الأزمة السورية تستولد النظام العالمي الجديد

http://aljaml.com/                                                                                                        2013-05-22

 

الأزمة السورية تستولد النظام العالمي الجديد

الجمل ـ باسل يونس ـ باريس: ما هو مستقبل “حرب الأمم في سوريا وعلى سوريا؟ هل يمكننا القول أنها الحرب الباردة تنبعث من جديد ؟

هناك نزاع بين محوريين الأول أميريكي مؤلف من “فرنسا و تركيا وإسرائيل و السعودية و قطر”، والثاني يستند الى قوتّين عظميين “روسيا والصين”، ويمتّد في الجغرافيا السياسية باتجاه “إيران والعراق وسوريا، ليعزل تركيا “العثمانيين الجدد” عن المجال العربي من جهة، وعن آسيا الوسطى المتاخمة لروسيا وإيران والصين من الجهة الأخرى.

انه النظام العالمي الجديد المتعدّد الأقطاب، وخلع لنظام القطبية الأحادية الأميركية الذي فرضته حرب الخليج الاولى أوائل التسعينيات… النظام العالمي الجديد يضمّ أكثر من ثلثي سكّان العالم، وأكثر من 60 في المئة من اقتصاده في مواجهة ثلث أميركي – أوروبّي واقتصاد غربي يتراجع لمصلحة اقتصادات صاعدة في العالم.

موسكو تريد استعادة دورها العالمي وقد أتت الازمة السورية لإبراز هذا الدور… يقول سيرغي تشيميزوف المدير العام لمؤسسة “روس تكنولوجيا” الحكومية الروسية، ان سوريا هي مؤشر صورة روسيا في الشرق الاوسط وافريقيا. شدد هذا المسؤول الرفيع على ضرورة “تنفيذ موسكو التزاماتها جميعا في مجال التعاون العسكري والتقني مع سوريا حتى لا تفقد روسيا سوق التسلح في الشرق الاوسط وشمال افريقيا”.

منذ عام 2008 بدأت روسيا انعطافة مهمة باتجاه القطيعة مع حالة الضعف التي مرت بها منذ تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي مستغلة تخبط الاميريكيين في تلك الأثناء في أفغانستان، وفي نفس الوقت كان العراق يذهب باتجاه النفوذ الإيراني، كذلك استغل الروس الأزمة المالية – الاقتصادية لكل من الأميريكيين و الأوروبيين و استطاعوا بذلك اعادة نفوذهم في كل أوكرانيا وقرغيزيا وأوزبكستان وتركمانستان.

ان استخدام الفيتو المزدوج الروسي ــــ الصيني في مجلس الأمن، ولمرتين خلال فترة وجيزة، وفي القضية نفسها، يشير الى بداية مرحلة جديدة، تتصل فعلاً بالساحة السورية، لكنها تتجاوزها أيضاً، إحدى الدلالات الكامنة للفيتو تشير الى تغير في المعادلات الدولية والإقليمية، وأهم ما فيها أن موسكو تدرك هذا التغيير، وتتحرك تأسيساً عليه، الأمر الذي يعني تشكل مشهد إقليمي جديد، وخريطة قوى جديدة، في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.

روسيا لا تحتاج الى غاز الشرق الاوسط كونها تملك احتياطي كبير، وتعتبر المصدر الرئيسي الذي يمد أوروبا بالغاز لا بل أنها تستخدم هذه الورقة في ابتزاز الدول الغربية، كما حصل في 2008 في أعقاب أزمة الغاز بين روسيا وأوكرانيا. فالخط الجنوبي (سوثستريم) الروسي يغذّي جنوب أوروبا وذلك بغياب خط نابوكو الأميركي الذي تأخّر وما زال متأخرا في نقل الغاز من القزوين إلى تركيا لتغذية أوروبا.

من هنا نفهم مدى أهمية الموقف الروسي، فهي لا تريد خسارة هذه الأداة اذا ما تم اسقاط سوريا، والسيطرة عليها من قبل الغرب، فهي تخشى أن تكون أوروبا قادرة على تجنب استيراد الغاز الروسي والحصول عليه من بلدان أخرى في آسيا وشمال إفريقيا. وفي حال تم ذلك فإن روسيا ستكون عرضة لخسائر كبيرة وعجز في ميزانها التجاري بالإضافة إلى ضعف نفوذها السياسي ليس فقط في الشرق الأوسط وحسب بل في التأثير على أية قرارات أوروبية مستقبلية.

