الصهيونية، التطهير العرقي والكونغرس الأميركي

الصهيونية، التطهير العرقي والكونغرس الأميركي

Zionism and the United States Congress

وليام جيمس مارتن

  موقع “كاونتربنش 

أطفال فلسطينيون في مخيم للاجئين بعيد نكبة 1948 – (أرشيفية) 

ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة

 15/05/2013جريدة الغد الاردنية

كتب وليام جيمس مارتن: “بينما أتأمل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وجدت أن عدداً قليلاً جداً من الناس فقط هم الذين ينطوون واقعياً على فهم أساسي لطبيعة الصراع، والذين يستطيعون أن يعرّفوه –حتى بمقاربة تقريبية خام”. ولذلك، ألزم مارتن نفسه بمهمة شرح هذا الصراع.  فشكراً لمارتن وبقية المتابعين الغربيين الذين يهتمون بنقل صورة حقيقية وإنسانية عن المسألة الفلسطينية إلى الجمهور الغربي الذي لا يعرف. وفي الحقيقة، يسدي هؤلاء الكُتاب المتنورون خدمة جليلة لقضايانا بطريقة تضعنا مباشرة أمام تقصيرنا الخاص في تزويد العالم بنسختنا من الرواية. ولعل أكثر ما يميز مارتن وأقرانه هو صفاء النية ونظافة المنطلقات، لغاية تعديل ميزان الحقوق الإنسانية المائل، وتفكيك الأكاذيب التي تستخدم ذريعة لاضطهاد المستضعفين. وحسب سيرته الذاتية، درب جيمس وليام مارتن ونصح، كمستشار للإدارة، آلافاً من الناس في جميع أنحاء العالم على استخدام الطرق المعتمدة على الواقع لتحقيق أهدافهم وتحسين حياتهم. كما عمل مدرساً في كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال بجامعة بروفيدانس منذ العام 1988، حيث يشرف على مساقات في تحليل القرارات والمقررات ذات الصلة، ويقدم المشورة لطلاب الدراسات العليا من المؤسسات الحكومية والشركات الرائدة في منطقة بوسطن الكبرى. وتشمل اهتماماته تأثير العوامل النفسية الاجتماعية على تصميم المنتجات والخدمات، والأخلاق الشخصية والتنظيمية والإنتاجية وإدارة التغيير. وتكشف هذه الخلفية عن شخصية منظمة وعملية، يمكن أن نتعلم منها في إدارة معضلاتنا الوطنية باستلهام طريقته في تشكيل خطابه الإنساني. وفي حالة من الغياب الكبير –أو التغييب الكبير- للرواية الفلسطينية عن المسرح الغربي الذي يتحكم وحدة بأقدار القضية الفلسطينية، يصبح وجود صوت غربي يجهر برواية بديلة أمراً لا يُقدر بثمن.
لا ندري إذا كان مارتن يعلَم أيضاً أنّ هناك غياباً، أو تغييباً غير مفهوم، للحكاية الفلسطينية حتى في المنطقة العربية. هنا أيضاً، أصبح القليلون فقط هم الذين ينطوون على أكثر من “مقاربة تقريبة خام” لحكاية الصراع الفلسطيني مع العدو الصهيوني. بل لقد وصل الأمر في كثير من الأحيان إلى اعتبار النظام العربي السائد مجرد الحديث النظري عن القضية الفلسطينية
–ناهيك عن الاشتغال بها- تهمة ترادف التمرد على النظام المحلّي وخيانة الوطن والنشاط التخريبي. 
ربّما لأنّ القضية الفلسطينية، كما يراها مارتن وكما هي في حقيقتها، تتصل وثيقاً بقضيّة الحريّة الإنسانية المطلقة، يُعاملها النظام العربي الرسمي كعدوّ أساسي! وربّما لذلك أصبح يقارِبُها القليلون في منطقتنا وهم خائفون من “الشُّبهة” والاتهام بالتحريض! ورُبّما لذلك أصبح البعض يتنصّلون من أحقيتها بدعوى الانشغال بقضيّة الحريّات المحلية الأَولى، ويستشهدون بـ”الخسائر” التي ألحقها تبني هذه القضية بتقدم بلدانهم التي “انخرطت في معارك ليست لها”! ولذلك، تمرّ المناهج المدرسية على القضية الفلسطينية مرور “رفع العتب” وعلى خجل بحيث أصبحت الأجيال العربية الجديدة تعرف العنوان ولا تكاد تعرف!
اليوم، تعرض ذكرى النكبة الفلسطينية مناسبة لتذكر أصل الصراع. ويقدّم وليام مارتن، الأميركي، في المقالة المكثفة التالية رؤية بانوراميّة لتشكّل المشروع الصهيوني كمقدمة لاستعمار فلسطين، ويفكك المرتكزات الميثولوجية التي ارتكزت عليها الفكرة الصهيونية في تبريرها لجريمة التطهير العرقي للفلسطينيين، وصولاً إلى الاستحواذ على عقل مركز القرار الأميركي –الكونغرس- لغاية دعم جهد الكيان الصهيوني الحاضر في استكمال تدمير الفلسطينيين وسلبهم آخر ما لديهم. وقد نشرت المقالة على موقع “كاونتربنش” بتاريخ 19/4/2013 تحت عنوان:

