المعايير الغائبة في سياسة أنقرة الخارجية

الخميس, 23 مايو 2013 

د. محمد نور الدين

 موقع التجديد العربي

منذ بدء أحداث “الربيع العربي” والسياسة الخارجية لتركيا أمام امتحان لم ينته ولم تكن نتائجه مشجعة .

مرت موجة الاضطرابات في أكثر من دولة عربية ولم تكن مواقف تركيا منها منسجمة أو وفقاً لمعيار واضح . فما اعتبرته دكتاتورية في مصر لم تعتبره كذلك في ليبيا،

وما اعتبرته مساندة للشعوب في دولة كان مساندة للنظام في أخرى.

منذ أن أطلقت تركيا سياسة “صفر مشكلات” كانت موضع ترقب، إذ إن إقامة بلد علاقات جيدة مع كل المتناقضات في وقت واحد يحتاج إلى ذهنية وعقلية خارقة للعادات والوقائع وإلى عبقرية . لم يعرف أن نظاماً واحداً في العالم قد نجح فيها على امتداد التاريخ . من الأمثلة على ذلك علاقات تركيا مع “إسرائيل” التي كانت على حساب القضية الفلسطينية . وعندما جاء “حزب العدالة والتنمية” حاول أن يمسك العصا من منتصفها في هذه القضية . لكن عدالة القضية كانت تمنع أن ينقص أحد من حقوقها، فإما أن تكون مع فلسطين أو تكون مع “إسرائيل” . وهو ما جعل تركيا في ظل خط العلاقات الأحمر مع “إسرائيل” عاجزة عن تقديم أي دعم فعلي للفلسطينيين لمواصلة الكفاح لتحرير أرضهم، أو حتى حماية الضفة والقدس من مخططات الاستيطان والتهويد اليومية .

والأمر نفسه في ما يتعلق بوصول الإسلام السياسي إلى السلطة في مصر وتونس والمغرب على سبيل المثال، إذ إن تأييد الثورة في مصر باسم الديمقراطية كان يعني أن تصمت على الممارسات التي يقوم بها نظام محمد مرسي للاستئثار بالحكم وإلغاء الآخرين وتكرار دور الدكتاتور، فقط لأن حزب العدالة والتنمية التركي ينتمي إلى الفصيلة نفسها التي ينتمي إليها الإخوان المسلمون في مصر .

زيارة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي باراك أوباما قدّمت مثالاً آخر على التخبط في السياسة الخارجية التركية . يمكن أن يكون الطرفان متفقين على ضرورة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد . لكن أنقرة كانت طرفاً فاعلاً في دعم المعارضة السورية السياسية والعسكرية، وكانت أنقرة ترفض أي حوار مع النظام السوري باعتبار أنه لا فائدة من الحوار معه . ولذا عارضت تركيا دعوة رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق معاذ الخطيب الحوار مع الأسد . وعندما اتفقت روسيا وأمريكا على عقد مؤتمر دولي لحل الأزمة السورية والتأكيد أنه لا حل عسكرياً لها، بل فقط تسوية سلمية يمكن أن تنهي المأساة هناك، كان الموقف التركي من مؤتمر “جنيف-2” بارداً، بل معارضاً له .

غير أن تقديم تركيا أولوية العلاقة مع الولايات المتحدة، في استمرار للإرث العسكري العلماني، جعل أردوغان يغيّر لهجته ونبرته ويقول إنه “تغيّر وتطور”، وبدا موافقاً على المشاركة في المؤتمر الدولي المزمع عقده في جنيف . أكثر من ذلك فإن تركيا سوف تقوم بجهود لتوحيد المعارضة السورية وذهابها بوفد موحد إلى المؤتمر، رغم أن انحياز تركيا للتيار الإخواني داخل المعارضة سوف يحول دون منح أطراف المعارضة الآخرين الثقة بالمساعي التركية .

إن تغير الموقف التركي من السعي لإسقاط الأسد بالقوة إلى العمل على إسقاطه بالدبلوماسية ليس سوى فشل آخر في امتحان السياسة الخارجية التركية، على اعتبار أنه منذ بدء الأزمة في سوريا ليس من ضوء أخضر أمريكي لعملية تدخل عسكرية من الخارج، فيما تركيا التي تريد مثل هذه العملية غير قادرة على تنفيذها بمفردها .

لا شك في أنه في السياسة ليس من شيء ثابت، لكن هناك على الأقل معايير يُبنى عليها ولا تتغير بالسرعة نفسها . ولا بد من مساءلة “حزب العدالة والتنمية” عن غياب هذه المعايير الذي انعكس على خسائر تركيا وآخرها تفجيرا الريحانية، حيث سقط أكثر من خمسين قتيلاً تركياً .

كيفما جال الباحث والمراقب في ساحات العمل الخارجية للدبلوماسية التركية يقف عند المشكلات التي تواجهها أنقرة نتيجة ازدواجيتها وتناقضاتها وبعدها عن المعايير الثابتة . هل يمكن لأحد أن يسأل مثلاً عن معنى أن أردوغان كان يريد أن يزور قطاع غزة فقط، ومن ثم عاد ليقول، بعد لقائه أوباما، إنه سيزور أيضاً الضفة الغربية؟

http://arabrenewal.info/index.php

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s