرية العماه الخلاق Creative Chaos التي اعتمدها المحافظون الجدد كبديل من الدولة القومية والمشروع القومي العربي، وهو ما يبدو أن نُذره والعمل على تسعيره جزء لا يتجزأ من الحملة الغربية على دمشق.

بين هذا وذاك ثمة مشهد معقد، هو لعبة حافة الهاوية يلعبها الأطراف بعلنية و حزم لم يشهد مثلهما؛ و الرائز الذي يقف وراءه هو فزع إسرائيل ومصالح إسرائيل وإنهاء الصراع معها تمهيدا لمنطقة سلام … اقتصادي.

هذا الوضع هو-أيضا- ما يقف وراء وراء تصريحات نظيرها الروسي لافروف، حيث أن مكاسرة الإرادات الدولية الإقليمية لم تسفر عن إطلاق الدخان الأبيض بعد، وحيث بات واضحاً أن يالطا- 2 لم تتم بعد.

مشهد يقارب مشهد عام 1956 لحظة إعادة تقاسم النفوذ على قاعدة الحرب الباردة تجاه قضية السويس. إنه في حالتنا هذه قد لا يكون إنذاراً مُعلناً لأن التاريخ قد لا يكرر نفسه متأرجحاً بين المأساة والمهزلة وصولا إلى مأساة أكثر معاناة. فالروس يعرفون أن يالطا-2 تتشكل في الرواق الخلفي الأوروبي-الأمريكي على أسس تستبعد المصلحة العليا لروسيا إن لجهة النشر الصاروخي في بولندة أو لجهة السماح بتشكيل (ناتو آخر!!! من بولندة والتشيك وسلوفاكيا وهنغاريا)، وهو ما يقيم ألمانيا ولا يُقعدها أيضاً، أو لجهة محاولة الضغط لتحويل سورية إلى شظايا لحساب استقرار ما بعد (الفوضى العمياء”العماه” الخلاقة)، هناك حيث يجب أن تكون سلسلة الدول العربية موحدة الهوية! في سياق النسخة النمطية للنموذج الأمريكي المقبول في المنطقة.

فقد كان من اللافت أنها من المرات القليلة التي يختار فيها وزير الخارجية الروسي يوم أحد ليدلي بخطاب رسمي. من الواضح أن هنالك شيئاً له ثقل خاص جداً بالنسبة لموسكو قد دفعهم للتحدث العلني وبشكل ملح. الاستفزاز كان في تبين وجود طراد صورايخ أمريكي في البحر الأسود لإجراء تدريبات بحرية مع أوكرانيا. طرّاد يو إس إس مونتيري المجهز بنظام دفاع أيه إي جي آي إس (AEGIS) الجوي يشارك في التدريبات الأمريكية – الأوكرانية التي تدعى بنسائم البحر 2011.

فالمشهد معقد اليوم على مستوى العملاقين الروسي والأمريكي إذ ثمة تصعيد للقيادة الأمريكية بتحريك وحدة الهجوم الأساسية لتجمع الدفاع الصاروخي الإقليمي الذي شكله الناتو في المنطقة من البحر الأبيض المتوسط إلى الشرق.

صحيح أن وزارة الخارجية الأمريكية قد بينت تفسيراً بأن الطراد مونتيري قد أُرسل إلى المياه الأوروبية كجزء من النهج التكيّفي المرحلي للإدارة الأمريكية في بناء الجزء الخاص بأوروبة فيما يتعلق بالدرع الصاروخي العالمي، والمزاعم أنه انتشار لمجموعة سفن أمريكية حربية في البحر المتوسط والبحر الأدرياتيكي وبحر إيجه وذلك لحماية جنوب أوروبة من هجمات صاروخية محتملة، إلا أن هذا لم يكن صحيحاً وهو ما ينعكس على الصراع المحتدم بين الدولتين بخصوص سورية، ذلك أن شرق المتوسط في لجة الصراع. وسورية في مركزه ولعل تصريحات روسيا بخصوص التحول نحو الحرب الباردة بسبب الدرع الصاروخي المزمع نشره في بولندا مترافقاً مع التشدد تجاه عدم تدويل الوضع الداخلي السوري متلازمين ما يبين أن موسكو تتفهم موسكو بأن أحد الأسباب وراء الدفع نحو تغيير النظام في سورية هو إلحاق الضرر بموسكو وإلزامها أن تبقى كدولة إقليمية صغيرة أو متورمة لا فرق، دون أن يكون لها أي مكان في يالطا-2، حيث ان كل ماسبق إضافة إلى إنشاء قواعد أمريكية عسكرية في رومانيا وظهور السفن الحربية الأمريكية في منطقة البحر الأسود يحكم دائرة الحصار أكثر فأكثر على موسكو، وهو ما يلزمها دعماً شديداً لدمشق.