Zionism and the United States Congress.

وليام جيمس مارتن

في واقع الأمر، تعود الأيديولوجية، أو المشروع السياسي للصهيونية الذي يكمن وراء إنشاء دولة إسرائيل، إلى أصل مسيحي أكثر من اتصالها بأصل يهودي، حيث يمكن العثور على كتابات يعود تاريخها إلى العام 1500، والتي كان قد كتبها رجال الدين المسيحيون في إنجلترا، ودعت إلى هجرة اليهود إلى الأرض المقدسة. كما دعا نابليون بونابرت أيضاً إلى هجرة اليهود إلى فلسطين.
وظهرت العروض اليهودية الأولى للصهيونية في كتابات موسى هيسMoses Hess  في العام 1862. وبعد 20 عاماً في كتابات ليو بنسكر Leo Pinsker، وكلاهما يأتيان من مستوطنة “بيل” الروسية المخصصة لليهود، وقد دافع الكاتبان كلاهما عن فكرة إقامة دولة مستقلة لليهود.
أما صهيونية القرن العشرين، فأسسها تيودور هرتزل، الذي دعا بالمثل إلى إقامة دولة مستقلة لليهود في كتابه، “الدولة اليهودية” Der Judenstaat، الذي كتبه في العام 1896. وبعد عام واحد فقط، قام بإنشاء “المؤتمر الصهيوني العالمي” الذي عقد اجتماعه الأول في بازل، سويسرا، في ذلك العام نفسه. وقد هيمن موضوع ما يجب القيام به تجاه العرب الموجودين في الدولة اليهودية المستقبلية على أفكار مؤسسي إسرائيل، منذ هرتزل وحتى الطرد الفعلي للفلسطينيين من وطنهم في العام 1948. ولهذا قال هرتزل: “يجب علينا أن ننال من روح السكان الفقراء المفلسين عبر الحدود، بحرمانهم من فرص العمل. يجب أن تتم كل من عملية الاستملاك وإبعاد الفقراء بسرية وحذر”.
هكذا تم إنتاج مفهوم التطهير العرقي للفلسطينيين. وليس في الأمر صناعة صاروخ: إذا كنت ترغب في إنشاء دولة لليهود حصراً، وأغلبهم أوروبيون، في قلب الشرق الأوسط، فإن عليك أولاً أن تتخلص من العرب.
في العام 1928، كتب فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس الجناح التصحيحي للحركة الصهيونية، الذي دعا إلى إعادة النظر في الانتداب البريطاني في فلسطين لتشمل الضفة الشرقية لنهر الأردن وبعضاً من مصر والأردن وسورية الحالية، والذي كان والد ورائد حزب الليكود الحالي، كتب عن الفلسطينيين في كتيبه المعنون “الجدار الحديدي،” أنه لم يكن هناك أبداً أناس على استعداد للتخلي عن أرضهم لشعب آخر بالاتفاق المتبادل، وأن استعمار اليهود الأوروبيين لفلسطين يجب إنجازة بالقوة وضد إرادة الشعب الأصلي، ويجب أن يتم تنفيذه خلف جدار حديدي من الحِراب، باستخدام مجازه نفسه. وبحلول عقد الثلاثينيات، كان “ترحيل” transfer العرب قد أصبح الخيار المفضل الذي يحظى بالإجماع لدى مؤسسي إسرائيل. وتم تعيين ما يسمى لجان الترحيل صراحة وعلناً، برئاسة جوزيف فايتس Joseph Weitz، مدير إدارة الأراضي في الوكالة اليهودية، لغرض دراسة سبل “ترحيل” العرب إلى خارج فلسطين.
في بداية العام 1948، وعلى الرغم من انقضاء 50 عاماً من جهود شراء الأراضي، كان اليهود يملكون 6 % فقط من أرض فلسطين. وبحلول نهاية العام، سيطر الجيش الإسرائيلي على 78 % من فلسطين في إطار عملية من التطهير العرقي التي شهدت تدمير 531 من البلدات أو القرى العربية، و11 من المناطق الحضرية العربية، مع ارتكاب المجازر الكبيرة أو الصغيرة في جميع تلك المدن أو القرى تقريباً، والنهب شبه الكامل لممتلكات الفلسطينيين وثرواتهم، بما في ذلك نهب المصارف، ومصادرة منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، والأعمال التجارية، والحقول والبساتين.
