التهدئة في بحر الصين الجنوبي

 

Portrait of Gareth Evans

Gareth Evans, Australia’s foreign minister for eight years and President Emeritus of the International Crisis Group, is currently Chancellor of the Australian National University and co-chair of th

Jul. 26, 2012

التهدئة في بحر الصين الجنوبي

كانبيرا ــ يبدو أن بحر الصين الجنوبي ــ الذي طالما اعتُبِر، إلى جانب مضيق تايوان وشبه الجزيرة الكورية، واحدة من بؤر التوتر الثلاث الكبرى في شرق آسيا ــ بدأت أمواجه تتلاحق من جديد. فقد جاء إعلان الصين عن نشر قوات تابعة لها في جُزُر باراسل في أعقاب شهر من تصعيد أصحاب المطالب الإقليمية المتنافسة لنبرة خطابهم، وبعد أن أصبح تواجد سلاح البحرية الصيني في المناطق المتنازع عليها أكثر وضوحا، وتسبب الصينيون في انقسام رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، والتي عجز وزراء خارجيتها عن الاتفاق على بيان رسمي لأول مرة منذ خمسة وأربعين عاما.

وكان كل هذا سبباً في توتر الأعصاب ــ كما فعلت مواقف عسكرية أخرى واستعراض العضلات الدبلوماسية منذ عام 2009 إلى منتصف عام 2011. ولا عجب أن بحر الصين الجنوبي الذي يمتد من سنغافورة إلى تايون، يُعتبر ثاني أكثر الممرات البحرية على مستوى العالم ازدحاماً بالحركة، حيث يمر ثلث الشحن العالمي عَبره.

وهناك المزيد من الدول المجاورة التي تتقدم بمطالبات أكثر لأجزاء متزايدة من بحر الصين الجنوبي ــ وتميل إلى تعزيز هذه المطالبات بتطعيمها بنعرات قومية أكثر حدة ــ على نحو لم يسبق له مثيل في حالة أي مسطح مائي آخر على مستوى العالم. والآن يُنظَر إلى بحر الصين باعتباره أرض اختبار رئيسية للمنافسة الصينية الأميركية، حيث تمد الصين جناحيها الجديدين، وتحاول الولايات المتحدة تقليمهما بالقدر الكافي للحفاظ على تفوقها الإقليمي والعالمي.

إن القضايا القانونية والسياسية المرتبطة بالمطالبات الإقليمية المتنافسة ــ والموارد البحرية وموارد الطاقة والحقوق الملاحية التي تصاحب هذه القضايا ــ تكاد تُذهِب العقول من هول تعقيدها. وقد يجد المؤرخون في المستقبل إغراءً قوياً في القول في مسألة بحر الصين الجنوبي بما قاله اللورد بالمرستون عن ولاية شليسفيج هولشتاين في القرن التاسع عشر: “إن ثلاثة أشخاص فقط هم من أدركوا حقيقة هذا الأمر. أحدهم ميت، والثاني أصابه الجنون، والثالث أنا ــ وأنا نسيت الأمر برمته”.

تدور القضية الإقليمية الأساسية حالياً حول ما أعلنته الصين من اهتمام ــ الذي رسمته بشكل غير دقيق في خريطة “الخط ذي النقاط التسع” في عام 2009 ــ بالبحر بأكمله تقريبا. وهذا الادعاء من شأنه أن يغطي أربع مجموعات متنازع عليها من ملامح الأرض: جزر باراسل في الشمال الغربي، والذي تطالب به فيتنام أيضا؛ وضفة ماكلسفيلد، وحيد سكاربورو البحري في الشمال، والذي تطالب به الفلبين أيضا؛ وجزر سبراتلي في الجنوب (والتي تطالب بها أيضاً كل من فيتنام، والفلبين، وماليزيا، وسلطنة بروناي).

ولقد حدث تدافع وتزاحم من قِبَل مختلف المطالبين لاحتلال أكبر عدد ممكن من هذه الجزر ــ والتي لا يتجاوز حجم بعضها بضع صخور. ويرجع هذا جزئياً إلى أنه بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي صدقت عليها كل هذه الدول، تستطيع كل من هذه الجهات السيادية المالكة أن تطالب بمنطقة اقتصادية خالصة عرضها مائتي ميل بحري (تمكنها من الاستغلال المنفرد لمصائد الأسماك والموارد النفطية) إذا كان بوسعها المحافظة على حياة اقتصادية في هذه المناطق. وإلا فإن كل جهة سيادية مالكة تستطيع أن تطالب بما لا يتجاوز 12 ميلاً بحرياً فقط من المياه الإقليمية.