ولعلنا نتفق مع ما كتبه المحلل الاستراتيجي السفير م.ك.بهادركومار والذي كان يشغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الهندية. وقد قام بمهام أوكلت إليه في كل من الاتحاد السوفييتي وكوريا الجنوبية وسريلانكا وألمانيا وأفغانستان والباكستان وأوزبكستان والكويت وتركيا:” من أن مأزق موسكو هو في كونها لا تستطيع أن تفسر وبشكل معلن وقوفها مع الأجندة الجيوبوليتيكية الأمريكية حيال سورية، فمثل هذا التفسير قد يكشف فراغ إعادة التشكيل المنظومي الدولي بين روسيا والولايات المتحدة والذي دأبت الكرملن برئاسة ديميتري ميدفيديف على العمل من أجله. حيث يتابع القول :”من المؤكد أن الخناق سيضيق حول الرئيس الأسد، “والمقصود هنا شخصه بالذات أي أنه قد غدا هو المستهدف حسب تعبيره” وبعبارة بسيطة، تريد الولايات المتحدة من روسيا أن تغادر سورية ليتعامل معها الغرب وحده. ويكتب :” وبدون أدنى شك، فإن العديد من وكالات الاستخبارات متورطة بعمق في الموضوع السوري. و بادئ ذي بدء، أصبح تغيير النظام في سورية أمراً حاسماً جداً من أجل فك عزلة إسرائيل الإقليمية”، و إن مجرى الأحداث في سورية سيؤثر بالتأكيد وبشكل عميق على إعادة تشكيل العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة. ويبدو أن إدارة أوباما قد قامت بواجبها واستنتجت بأن الأمر يستحق المغامرة من أجل تأكيد أمن إسرائيل.”فالسفن الحربية التي أبحرت إلى البحر الأسود تحمل رسالة واضحة لروسيا بقبول كونها مجرد ظل باهت للاتحاد السوفييتي السابق”.

هذا الصراع تحاول أن تقتنصه فرنسا وتأخذ دوراً في المعادلة الإقليمية إن بتزعمها الهجوم على ليبيا أو تناول سوريا في مجلس الأمن وعبر وسائلها الإعلامية :فرانسا 24″ أو باللهاث وراء الإعلان الفرنسي عن اقتراح لعقد مؤتمر للسلام مطلع تموز، وهو ما طوته واشنطن وتل أبيب بسرعة وبقيت باريس –كالعادة- باهتة !.

تحاول تركيا، التي رسمت وسوقت لنظرية لا سياسية تقول”المشكلات صفر” لتنخرط في أهم المشكلات وتتورط، أن تستعيد دوراً عثمانياً انتهى مع الحرب العالمية الأولى أو لتدخل بدور (سُنويّ!!!) مزعوم في لعبة الدخول للاتحاد الأوروبي على طريقة المنفذ الجيد للدور اللازم لها كدولة جوار، إلا أن مخاطر هذا لا تنعقد على سورية فحسب بل على تركيا نفسها التي يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أقسام، فبدلا من أن تدخل كدولة واحدة في القسمة الدولية ستكون القسمة على حسابها فلا أحد في الغرب يحيي ميت!. والغريب أن أنقرة التي تحولت من دولة باهتة تستجدي الدخول في الاتحاد الأوروبي ظنت للحظة أنها يمكن أن تكون طرفاً في قسمة دولية ليالطا-2، عبر ممارسة دور الوصي ثم المنخرط في الوضع السوري، فيما أن وجهها الجديد لم يكن إلا عبر سورية وهو لا يمكن أن يكون ليس على حساب سورية ، وهو الدرس الذي نعتقد أن داود أوغلو لم يتعلمه بعد.

بقي الملف النووي السوري المزعوم هو مرشح للتصاعد لكن سورية تمتلك ورقة مهمة في مجلس الأمن تتمثل بالورقة المكتوبة بالحبر الأزرق التي صدرتها جاهزة للتصويت في المجلس وقد أجلتها دمشق في سياق تثاقلها المعتاد منعا لمواجهة وتبادلا للمواقف على المستوى الديبلوماسي بلغة “الإشارات”، ومجرد أن تقوم دمشق بمواجهة مشروع احالة الملف النووي السوري المزعوم بورقتها التي تنادي بإزالة أسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها الأسلحة النووية فإن واشنطن والغرب سيتوقفان بسرعة درءاً لما سيتجاوز الإحراج إلى الانكشاف السياسي.