وهكذا، خسر الشعب الفلسطيني كل شيء. الذين نجوا من المذابح فقدوا وظائفهم ووسائل عيشهم، ليجدوا الملجأ فقط في مدن الخيام التي أقامتها الأمم المتحدة، والتي ستصبح في وقت لاحق مخيمات اللاجئين البائسة من المباني المصنوعة من مسحوق الرماد “الاسبست” والمنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط.
بمحرد فحص الخط الزمني للأحداث وحسب، سرعان ما يتخلص المرء من 60 عاماً من أسطورة الدعاية الإسرائيلية القائلة بأن يهود ما قبل دولة إسرائيل كانوا يتدبرون ببراءة أعمالهم التجارية الخاصة عندما تعرضوا لخمسة من جيوش الدول العربية المجاورة.
بدأ التطهير العرقي للفلسطينيين في يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 في حيفا، عندما بدأ الجيش اليهودي بقيادة ديفيد بن غوريون، جنباً إلى جنب مع المجموعة الإرهابية اليهودية، الأرغون، بقيادة مناحيم بيغن، بقصف الأجزاء العربية من تلك المدينة. وقد تم الانتهاء من التطهير العرقي للعرب من حيفا بحلول شهر نيسان (أبريل) 1948، عندما أجبر قصف القوات اليهودية سكان حيفا العرب على الفرار نحو الميناء، حيث حاولوا اعتلاء القوارب من أجل الهروب. وهكذا، قامت تلك القوات اليهودية بدفع العرب، حرفياً، من حيفا “وإلقائهم في البحر”. وقد غرق العديد من الفلسطينيين الفارين عندما ناءت الزوارق بأكثر من حمولتها وانقلبت.
وفي شهر آذار (مارس) من العام 1948، أنهى ديفيد بن غوريون وضع “الخطة دال” في صيغتها النهائية ووزعها على ضباطه ومسؤوليه، وكانت تلك الخطة برنامجاً لتدمير القرى العربية وتفريغها من سكانها والقضاء على أي مقاومة فيها. وبحلول ذلك التاريخ، كانت 30 قرية عربية قد أخليت فعلياً من سكانها العرب مسبقاً.
تقول إحدى الفقرات الكاشفة من نص تلك الوثيقة:
“هذه العمليات يمكن تنفيذها على النحو التالي: إما بتدمير القرى (بإضرام النار فيها، بتفجيرها، وبزرع الألغام في أنقاضها)، وخصوصاً تلك المراكز السكانية التي تصعب السيطرة عليها بشكل دائم؛ أو عن طريق تصعيد عمليات التمشيط والتفتيش وفقاً للمبادئ التوجيهية التالية: تطويق القرى، والقيام بعمليات بحث في داخلها. وفي حالة المقاومة، يجب محو القوات المسلحة وطرد السكان إلى خارج حدود الدولة”.
وقعت المذبحة في قرية دير ياسين العربية، وهي واحدة فقط من كثيرات، لكنها ربما تكون الأكثر شهرة، بتاريخ 9 نيسان (أبريل) 1948. وأعلنت إسرائيل نفسها دولة في 14 أيار (مايو) 1948. وكان في اليوم التالي، 15 أيار (مايو)، حين وطئت أقدام أول جندي من جيش نظامي عربي أرض فلسطين. وبحلول ذلك الوقت، كان ما يقرب من نصف ما تراوح عددهم بين 750.000 و800.000 من اللاجئين الفلسطينيين قد شُردوا وأصبحت جميع المراكز الحضرية في فلسطين مُفرغة من سكانها العرب.
دعوني أكون واضحاً: لقد بدأ التطهير العرقي للفلسطينيين قبل ستة أشهر من دخول أي عنصر نظامي في الجيوش العربية المحيطة إلى فلسطين. وعلاوة على ذلك، كانت نية الحركة الصهيونية تهجير السكان العرب من فلسطين موجودة لمدة نصف قرن قبل ذلك.
