أميركا وإعادة التوازن الباسيفيكي

لويس بانيتا يعرض الاستراتيجيةالجديدة لوزارة الدفاع الامريكية في نقل مركز ثقلها من الشرق الاوسط الى المحيط الهادئ و دواعي ذلك وهي بالطبع وجهة النظر الامريكية
 Portrait of Leon E. Panetta 
Leon E. Panetta is United States Secretary of Defense.
Dec. 31, 2012

 http://www.project-syndicate.org

واشنطن، العاصمة ــ لقد دخلت المؤسسة العسكرية الأميركية فترة من التغير التاريخي بعد أكثر من عقد من الزمان من الحرب في أعقاب الهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. فقد أنهينا الحرب في العراق؛ ونعكف الآن على تنفيذ خطة فعّالة للانتقال وخفض القوات في أفغانستان؛ كما نجحنا في إضعاف زعامات تنظيم القاعدة في الحرب ضد الإرهاب.

ونتيجة لهذه الجهود وواقع القيود الخاصة بالميزانية، فقد عملت الولايات المتحدة على صياغة استراتيجية دفاعية جديدة للقرن الحادي والعشرين، وهي الاستراتيجية التي تؤكد على خفة الحركة، والتكنولوجيا، وإبراز القوة. ولقد بدأنا في التركيز على التحديات التي يفرضها المستقبل والفرص التي يتيحها، ومن الواضح أن العديد من هذه التحديات والفرص تكمن في آسيا.

إن مركز الثِقَل العالمي يتحول بثبات نحو منطقة آسيا والباسيفيكي (المحيط الهادئ)، وهو ما يربط ازدهار أميركا وأمنها في المستقبل بشكل أوثق بهذه المنطقة السريعة النمو. ومن ناحية أخرى، فإن الإنفاق العسكري المتزايد، والتحديات التي تواجه الأمن البحري، والتهديدات غير التقليدية التي تتراوح بين القرصنة والإرهاب، والدمار الناجم عن الكوارث الطبيعية، كل هذا يجعل البيئة الأمنية في المنطقة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. ولهذه الأسباب، فإن وزارة الدفاع الأميركية تحرص على “إعادة توازن” التركيز الاستراتيجي الأميركي وموقف الولايات المتحدة باتجاه منطقة آسيا والباسيفيكي.

والواقع أن الغالبية العظمى من الجهود الأميركية الرامية إلى إعادة التوازن تتركز في مجالات غير عسكرية، مثل التجارة والتنمية. وهذا جزء من جهد أوسع نطاقاً يتم بتوجيه من الرئيس باراك أوباما ويرمي إلى تعميق علاقاتنا الدبلوماسية، والتنموية، والاقتصادية، والأمنية، والثقافية بالمنطقة بالكامل. ومن منظور وزارة الدفاع فإن إعادة التوازن تدور حول المساعدة في ضمان استمرار الولايات المتحدة وكل الدول في المنطقة في الاستفادة من ازدهار منطقة آسيا والباسيفيكي ــ كما فعلنا لما يقرب من السبعين عاما.

ويستند هذا الجهد إلى أربع ركائز. الأولى هي التزام أميركا منذ فترة طويلة بمجموعة من المبادئ التي ساعدت في تعزيز السلام والأمن في المنطقة في القرن العشرين. وباعتبارها قوة باسيفيكية فإن الولايات المتحدة لديها مصلحة وطنية مستديمة في وجود نظام دولي عادل يؤكد على حقوق الدول ومسؤولياتها وإخلاصها لسيادة القانون؛ وتمكين الجميع من الوصول إلى كل المنافع العالمية في البحر، والجو، والفضاء، والفضاء الإلكتروني؛ والتنمية الاقتصادية والتجارية غير المعوقة؛ وحل الصراعات من دون اللجوء إلى استخدام القوة. ومن الممكن لهذه المبادئ، بل وينبغي لها أن تؤسس لعلاقات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية قوية مع مختلف بلدان المنطقة اليوم.

وتتلخص الركيزة الثانية في أولوية خاصة لي أنا شخصيا: تحديث وتعزيز تحالفات أميركا وشراكاتها في المنطقة، وتنمية تحالفات وشراكات جديدة. ولقد قادتني هذه المهمة إلى السفر إلى آسيا أربع مرات منذ توليت منصب وزير الدفاع في يوليو/تموز 2011. كما دفعتنا هذه المهمة إلى تخصيص المزيد من الموارد والجهود لبناء قدرات شركائنا وتحسين التشغيل البيني بين المؤسسة العسكرية الأميركية والقوى المختلفة في المنطقة. ونحن نعمل أيضاً على التعرف على الفرص الكفيلة بتعميق التعاون فيما بيننا في مجالات أمن المعلومات، والاستخبارات، والاستطلاع، والمراقبة، وغير ذلك من حدود التكنولوجيا الفائقة ــ من الفضاء الإلكتروني إلى الفضاء الخارجي.