فإن أرادت اوروبا وخاصة الدول الأطلسية التحرّر من الإبتزاز الروسي فلا بد من السيطرة على الغاز الشرق الأوسطي، ونظراً لآن الغاز الإيراني يخضع لحصار من قبل بعض دول المجموعة الأوروبية ما يجعل تزويد أوروبا بالغاز أمرا صعباً, فموقع سوريا وإمكانية نقل الغاز عبر اراضيها واكتشاف الحقول في شرق البحر المتوسط فتح آفاقاً جديدة. من هنا نفهم شراسة الهجوم على سورية للهيمنة بشكل أو بآخر على غازها المستقبلي.

من البديهي أيضاً أن الإنخراط الروسي الكبير في الأزمة السورية سببه أن الروس يبحثون عن تعزيز حضورهم في المياه الدافئة الأوسطية والأهم من ذلك كله البعد الأمني القومي المتمثل في وقف الزحف الأيديولوجي الإسلامي السلفي باتجاه الداخل الروسي. لهذه الأسباب فإن الروس يتعاطون مع المسألة السورية من منطلق المصالح الجيوسياسية وإلى بحثهم الدائم في القطيعة مع الأحادية القطبية الأميريكية.
وفي هذا الاطار تتضح ظروف الحل الروسي الأميركي للحرب السورية عبر اقصاء الدول الاخرى و تحجيمها، وحتى الآن لا يوجد اتفاق حقيقي حول تفاصيل هذا الحل، يوجد اتفاق عام كون الأميركيين بحاجة لشراكة مع الروس في المسألة السورية تؤدي ربما لمعادلة تسوية سلمية ممكنة للصراع العربي – الإسرائيلي. فالتسوية الروسية الأميركية ستخرج بالضرورة بنظام سياسي جديد، كون الكيان الصهيوني يدرك من الآن وصاعداً أن أيّ ضربة عسكرية جديدة تطال سوريا ، أصبحت تساوي الخروج من “الحرب الباردة” الجديدة الى إعلان حرب على المحور الآخر، المحور الأوراسي القارّي المنبعث في وجه المحور الأطلسي البحري. وفي هذه الحالة، تصبح الازمة السورية مسألة تتجاوز حسابات الكيان الصهيوني الإقليمية برمّتها، لتتحوّل الى “لعبة كبرى” جديدة في الصراع العالمي الجديد.
وفي هذا السياق ذكرت صحيفة صندي تايمز بتاريخ 19 من الشهر الجاري أن الجيش السوري نشر صواريخ أرض ـ أرض متطورة تستهدف اسرائيل، في اعقاب الغارات الجوية التي شنتها مقاتلاتها على أهداف في دمشق. واعتبرت الصحيفة أن هذه الخطوة “تمثل تصعيداً بارزاً في التوتر في منطقة تبدو فيها الولايات المتحدة وروسيا وكأنهما تستعدان لخوض حرب باردة”.
انطلاقاً من هذه المقاييس، فإن التوافق الروسي-الأميريكي على عقد مؤتمر دولي لم يأتِ إلا بعد الإنتصارات التي حققها الجيش السوري في أكثر من منطقة، و أخيراً حسم معركة القصير يعيد المبادرة إلى الدولة السورية ويفرضها لاعباً استراتيجياً… شروط الحل السياسي في سورية تفرض من خلال الوقائع الميدانية، الطريق إلى جنيف ٢ تمر حكماً بالقصير وبنتائج القتال الدائر هناك، فنجاح الجيش السوري باعادة القصير وريفها إلى سيطرته يعني إنه حسم معركة حمص بكاملها لمصلحة الدولة السورية، وأسس إلى حسم معارك ريف دمشق، وبالتالي فأنه يكون قد تمكن من اعادة ترتيب الأوراق التي يتحكم بها خصومه، وضمنهم واشنطن التي فشلت في اقناع موسكو بالحد من دعمها المطلق لنظام الرئيس الأسد، والتخفيف من حدة تشنجها حيال أي قرار يمكن أن يتخذه مجلس الأمن في حال انعقاده للنظر بالأزمة السورية.
معارك القصير تندرج في خانة التأسيس لتكريس الدور الروسي في الشرق الأوسط، فهل تفرض القصير التسوية المقبولة دولياً بشأن الحرب الدائرة في سورية ؟

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s