لا يستطيع المرء أن يفهم سبب مشاعر الاستياء والغضب الطبيعي لدى الشعب العربي، وخاصة الشعب الفلسطيني، تجاه إسرائيل، وكذلك الغرب بسبب دعمه لمضطهديهم وغضه الطرف عن معاناتهم، دون تحصيل فهم كامل للكارثة التي يسميها الشعب الفلسطيني “النكبة”، والتي حلت بهم في العام 1948. بل ولا يمكن للمرء حتى أن يفهم ذلك إذا كان يقبل الكذبة القائلة بأن ما فعله اليهود ما قبل دولة إسرائيل كان مجرد دفاع بريء عن النفس، وهي القصة الخيالية المختلقة التي أعتقد أن معظم أعضاء الكونغرس الأميركي يقبلونها.
كما لا يمكن للمرء أن يفهم عدمية “عملية السلام” المُستنفدة، التي ظلت مستمرة على مدى السنوات الأربع والعشرين الماضية، بالتزامن مع زيادة تآكل الحقوق والحرية الفلسطينية، والمزيد من هجرة المستوطنين اليهود الجدد إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، من دون أن يفهم كيف أن إسرائيل اكتسبت مكانتها الحالية بوصفها الدولة، ليس عن طريق التفاوض مع الفلسطينيين، وإنما عن طريق القوة الغاشمة وضد إرادة السكان الأصليين بالمطلق.
بالنسبة للشعب العربي، ليست إسرائيل سوى نبتة غريبة، فرضت وجودها القوى الغربية في قلب العالم العربي وضد إرادة الشعب العربي.
وما يزال الفلسطينيون الذين يعيشون تحت الاحتلال يعايشون هذا الوضع طوال 46 عاماً، محرومين من حقوق الإنسان الأساسية، ويعانون من سوء المعاملة، ويتعرضون للإذلال معظم الوقت، ويتجرعون الهوان والذل على أساس يومي، بينما تقوم دولة إسرائيل بمصادرة أراضيهم وممتلكاتهم ومواردهم يومياً، كما تغمز بعينها أيضاً لتشجيع عنف المستوطنين وتنظر إلى الجهة الأخرى فيما يقوم المستوطنون الذين بنوا مستوطناتهم على قمم التلال، بتفريغ مياه الصرف الصحي ومخلفاتهم في الأراضي الزراعية الفلسطينية، كما يقومون بقطع أشجار زيتون الفلسطينيين، وحرق حقولهم ودس السم لمواشيهم أو قتلها، من أجل إفساح المجال لمزيد من المستوطنين والمستوطنات، وكذلك لجعل حياة الفلسطينيين بائسة بأكبر قدر ممكن بهدف جعل هجرتهم من فلسطين أكثر جاذبية من استمرار وجودهم فيها. وقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين حتى الآن حوالي 5 ملايين نسمة –أكبر عدد من اللاجئين في العالم، وأطول فترة لبقاء أناس في حالة اللجوء الدائم. ولا توجد أي مؤشرات في الأفق على حدوث تغيير في وضعهم.
إن الصهيونية هي برنامج سياسي يهدف إلى إفراغ فلسطين من العرب الفلسطينيين من أجل تهيئة المجال لقيام دولة يهودية خالصة. وعلى هذا النحو، فإن هدفها النهائي يتمثل في تدمير الفلسطينيين كشعب يحمل هوية شعب ويرتبطون بأرض ميلادهم وميلاد أسلافهم. ويفي مثل هذا المشروع بتعريف الإبادة الجماعية في القانون الدولي. والإبادة الجماعية جريمة ضد الإنسانية جمعاء بقدر ما هي كذلك تجاه ضحاياها المباشرين. وتشكل الإبادة الجماعية جريمة تمتهن البشرية جمعاء وتحط من قدرها.
