التجارة عبر ضفتي الأطلسي وإمكاناتها التحويلية

Portrait of Mohamed A. El-Erian

 

 

Mohamed A. El-Erian is CEO and co-Chief Investment Officer of the global investment company PIMCO, with approximately $2 trillion in assets under management. 

http://www.project-syndicate.org/

Mar. 6, 2013

التجارة عبر ضفتي الأطلسي وإمكاناتها التحويلية

نيوبورت بيتش ــ بعد الضجة الإعلامية الفورية التي بدت وكأنها منسقة في أوروبا والولايات المتحدة، لم يعد اقتراح إنشاء منطقة تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قادراً على توليد قدر كبير من الاهتمام الإعلامي. ويرجع هذا إلى ثلاثة أسباب، وجميعها تسلط الضوء على القيود الأوسع المفروضة على عملية صنع السياسات الاقتصادية الوطنية الجيدة والتنسيق المثمر عبر الحدود.

في خطاب “حالة الاتحاد” الذي ألقاه في فبراير/شباط، اقترح الرئيس الأميركي باراك أوباما إقامة “شراكة شاملة للتجارة والاستثمار عبر الأطلسي” مع أوروبا على أساس من التجارة “النزيهة الحرة”. وتنظر إدارته إلى هذا الاقتراح باعتباره جزءاً من نهج شامل لتوليد “وظائف أميركية مجزية”.

واستقبل اقتراح أوباما الجريء استقبالاً حماسياً فورياً في أوروبا. ففي غضون ساعات خرج رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو ورئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي إلى موجات الأثير ليصفا الاقتراح بأنه “رائد”. وقالا إنه قادر على زيادة معدل النمو الاقتصادي السنوي في أوروبا بمقدار نصف نقطة مئوية، ثم أعلنا أن المفاوضات الرسمية ستبدأ من دون إبطاء.

في البداية، استرعى الأمر قدراً كبيراً من الاهتمام العام، وهو أمر مفهوم. فالاقتراح يضم أضخم منطقتين اقتصاديتين على مستوى العالم، وينطوي على عواقب وطنية وإقليمية وعالمية. ولكن على الرغم من إدراك أن إبرام مثل هذا الاتفاق من الممكن أن يغير بشكل جذري طبيعة التجارة العالمية وشبكات الإنتاج، فإن تلاشي الاهتمام بالأمر برمته لم يستغرق سوى بضعة أسابيع.

ويرجع أحد الأسباب وراء هذا إلى الظروف الأولية التي تحد من المكاسب المباشرة الناجمة عن زيادة التجارة في حين تعمل على توسيع نطاق التوتر والصراع. إن اتفاقيات التجارة الحرة التي تَعِد بأعظم الفوائد هي تلك التي تربط بين اقتصادات تتميز بتعريفات مرتفعة، ومستويات منخفضة من التجارة، وقدر ضئيل من التداخل في أنماط الاستهلاك والإنتاج. بيد أن هذه ليست الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. فمستويات متوسط التعريفة لا تزيد عن 3%. والاتحاد الأوروبي يشكل بالفعل نحو 20% من واردات الولايات المتحدة، في حين تشكل الولايات المتحدة 11% من واردات الاتحاد الأوروبي. ونظراً لتشابه مستويات نصيب الفرد في الدخل والتوجهات الثقافية، فإن التداخلات في الإنتاج والاستهلاك كبيرة.

ورغم هذا فإن الأمر يشتمل على احتمالات إيجابية فورية، نظراً للتخصيص الأفضل للموارد، وأنظمة الاستثمار الأكثر انسجاماً وتوافقا، والمعايير الأقوى، وإزالة الحواجز التنظيمية وغير الجمركية العتيقة. ومن بين القطاعات التي ستستفيد من كل هذا صناعات الفضاء، وصناعة السيارات، والتكنولوجيا الحيوية، ومستحضرات التجميل، والمستحضرات الصيدلانية. وهناك أيضاً إمكانية إصلاح التوجهات غير الفعّالة في التعامل مع الصناعات الغذائية والزراعة، وخاصة في أوروبا.

ويرجع السبب الثاني لتراجع الاهتمام بالشراكة المقترحة إلى قضية أوسع: فبسبب فيض يبدو بلا نهاية من الدراما السياسية القصيرة الأمد أصبح من الصعب للغاية بالنسبة لكل من أوروبا والولايات المتحدة التركيز لفترة طويلة على أي مبادرة مادية وبنيوية حقيقية.

