عشر سنوات من الاحتلال: إنه النفط يا غبي!

عشر سنوات من الاحتلال: إنه النفط يا غبي!

طارق الدليمي

السبت, 11 مايو 2013 

موقع التجديد العربي 

 http://arabrenewal.info/

في بداية العدوان على العراق، طرح «معهد الدراسات السياسية» بإشراف «فيليس بينيس» كراساً هاماً جداً يسلط الضوء على العلاقات «النفطية» بين الولايات المتحدة والنظام العراقي السابق. الوثيقة سميت «الرؤية الخام» وتناولت المحاولات التي بذلت من قبل إدارة «ريغان»، وكان بوش الأب نائباً للرئيس،

لإقناع «صدام حسين» بالموافقة على إنشاء «الأنبوب العملاق» بين حقول النفط العراقية في الجنوب وميناء «العقبة» الأردني. وكان المندوب المرسل هو «دونالد رامسفيلد»، وزير دفاع الرئيس السابق جيرالد فورد، الذي زار العراق عدة مرات والتقى «صدام حسين» وبدون نتيجة تذكر. يمكن القول بدون مجازفة إن هذا الكراس قد ولد الانطباع الحازم لدى العديد من المتابعين لاحتلال العراق حول الدور الحاسم «للنفط العراقي» في صياغة خطة الاحتلال وتطبيقها من قبل إدارة «بوش الإبن» وبقيادة وزير دفاعه «دونالد رامسفيلد» مع شلة المحافظين «الجدد» المعروفة في وزارته والادارة عموما.  

يكرر «هيغل»، ويعتمد «ماركس» كثيرا على موضوعته العسيرة بخصوص «أن الحدث الجسيم الذي يشكل في حينه منعطفاً حاداً في المجرى التاريخي، لا يمكن أحيانا أن يفهم في سياقه إلا بعد أن تمر فترة زمنية معينة». من هنا نجد بأن «المدارس» التحليلية المتعددة بخصوص «الحدث العراقي» قد أغرقت السوق، وغرقت معه، لمدة طويلة بمئات التحليلات والوقائع وبدون أن نكتشف أحياناً الصلة بينهما. 

في مقالة «انكل سام كاتش 22» – 2005، فضح الاقتصادي والمناضل «اندريه جندر فرانك» الطبيعة المزدوجة للامبريالية عموماً وقدراتها في خنق الشعوب بالمواد الأساسية التي تتوفر لديها أو تنتجها من بيئتها المباشرة. إن برنامج «النفط مقابل الغذاء» الذي أعتمد في العراق من خلال القرارات المجحفة للأمم المتحدة، وبقيادة الامبريالية العالمية، يتعادل بالمقارنة مع السرقات العلنية التي قامت بها بريطانيا لمحاصيل القمح الهندية وبالذات أثناء اجتياح «المجاعات» تلك القارة، ألم يأكل الفلاح المكسيكي «حزام التقشف» الذي فرضته عليه سياسات صندوق النقد الدولي!! 

في نهاية الثمانينيات، من القرن المنصرم، تحدث «جيورجي ارباتوف» المستشار الخاص لغورباتشوف، إلى جريدة «الغارديان» باقتضاب شديد: «سنقوم بأسوأ شيء للولايات المتحدة. سوف نزيل من المسرح عدوها. يقصد وبدون مواربة «الاتحاد السوفياتي»، الذي كان يلفظ أنفاسه في ظل نظام «اشتراكية الأمر الواقع»، وهو يعرف جيدا أن الملاسنة المستمرة بين الاقتصاديين الماركسيين وأقرانهم الليبراليين في اميركا كانت تنصب دائماً على السؤال المكرر هل الاتحاد السوفياتي دولة اشتراكية أم لا؟ إن مغادرة الاتحاد السوفياتي التدريجية تعني أن القيادة السوفياتية بإمكانها الاعتماد على قوة نفطها الخاص إضافة إلى الرأسمال الحربي الاحتياطي المكرس لسباق التسلح في الفضاء، بينما يحدث في الطرف الثاني من المحيط العكس تماما. إن تغيير العدو بالنسبة للولايات المتحدة، وهي لا تعتمد على نفطها الخاص، يقتضي أما تغيير الاقتصاد الاميركي، وهذا قرار ذاتي لم يتخذ من قبل حكومة ما في التاريخ الانساني ما عدا حكومة البلاشفة في 1917، أو خلق عدو جديد لتبرير الاستفادة من 300 مليار دولار للميزانية العسكرية الاميركية المنظورة سنويا. 

يستوعب السجل الانساني بعض التطابقات المدهشة، والتي تبدو أحيانا مثل الزيت في العجلات المحركة للأهداف والأغراض، ولا سيما في النزاعات المزمنة للحروب الدائمة!! ففي عام 1950 وفي سياق حمى الحرب الكورية وزعت وثيقة خاصة، هي مذكرة مجلس الأمن القومي الاميركي «68» نيسان 1950، حول السياسات التي يجب أن تنفذها الادارة الاميركية في حقبة الحرب الباردة، وهي عملياً جاءت كرد مباشر على مذكرة جورج كينان الشهيرة في شباط عام 1948، والتي تناول فيها عدم المساواة في الاقتصاد العالمي، وتحديداً في الحقل النفطي الذي يفضي إلى الاحتقانات والصراعات والحروب في الكوكب. أما في عام 1992 وبعد الحرب العدوانية على العراق، فقد تسربت وثيقة خاصة حول الخطط الدفاعية الاميركية للسنوات المالية 1994- 1999، وكان القائم على الوثيقة هو بول وولفويتز، أحد مهندسي الاحتلال في 2003، الذي طالب في الوثيقة بأهمية إرجاع الولايات المتحدة إلى مناخات حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والطريف أن وزير الخارجية جيمس بيكر كان قد سبقه في القول في محاضرته في جامعة برنستون في كانون الأول عام 1991، أي بعد نهاية العدوان على العراق، بضرورة حياكة خطة مارشال جديدة لمساعدة دول اوروبا الشرقية والمنعتقة تواً من نير العبودية الاشتراكية، مهمتها تأسيس صندوق خاص أساسه ريع النفط العربي. 