عندما وقف أعضاء الكونغرس الأميركي 29 مرة من أجل التصفيق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لدى ظهوره الأخير أمام هذه الهيئة، فإنهم كانوا يصفقون لرجل كرس حياته كلها لتدمير الشعب الفلسطيني وتنفيذ جريمة التطهير العرقي بحقه.
ولا يبدو أن الكونغرس الأميركي يعرف، أو يهتم: إن أولئك الذين جاءوا إلى فلسطين في القرن العشرين لغرض التطهير العرقي للسكان الأصليين من أجل إقامة دولة يهودية نقية عرقياً أو إثنياً هم جناة، وليسوا الضحايا؛ وأولئك الذين يجري تطهيرهم عرقياً هم الضحايا، وليسوا الجناة. لكن الكونغرس الأميركي يفهم المسألة بالعكس.
ألم يخطر لأعضاء هذه المجموعة الجليلة أن السيد نتنياهو، بعد تلقي 29 وقفة تصفيق حار، سيعود إلى إسرائيل بتفويض من الكونغرس الأميركي وتشجيع على الاستمرار، أو حتى تسريع حرمان الفلسطينيين من حقوقهم وممتلكاتهم؟
في اليوم الذي أقر فيه الكنيست الإسرائيلي اتفاقيات أوسلو 2 بأغلبية صوت واحد في العام 1993، تجمع الآلاف من المتظاهرين في ميدان صهيون في القدس. وبينما كان المتظاهرون يعرضون دمية تمثل رابين وهو يرتدي زي وحدات “إس إس” النازية، ألقى نتنياهو خطابا ملتهباً يصف فيه اتفاقيات أوسلو 2 بأنها اتفاق استسلام، ويتهم فيه رابين بأنه “يتسبب بالذل الوطني من خلال قبول إملاءات عرفات الإرهابي”. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، اغتيل رابين على يد متطرف يهودي قومي متدين، بهدف واضح هو تعطيل عملية السلام. وقد وجه رحيل رابين، كما توقع قاتله تماماً، ضربة خطيرة وقاتلة لعملية السلام برمتها.
وهناك شريط فيديو “يوتيوب”، من العام 2002، يعرض السيد نتنياهو جالساً على أريكة في منزل أسرة إسرائيلية، ويظهر عن غير قصد على الكاميرا وهو يتفاخر بأنه استطاع تدمير أوسلو، وبأنه خدع الرئيس الأميركي في ذلك الوقت، بيل كلينتون، وقاده إلى الاعتقاد بأنه كان يساعد تنفيذ اتفاقات أوسلو بإجراء انسحابات هامشية من الضفة الغربية، بينما يقوم في الواقع بترسيخ الاحتلال. إنه يتباهى بأنه دمر بذلك عملية أوسلو. إنه يحتقر الولايات المتحدة باعتبار أنها “يمكن تحويلها بسهولة إلى الاتجاه الصحيح” ويصف المستويات العالية من الدعم الأميركي الشعبي لإسرائيل بأنها “سخيفة وغرائبية.” كما يشير أيضاً إلى أن القمع العسكري الإسرائيلي القاسي للانتفاضة الفلسطينية، بعيداً عن كونه دفاعياً، كان يُنفذ بشكل رئيسي لسحق السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، بحيث يمكن جعلها أكثر ضعفاً وقابلية للإملاءات الإسرائيلية.
إن نتنياهو يتعامل مع الكونغرس الأميركي باعتباره مجموعة من الحمقى.
قبل بضعة أيام فقط من حصوله على 29 وقفة تصفيق من الكونغرس الأميركي، جلس السيد نتنياهو في المكتب البيضاوي مع الرئيس الأميركي وقال له إنه لن يقبل بحدود العام 67 كأساس للحل. وكانت حدود 67 كأساس للتسوية هي جوهر الموقف الأميركي الثابت منذ حرب العام 1967، طوال 45 عاماً، في ظل حكم كل من الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.