بقي الملف الأخير في جعبة مكاسرة الإرادات وهو توقع استصدار القرار الاتهامي (في نسخته المعدلة الثالثة بإضافاتها وتعديلاتها التي لطالما سُربت عن إضافة اتهامات لسوريين إلى حزب الله) بخصوص قضية مقتل رفيق الحريري مطلع تموز، وهي العصا التي تُرفع بين الحين والآخر لمقايضتها (بجزرة) افتراضية تتمثل بتعليق هذا الاتهام أو جزرة حقيقية تنبلج إقصاءً للسوريين من الملف أو طياً له بأكمله في صفقة تتصل بالسلام وتغيير السياسات الإقليمية، والأهم أنها صفقة ليالطا-2 لا يبدو أن صورتها الأخيرة قد تبلورت بعد؛ حيث أن أوروبا وأمريكا تريدان الانفراد بقسمتها ليس فقط على حساب موسكو إنما على حساب دول عصية على التجاوز كسورية ليس فقط لاعتبارات مكانتها الإقليمية إنما لاعتبارات (القوة المتعالية”الترانسيدانتالية”) الأخرى أو “الردع” وهو ما يقف –فعليا- وراء تعذر الحرب الإسرائيلية على سورية منذ ثلاثة عقود، وتعذر إسقاط النظام السوري بعمل عسكري دولياً، وهو ما له مؤشرات إلى ما يتجاوز الحسابات الكلاسيكية و هو ما أسس–لاحقا- لامتناع ليس الحرب فقط إنما أيضا لامتناع القفز الإقليمي والدولي فوق سورية، واقتصار كل ما حدث عليها وحولها، على الضغط والمناوشات. وليس أدل على هذا إلا أن شروط كولن باول في أيار/مايو 2003 والتهديدات باجتياح سورية بعد العراق، في أبلغ ذروة قوة المحافظين الجدد، لم تعرف القدرة على الانتقال إلى التنفيذ لأن صورة احتمال الحرب مع سورية ليست كنظيرتها على عراق – ما بعد (هانز بليكس).

أما أن يحاول البعض اليوم العبث بمسلمات قواعد اللعبة، فإنه لا يغامر بالمنطقة فحسب بما فيها إسرائيل إنما يغامر بأمن العالم كله،إذا ما وضعت سورية أمام خيار”شمشون” لأن انفراط عقد قواعد اللعبة والعبث بالاستقرار في هذه المنطقة سيصيب العالم وخصوصاً الجوار الأوروبي.

إذا هي لعبة عضّ الأصابع وسياسة حافة الهاوية،ومن ثم لعبة النزول إلى الهاوية(إن أحبوا) وهي هواية السوريين ولعبتهم المُفضلة، لكنها اللعبة التي لا تحتاج فقط إلى عقلانية الحسابات السورية التي تعمل على الفويرقات، لا على الفروق في اللحظة الحرجة، لكنها تحتاج أيضاً إلى نفس الحسابات لدى الطرف أو الأطراف الأخرى، كيما لا تتحول اللاعقلانية إلى مثيلتها في الحربين العالميتين الأولى والثانية!، فالمفروض أن أوروبا قد راكمت من الإرث العقلاني الكثير ما يجعل حساباتها أدق من حسابات الأمريكيين حديثي العهد بالسياسة والوجود، وهم لم يجربوا ويلات الحروب كما فعلت أوروبا ودفعت من فواتير. والمؤكد أن إسرائيل رغم كل حماقات وزير خارجيتها تتحسس خطورة اللعبة كما لا يفعل الكثيرون، وإذا كانت أوروبا تعبث طلباً ليالطا جديدة مدعية عدم الحساب الجيد لموازين القوى، فإن ذعر إسرائيل لا بد أنه سيصحح ما يحيد في سمت اللعبة أو أن عليها أن تكون أول من يدفع الثمن، في حرب ستكون دولية إقليمية كما لم نشهد ولا تعرفه ذاكرتنا النمطية.

وإذا كانت سورية قد قبلت التدافع مع فرنسا وأمريكا في حافة الهاوية فإن دمشق بدأت تدخل الجميع في لعبة عمق الهاوية حيث أن المكاسرة يمكن أن تودي بالجميع. هي لعبة شديدة الخطر على الجميع لإرساء قاعدة أن اللعب على الاستقرار السوري سيودي باستقرار الجميع.

معيار اللعبة هنا ليس فقط الأعصاب إنما إدراك معاملات القوة (والردع) اللذين لا يسمحان بالقفز فوق دمشق إلا حينما تصبح العالم … مجنوناً. والنتيجة إما مقاسمة إرادات أو انهيار الجميع.

تعلم السوريون قضم الوقت وربح الزمن وتفننوا في سياسة حافة الهاوية وعض الأصابع، لكنهم يجربون لعبة عمق الهاوية لأول مرة، معتمدين على أن الردع قائم وممكن وأن نفسهم أطول من نفس الآخرين و أنهم حين يودون أن يُوجعوا فإن ادواتهم مرٌّ مُذاقتها كطعم العلقم.

إنها لعبة خطرة ولا ريب، لكنها لعبة (الوجود…والعدم) بالنسبة ليس فقط لسورية إنما أيضا للإقليم … وربما للعالم.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s