على سبيل المثال، نعمل الآن على وضع خطة ثنائية جديدة لتقسيم الأدوار والمهام والقدرات في إطار التحالف الأميركي الياباني في المستقبل، ولقد توصلنا إلى اتفاق يقضي بوضع رادار دفاعي مضاد للصواريخ للحماية من التهديد الذي تفرضه كوريا الشمالية. وفي زيارتي الأخيرة إلى أستراليا، وقعنا على اتفاقية تقضي بنقل رادار المراقبة الفضائية إلى غرب أستراليا. وفي كوريا الجنوبية، ترسم اتفاقية التحالف الاستراتيجي 2015 مساراً للمستقبل عبر مجموعة من الجبهات، بما في ذلك التعاون في مجال الفضاء الخارجي والفضاء الإلكتروني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وترتيبات القيادة.

وعلاوة على ذلك، تركز أميركا بشكل غير مسبوق على العمل مع حلفائنا وشركائنا في جنوب وجنوب شرق آسيا. ومع الهند، عملنا على إطلاق مبادرة تنمية غير مسبوقة لتبسيط عمليات التصدير فيما بيننا وتعميق تجارتنا وإنتاجنا المشترك في المجال الدفاعي. كما نعمل على ملاحقة مجالات جديدة للتعاون في التدريبات والمناورات العسكرية، مثل إنقاذ الغواصات، والتي تعكس الدينامية المتنامية لهذه الشراكة الأساسية.

وفي جنوب شرق آسيا، نحن الآن بصدد توسيع مشاركتنا مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وزيادة المشاركة الثنائية مع الحلفاء والشركاء التقليديين مثل تايلاند، والفلبين، وسنغافورة، وتطوير شراكاتنا التعاونية مع فيتنام، وماليزيا، وإندونيسيا.

تتلخص إحدى أكثر الطرق أهمية لتعزيز التحالفات والشراكات في التدريبات والمناورات المشتركة. وخلال عام 2012، زادت الولايات المتحدة من حجم وعدد التدريبات الثنائية والمتعددة الأطراف في مختلف أنحاء منطقة آسيا والباسيفيكي. على سبيل المثال، كانت مناورات طوق الباسيفيكي هي الأضخم على الإطلاق، بما في ذلك أكثر من 42 سفينة و25 ألف جندي من 22 دولة، في حين نظمت الولايات المتحدة والصين أول مناورة بحرية لمكافحة القرصنة على الإطلاق بالقرب من القرن الأفريقي. وفي عام 2013، سوف نشارك لأول مرة في مناورات عسكرية متعددة الأطراف تحت قيادة رابطة دول جنوب شرق آسيا، كما تم توجيه الدعوة إلى الصين لإرسال سفنها إلى مناورة طوق الباسيفيكي في عام 2014.

ودعماً لهذه المشاركة المتزايدة ــ التي لا تهدف إلى إقامة قواعد دائمة جديدة، بل تسعى بدلاً من ذلك إلى بناء تحالفات وشراكات أكثر قوة عبر من خلال تعزيز تواجدنا الدوري ــ فإن الركيزة الثالثة لإعادة التوازن الأميركي تتلخص في تعزيز وجودنا في المحيطين الهادئ والهندي.

وفي شمال شرق آسيا، حيث حافظت المؤسسة العسكرية الأميركية تقليدياً على تواجدها القوي، نعمل على تحديث وضعنا. فقد قمنا هذا العام بنشر طائرات فانتوم 22 وإم في 22 إلى اليابان، وتوصلنا إلى اتفاق مهم حول نقل قواتنا في أوكيناوا. ونحن مستمرون في تطوير جوام كمركز استراتيجي، ونخطط لإنشاء قوة مهام بحرية برية جوية كاملة القدرة في اليابان، وجوام، وهاواي. وفي الوقت نفسه، نعمل على الحفاظ على قدرات الجيش الأميركي في كوريا وتطويرها.

وتحرص المؤسسة العسكرية الأميركية أيضاً على إعادة التوازن داخل منطقة آسيا والباسيفيكي لوضع المزيد من التأكيد على الشراكات الجديدة في جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي. وفي الربيع الماضي، وصل 200 جندي من مشاة البحرية الأميركية إلى دارون في أستراليا، لقضاء أول دورة مدتها ستة أشهر في الخدمة والتدريب جنباً إلى جنب مع القات الأسترالية والعمل مع الشركاء الإقليميين. كما عملنا على زيادة عدد ووتيرة مناوبات طائرات القوات الجوية الأميركية في منطقة شمال أستراليا. وأخيرا، اتفقناً مع سنغافورة على نشر ما قد يصل إلى أربع سفن قتالية ساحلية هناك على أساس دوري للانضمام إليها ودول أخرى في المنطقة في المناورات، والتدريبات، والاستجابة للتحديات.