والأمر الذي زاد من قلق رابطة دول جنوب شرق آسيا بشأن نوايا بكين هو أنه حتى إذا كان بوسع الصين أن تطالب بشكل معقول بالسيادة على كل هذه الجزر في بحر الصين الجنوبي، وكانت كلها مأهولة بالسكان، فإن المناطق الاقتصادية الخالصة التي تصاحبها لن تشمل أي شيء مثل كل المياه الواقعة داخل الخريطة التي قدمتها في عام 2009. ولقد أثار هذا المخاوف، المبررة، من أن الصين غير مستعدة للعمل ضمن القيود التي نصت عليها اتفاقية قانون البحار، وأنها ربما تكون عازمة على تقديم مطالبة أعرض اتساعاً استناداً إلى التاريخ.

وهناك طريقة معقولة للتقدم إلى الأمام تبدأ باحتفاظ الجميع بهدوئهم إزاء استفزازات الصين الخارجية، وقرع طبول النعرات القومية في الداخل. وليس هناك ما يشير إلى مواقف متطرفة موحدة تتبناها الحكومة بالكامل والحزب الشيوعي، حيث تعتزم الصين التقدم إلى الأمام في هذا السياق سريعا. بل إن أنشطتها في بحر الصين الجنوبي تبدو على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، وفقاً لتقرير ممتاز صادر في إبريل/نيسان عن مجموعة الأزمات الدولية، ناشئة عن مبادرات غير منسقة من قِبَل جهات فاعلة محلية عديدة، بما في ذلك حكومات محلية، ووكالات إنفاذ القانون، وشركات طاقة مملوكة للدولة، وجيش التحرير الشعبي.

والواقع أن وزارة الخارجية الصينية تفهم القيود التي يفرضها القانون الدولي بشكل أفضل من أغلب الأطراف، من دون أن تفعل أي شيء حتى الآن لفرضها. ولكن برغم بكل أنشطة جيش التحرير الشعبي وغيره من الجهات، فعندما تكتمل عملية انتقال الزعامة في البلاد (والتي جعلت العديد من كبار المسؤولين المركزيين في غاية التوتر) في نهاية العام الحالي، فهناك من الأسباب ما يدعونا إلى التمسك بالأمل في أن تتخذ الصين موقفاً أكثر تحفظا.

إن الصين قادرة على خفض حرارة الأجواء ــ بل ويتعين عليها ذلك ــ من خلال تبني المجموعة المتواضعة من تدابير الحد من المخاطر وبناء الثقة التي اتفقت عليها مع مجموعة الآسيان في عام 2002 ــ والبناء على هذه التدابير في إطار جديد متعدد الأطراف من قواعد السلوك. كما يتعين عليها عاجلاً وليس آجلا أن تحدد بدقة، وبالإشارة إلى مبادئ مفهومة ومقبولة، حقيقة مزاعمها. وآنذاك فقط يصبح موقفها المعلن جديراً بأي قدر من الثقة ــ غير الجذاب من حيث المبدأ ــ لصالح ترتيبات لتقاسم موارد المناطق المتنازع عليها التي تنتظر حلاً نهائياً للمطالب المتنافسة.

والولايات المتحدة من جانبها، ورغم أن انضمامها إلى أصحاب المطالب في مجموعة آسيان في التصدي للتجاوزات الصينية أثناء الفترة 2010-2011 كان مبررا، فيتعين عليها أن تتوخى الحذر في تصعيد خطابها. إن “المحور” العسكري الأميركي في آسيا جعل حساسية الصين مرهفة بعض الشيء، ومن المؤكد أن احتواء المشاعر القومية أكثر صعوبة في فترة انتقال الزعامة. وفي كل الأحوال، فإن الاهتمام المعلن من قِبَل أميركا بحرية الملاحة في هذه المياه كان ينطوي دوماً على المبالغة بعض الشيء.

والخطوة الإيجابية التي تستطيع أميركا أن تتخذها والتي سوف يرحب بها العالم أجمع تتلخص في التصديق أخيراً على اتفاقية قانون البحار، التي لابد أن تشكل مبادئها الأساس للتقاسم السلمي للموارد ــ في بحر الصين الجنوبي كما في أي مكان آخر. والواقع أن مطالبة المرء للآخرين بأن يفعلوا كما يقول لن تكون مجدية أبداً كمثل مطالبتهم بأن يفعلوا كما يفعل.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

 http://www.project-syndicate.org/

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s