ففي أوروبا كانت نتائج الانتخابات الإيطالية سبباً في تقويض المناقشة العريضة القاعدة للاقتراح ــ جاءت هذه النتائج كأحدث علامة على رفض المواطنين المحبطين في عدد متزايد من الدول للأحزاب السياسية التقليدية والوضع السياسي الراهن. وفي ظل هذه الظروف، أصبح من الصعب على نحو متزايد ملاحقة أهداف سياسية أطول أمدا، وهو ما يضيف إلى حالة عدم اليقين بشأن المسار المحدد الذي تسلكه عملية التكامل الاقتصادي والمالي في أوروبا.

وفي الولايات المتحدة، اتخذ الانقطاع هيئة دراما مالية مصغرة أخرى. فمع خذلان الكونجرس المختل للشعب الأميركية مرة أخرى، أصبحت البلاد الآن على الطرف المتلقي لخطة خفض الإنفاق في الموازنة ــ والتي تشكل رياحاً معاكسة أخرى مفروضة ذاتياً تعرقل النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وإحراز أي تقدم في الحد من التفاوت في الدخول والثروات.

وباجتماع الأمرين يصبح لدينا حاجز يحول دون إجراء المفاوضات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ــ وهو الحاجز الذي يجعل الجدول الزمني الذي يتألف من عامين لإتمام الاتفاق طموحاً إلى حد كبير (ولو لم يكن غير واقعي تماما).

ويتعلق السبب الثالث بالحالة السيئة التي أصبح عليها الحوار السياسي العالمي، على الرغم من كل الأحاديث المبتهجة عن التحديات العالمية والمسؤوليات المشتركة. ففي الشهر الماضي انتهى اجتماع مجموعة العشرين كأي قمة أخرى مكلفة تفتقر إلى القدر الكافي من المحتوى والمتابعة. وبدلاً من تحفيز التنسيق البنّاء للسياسات، شجعت القمة عن غير قصد الرضا عن الذات.

الواقع أن الأسباب الثلاثة جميعها مؤسفة للغاية. فهي تؤكد على عجز الغرب الواضح عن الخروج من عقلية الأمد القصير حتى يتسنى له الاستجابة للمخاطر والفرص المرتبطة بالعملية التاريخية المتمثلة في إعادة تنظيم التحالفات والصفوف على المستويات الوطنية والعالمية.

إن الوعد الحقيقي بتجارة عبر أطلسية أكثر تحرراً يكمن في قدرته على تحويل التجارة العالمية، وشبكات الإنتاج، والمنظمات المتعددة الأطراف لصالح الجميع. وعلى المستوى الأكثر عمومية، فإنه يعمل على ترشيد النظام الحالي الذي يتألف من أربع كتل هزيلة الأداء ــ تتمحور حول الصين، وأوروبا، والولايات المتحدة، وبقية العالم ــ إلى ثلاث كتل، ثم في نهاية المطاف (وربما بسرعة كبيرة) إلى كتلتين أفضل أداءً ولا خيار أمامها سوى العمل بشكل جماعي جيد: كتلة تهيمن عليها الصين، والأخرى يهيمن عليها الاتحاد الأوروبي/الولايات المتحدة.

ومثل هذا الهيكل العالمي قادر على تشجيع تحالفات أفضل متوسطة الأمد من أجل خفض الحواجز التجارية، ووضع معايير لائقة، وتعزيز التعاون المتبادلة المنفعة. وهو كفيل بتيسير عملية التنسيق بشأن وضع قواعد ومبادئ عالمية أكثر قوة، بما في ذلك تلك التي تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والتجارة في الخدمات. وهو قادر أيضاً على إرغام المنظمات المتعددة الأطراف على إصلاح نفسها إذا كانت راغبة في الحفاظ حتى على القدر المحدود الذي تتمتع به من الأهمية الآن.

إن اقتراح التجارة الأكثر تحرراً عبر الأطلسي يحمل إمكانات تحويلية. وهو يأتي في وقت حيث أصبح الغرب أكثر انزلاقاً إلى الأسفل بفعل انقطاعات قصيرة الأمد فضلاً عن الجمود السياسي المستمر. ومع هذا فإن آفاق التنفيذ ليست واعدة على الإطلاق. والاقتراح في حد ذاته قادر على العمل كمحفز لتكييف التوجهات السياسية مع الواقع الحالي؛ ولكنه يخضع للقوى المكدرة المنتمية إلى عقلية القرن العشرين والمؤسسات التي لا تسمح لها حركتها البطيئة بالتكيف مع التحديات التي يفرضها القرن الحادي والعشرين والفرص التي يتيحها.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

 http://www.project-syndicate.org/

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s