تكشف الأدبيات السياسية الدورية الاميركية في العام 2002، بالذات، المحاولات التي كرست من قبل المتخصصين في الشأن الاقتصادي للربط بين الحرب القادمة على العراق، والمجريات السارية في تلك الآونة. ففي عدد آذار- نيسان 2002، من مجلة فورين افيرز كتب ادوارد مورس وجيمس ريتشارد دراسة حول العلاقة بين النفط والحرب القادمة على العراق، وقالا بجلاء فظ، إن النفط سلاح استراتيجي فعال يجب أن يكون بمتناول اليد الاميركية للمقايضة مع الأمن الاوروبي… والياباني. فالاستهلاك الاميركي في حينها حوالي 20 مليون برميل نفط في اليوم أكثر من نصفه مستورد، والانتاج النفطي العالمي يتزايد من 77 مليون برميل نفط في اليوم وإلى تقريباً 120 مليون برميل نفط في اليوم في العام 2020، ولدى منظمة «اوبك» حصة من ذلك تتجاوز نصف الانتاج العالمي، بينما حذر الاقتصادي الليبرالي اليساري «جون غالبرايث» في مقالته القديرة «الأكلاف غير المحتملة للامبراطورية» في مجلة «اميركان بروسبيكت» – 18-11-2002، من مغبة «الحرب القادمة» على العراق, وبأن «اميركا» تعاني من دورة مغلقة في استهلاكها اليومي الكثيف وبدون انتاج متراكم، واعتمادها على قدوم الرأسمال المستعار من الخارج، والذي يعتمد بدوره على التفوق العسكري الأميركي العالمي. 

في هذا الإطار التاريخي يختصر بشدة توبي كريغ جونز العلاقة العضوية بين الحروب الاميركية في الشرق الأوسط ونفط الخليج، وفي المقدمة النفط العراقي السجين. فقد حولت الولايات المتحدة النفط من سلعة صناعية إلى بضاعة إستراتيجية، وأن احتلال العراق هو ذروة التفكير الإستراتيجي الجيوسياسي الذي بدأ تحديدا في عام 1972 عشية الأزمة النفطية العالمية الأولى، بالرغم من أن هذه السياسة لها طابع غامض أحياناً ومزور أحيانا أخرى, لا سيما حين تطرح بطريقة ديماغوجية، أرجحية العلاقة الاميركية مع دول الخليج ونفطه على العلاقة مع اسرائيل. وكانت اميركا تزعم باستمرار بأن حماية الانتاج النفطي في المنطقة ليس بالضرورة من أجل تزويدها بالطاقة وإنما لمساعدة الحلفاء في ذلك, أي بالتضاد مع تأويلات جورج كينان المرهفة. وفي الحقيقة (إن سيطرتها على النفط تضمن تحكمها بالأسعار العالمية في حدود معينة تضمن زيادة غير ضارة للأسعار، تساعد على تشجيع الدول الخليجية في زيادة الإقبال على الأسلحة تحت شعار على الجميع أن يتحمل أعباء حمايته العسكرية). 

إن المنطقة عموماً تستوعب أكثر من ربع التسلح في العالم وهناك علاقة «تكتونية» متبادلة بين الشركات النفطية العالمية ومجمعات إنتاج الأسلحة الدولية والاميركية في المقدمة,ّ ولكن الأهم والأخطر أن جونز يجزم بأن هناك ضرورة فورية لاستعمال هذه الاسلحة بطريقة مكشوفة أو مغطاة وذلك من أجل تقويم الصراع السياسي في المنطقة ومن ثم زيادة الطلب على التسلح مرة أخرى. إن هذه الحروب برأيه هي ببساطة إحدى مظاهر السياسة الخارجية الاميركية وليست نتائج لها أبداً، وهي تثبت وتعتمد على مفهوم الأمن المراوغ، حيث يرفع شعار السلم ليس مسالما. أما الحلقة المركزية في هذه المعطيات فهي الحفاظ على حيوية الميزانية العسكرية الاميركية، كما يكشفها ببراعة المحلل الاستراتيجي روجر ستيرن حيث يذكر في دراسته في جامعة برنستون في كانون الثاني عام 2010، أن أكلاف الحفاظ على الأمن العسكري في الخليج قد وصلت في المرحلة من 1967- 2007 إلى سبعة تريليون دولار، وهذا لا يشمل تكاليف الحرب على العراق في العام 2003 ويتساءل من أين تأتي هذه المبالغ؟ فهل هناك مغامرة في الجواب بأن «اوابك» العربية والخليجية، هي التي تحارب بضراوة ضد نزع كرتلتها في سياق العولمة الاقتصادية عموما والعولمة «النفطية» خصوصا على الصعيدين الدولي والاقليمي.

 http://arabrenewal.info/index.php

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s