أما الركيزة الأخيرة لإعادة التوازن فتتمثل في إبراز القوة. فنحن نخطط لوضع 60% من أسطولنا البحري في المحيط الباسيفيكي بحلول عام 2020، كما كانت ميزانية الدفاع الأميركية حريصة على الحفاظ على، بل وتعزيز، الاستثمار في الأصول الجديدة والأكثر قدرة المطلوبة في المسرح الباسيفيكي. وتعطي خطتنا في الإنفاق الأولوية لتطوير وتطبيق أحدث التكنولوجيات وأكثرها قدرة، بما في ذلك الغواصات من فئة فيرجينيا، والجيل الخامس من الطائرات فانتوم 22 وفانتوم 35 المقاتلة، وطائرات الدوريات البحرية بي 8، وقدرات الحرب الإلكترونية الجديدة والاتصالات، والأسلحة الدقيقة المحسنة وصواريخ كروز. وهذه بعض القدرات التي ستحافظ على قدرة قواتنا على إبراز قوتها إذا ظهر أي تحد لقدرتنا على حرية العمل والوصول إلى أي مكان.

وتعكس هذه الركائز الأربع النهج الشامل الذي تتبناه وزارة الدفاع في الإسهام في جعل منطقة آسيا والباسيفيكي مكاناً سلمياً ومزدهراً في القرن الحادي والعشرين. وتشكل إعادة التوازن استراتيجية طويلة الأجل، ولقد أرسينا في عام 2012 الأساس لنجاحها على المدى البعيد.

ولكن على الرغم من ذلك، تظل هناك بعض التساؤلات والمفاهيم الخاطئة قائمة. فقد استنتج البعض أن إعادة التوازن موجهة ضد الصين. ولكن هذا غير صحيح. ذلك أن أحد العناصر الأساسية في أعادة التوازن يتلخص في إقامة علاقة عسكرية صحية ومستقرة ومستمرة مع الصين، استناداً إلى الحوار المستمر والموضوعي الذي يعزز من قدرتنا على العمل معاً وتجنب أي نوع من سوء التقدير.

ولقد قمت بزيارة ناجحة إلى الصين في سبتمبر/أيلول، وأنا أتحرى نظرة واقعية، إلا أنني متفائل بشأن مستقبل هذه العلاقة العسكرية المهمة. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إقامة علاقات دفاعية أكثر قوة مع الصين والدول الأخرى في مختلف أنحاء المنطقة، فنحن نتوقع ونرحب بجهود الدول الأخرى في بناء العلاقات مع الصين والولايات المتحدة على حد سواء.

ويزعم البعض أن عدم الاستقرار والاضطرابات في الشرق الأوسط من شأنها أن تمنعنا من تنفيذ استراتيجية إعادة التوازن. إلا أنه يتضح من استراتيجيتنا وموازنتنا الدفاعية الجديدة أن هذا لن يحدث. إن المؤسسة العسكرية الأميركية تشكل قوة عالمية قادرة على أداء أكثر من مهمة في نفس الوقت. وحتى ونحن نعمل على إعادة التوازن باتجاه منطقة آسيا والباسيفيكي، فسوف نحتفظ بتواجد كبير في الشرق الأوسط من أجل ردع العدوان وتعزيز الاستقرار.

وأخيرا، يتساءل البعض عما إذا كانت المؤسسة العسكرية الأميركية قادرة، في ضوء القيود المالية المفروضة على أميركا، على تمويل الاستثمارات الضرورية لتنفيذ استراتيجية إعادة التوازن. لا شك أن الولايات المتحدة تواجه واقعاً مالياً جديداً، وأن ميزانية الدفاع لابد أن تخفض بمقدار 487 مليار دولار على مدى العقد المقبل. ولكن الميزانيات تتعلق بالأولويات دوما، ولقد جعلنا من منطقة آسيا والباسيفيكي أولوية بالفعل. ونحن نعمل وفقاً لخطة مفصلة لإعادة التوازن في ميزانيتنا، ولقد اتخذنا القرارات التي من شأنها أن تجعل مؤسستنا العسكرية أكثر فعالية من حيث التكاليف، والكفاءة، والإنتاجية.

إن أميركا أمة باسيفيكية، وسوف تظل هكذا دائما. ولقد حاربت الولايات المتحدة ونزف أهلها دماً ثمينا لمنح دول منطقة آسيا والباسيفيكي الفرصة لتحقيق الازدهار والأمن. وسوف نظل على التزامنا بتحسين حياة كل من يشكلون جزءاً من أسرة الأمم الباسيفيكية. ويتمثل الغرض من إعادة التوازن في الوفاء بذلك الالتزام بالحلم بعالم أفضل وأكثر أمناً في القرن الحادي والعشرين.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

 http://www.project-syndicate.org 

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s