وقال نتنياهو للرئيس الأميركي إن إسرائيل تحتاج معظم الضفة الغربية، لأن إسرائيل ستكون بخلاف ذلك مكشوفة عسكرياً، كما أنها تحتاج أيضاً إلى وجود طويل إلى أجل غير مسمى في وادي الأردن، وأيضا لأن إسرائيل ستكون مكشوفة عسكرية بخلاف ذلك. وبطبيعة الحال، لدى نتنياهو سياسة ثابتة قوامها تطهير القدس عرقياً من الفلسطينيين لأن الله أعطاها لليهود، أو لأنها حق يهودي طبيعي. وهذا يترك القليل جداً للفلسطينيين، أليس كذلك؟ كان الانتداب البريطاني في فلسطين قد وعد سكان فلسطين الأصليين، الفلسطينيين، بإقامة دولة فلسطينية.
ليس صحيحاً، بالمناسبة، أن اليهود كانوا يبنون مدينة القدس قبل 3000 سنة، كما يدعي نتنياهو مراراً وتكراراً. وحتى لو كان ذلك صحيحاً، فإنه لا يبيح تجاوز أمر القانون الدولي ضد جريمة التطهير العرقي. ويقول لنا علماء الآثار إن القدس كانت قرية مهجورة قبل 3000 سنة، محاطة بسكان مزارعين قليلين. هكذا كان واقع الحال خلال زمن داود وسليمان المزعوم والمملكة المتحدة المزعومة. ولم تحقق القدس أي أهمية حتى القرن الثامن قبل الميلاد، لتشهد بعد ذلك التطور المستمر لمستوطنة فلسطينية، والتي تمثل القطع الأثرية التي تم اكتشافها فيها مجموعة متنوعة من الآلهة الفلسطينيين الذين لم يكن “يهوا” فيها سوى واحد فقط من بين كثيرين. وليس هناك حتى ذَرّة واحدة من الأدلة على وجود معبد يهودي يعود تاريخه إلى 3000 سنة مضت، أو أي بنى هندسية مهمة أخرى من ذلك الوقت.
وعلاوة على ذلك، فإنه من غير المحتمل أن يمتلك السيد نتنياهو، أو أي إسرائيلي آخر يدّعي أنه ينحدر من شعب الله المختار، أي صلة جينية باليهود القدماء. ويقع عبء الإثبات على نتنياهو لتقديم شجرة نسب أو أنساب موثوقة يمكن التحقق منها، والتي تعود 3000 سنة وراء إلى العصر الحديدي. وفي الواقع، ليس هناك أي شخص حيّ يستطيع القيام بذلك.
إن نتنياهو ينحدر من أصول يهودية أوروبية، وهم اليهود الذين ينحدرون بدورهم في معظمهم من الخزر الروس، الذين كانوا يعيشون بالقرب من أنهار الفولغا والدون، والذين تحولوا إلى اليهودية بشكل جماعي في القرن التاسع الميلادي، جالبين إلى العقيدة اليهودية عدد أناس أكبر بكثير من أي يهود في العالم القديم، أو ذريتهم.
في كتابه “الأصل غير اليهودي لليهود الشرقيين” يكتب بول فكسلر Paul Wexler، عالم الآثار اللغوية في جامعة تل أبيب، أن العبرية والآرامية ظهرتا في النص اليهودي الأوروبي في القرن العاشر الميلادي فقط، ولم تكونا نتاجات لأي تطورات لغوية سابقة على ذلك الوقت. وخلال الألفية الأولى من الأجندة المسيحية، لم يعرف المؤمنون اليهود في أوروبا اللغة العبرية أو الآرامية. وكان فقط بعد التقديس الديني للغة العربية في الإسلام واللاتينية في المسيحية، حين تبنت اليهودية ونشرت لغتها الدينية الخاصة باعتبارها رمزاً ثقافياً عالياً.
وهكذا، يكون احتمال أن يكون أدولف هتلر نفسه سليلاً لليهود القدماء هو بالضبط نفس احتمال أن يكون نتنياهو كذلك، كما ينبغي أن يعرف الجميع.
إن موضع الصراع القائم في يومنا هذا في فلسطين قد لا يكون في فلسطين نفسها، وإنما في واشنطن العاصمة، وفي الكونغرس الأميركي، لأن الكونغرس الأميركي يدعم، ربما عن غير قصد ولا معرفة في الجزء الأكبر، عملية التطهير العرقي الصهيونية وتدمير الشعب الفلسطيني.

http://www.alghad.com/index.php/

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s