محور أميركا المحفوف بالمخاطر

محور أميركا المحفوف بالمخاطر 

الأربعاء 28 نوفمبر 2012

كتب المقال: خافيير سولانا

* أمين عام سابق للناتو والممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الاوروبي، وزميل السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينغز.

«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة

منطقة الباسفيك أم الشرق الاوسط؟ بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية هذا هو السؤال الاستراتيجي الرئيس. لقد جاء العنف في غزة بينما كان الرئيس باراك أوباما يجتمع بالقادة الآسيويين في بنوم بنه ما عكس معضلة أميركا فبدلاً من التركيز على محور أميركا في السياسة الخارجية في آسيا اضطر أوباما لتخصيص ساعات في محادثات مع قادة مصر وإسرائيل وإرسال وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون من آسيا من أجل التوسط في التوصل لوقف إطلاق النار في غزة. ان واحدة من نقاط التركيز الجيوسياسية التي تتطلب اهتمام أميركا تمثل المستقبل، والأخرى تمثل الماضي وبينما لعبت آسيا دوراً مهماً في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تخللتها إشارات ساخنة تتعلق بصعود الصين، فإن منطقة الشرق الأوسط قد جعلت اميركا غائصة في أوحالها لعقود من الزمن، فبالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني الأبدي، فإن عدم استقرار العراق والربيع العربي والحرب الأهلية في سورية والمواجهة النووية مع إيران هي أمور تتطلب اهتمام أميركا.

لو اشتدت الأزمة مع إيران، فإن محور آسيا لن يشكل أولوية لسياسة أميركا الخارجية ولكن لو تمت تسوية النزاع مع إيران دبلوماسياً فمن الممكن أن يحتل الشرق الاوسط مكانة أقل أهمية،  وهو الأمر الذي يريده أوباما. وعليه فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية ستجد نفسها وقد انجرت إلى حرب أخرى في المنطقة والتي أصبحت تعتمد عليها بشكل أقل بالنسبة للطاقة.

ان الثورة الحاصلة في الهيدروكربونات غير التقليدية خصوصاً النفط والغاز المستخلص من الصخر الزيتي ستجعل الولايات المتحدة الأميركية أكبر منتج للنفط بحلول سنة 2020 حسب التوقعات الاخيرة لوكالة الطاقة الدولية واكبر منتج للطاقة بشكل عام بحلول سنة 2030 وهذا ستكون له تداعيات عالمية. بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية فإن الاكتفاء الذاتي هو المبرر المثالي لانسحاب مرحلي من الشرق الاوسط فعندما تتحرر أميركا من الاعتماد على الطاقة سيصبح بإمكانها التركيز على منطقة الباسفيك.

بالرغم من أن المحافظة على أسعار الطاقة الدولية مستقرة وتحالفها مع إسرائيل يعني أن الولايات المتحدة الاميركية لا تستطيع ان تنأى بنفسها بشكل كامل عن مشاكل الشرق الأوسط فإن التحول في التركيز باتجاه آسيا بدأ مبكراً في إدارة أوباما الأولى حين أعلنت كلينتون إعادة التوجه الاستراتيجي لأميركا حتى قبل أن تبدأ القوات الأميركية بالانسحاب من العراق وبعد إعادة انتخابه كانت أول زيارة خارجية لأوباما لميانمار وتايلاند وكمبوديا وهو خيار لا يمكن أن يكون قد أسعد الصين، فجميع تلك الدول الثلاث هي أعضاء في رابطة “الآسيان”، علماً أن ميانمار حتى بداية تحولها الديمقراطي كانت من أوثق حلفاء الصين.

إن آسيا بالطبع تشهد نمواً اقتصادياً سريعاً ولكن إدارة التوترات الإقليمية القوية في المنطقة تتطلب إنشاء هياكل أمنية إقليمية مع اندماج اقتصادي أوثق. لقد أشار  الباحث الأميركي كينيث ليبرثال ونظيره الصيني وانغ جيسي عميد الدراسات الدولية في جامعة بكين إلى زيادة في التعقيدات في بحث نشر أخيراً لمصلحة مؤسسة “بروكينغز” تحت عنوان “انعدام الثقة الاستراتيجي”.

إن محاولة زرع الثقة الاستراتيجية بين القوى الكبرى في القرن الواحد والعشرين ستكون أساسية من أجل أن يعمل النظام الدولي بشكل متجانس ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟ وبينما ستستورد الصين ثلاثة أرباع نفطها من الشرق الأوسط بحلول سنة 2020 فإن إحدى الخطوات للأمام ستكون تعاون الصين في إيجاد حلول لمشاكل المنطقة.

بعد الانتخابات الإسرائيلية في يناير 2013 ستحتل إيران مجدداً قمة أولويات أوباما في السياسة الخارجية. إن التدخل العسكري في إيران- والتي ستقيم بدورها انتخابات رئاسية في يونيو- سيؤدي إلى حالة من انعدام الاستقرار الإقليمي والدولي، فالعالم العربي وروسيا سيضطران إلى الوقوف مع طرف ضد الآخر ما سيزيد من التوتر في العلاقات بين أقطاب القوى المختلفة وزيادة التوترات في منطقة الباسفيك، وعليه فإن للصين مصلحة استراتيجية كبيرة في العمل مع الولايات المتحدة الأميركية لتجنب أي مواجهة.

بخلاف إيران، فإن الوضع المتقلب في الشرق الأوسط يحتاج إلى حلول عاجلة. إن نشوب الصراع العنيف أخيراً بين حماس وإسرائيل يعكس أهمية إعادة إحياء مسيرة السلام. إن الحرب الأهلية في سورية والتي أصبحت أعداد متزايدة من اللاعبين الاقليميين منخرطة بها قد أصبحت تبدو بشكل متزايد على أنها نسخة تجريبية لحرب شاملة بين المسلمين السنّة (السعودية وغيرها من دول الخليج وتركيا ومصر) والمسلمين الشيعة (إيران و”حزب الله”) من أجل الهيمنة الإقليمية.

يبدو أن القادة الإيرانيين يعتقدون أن اميركا التي تكبدت خسائر بشرية واقتصادية كبيرة خلال أكثر من عقد من الحروب تفضل تجنب أي تدخل عسكري آخر، والرأي العام الاميركي يبدو أنه يؤكد ذلك، فلقد أشار مسح أجراه أخيراً “مجلس شيكاغو “للشؤون الدولية إلى أن 67% من الأميركيين يعتقدون أن الحرب في العراق لم تكن ذات شأن كما لا يعتقد 69% منهم أن أميركا قد أصبحت أكثر أمنا من الإرهاب بسبب الحرب في افغانستان و71% يقولون إن تجربة العراق تظهر أن اميركا يجب أن تكون أكثر حذراً في كيفية استخدام القوة.

لكن لو بدا أنه من غير المرجح أن يستثمر الأميركيون مليارات الدولارت في مغامرة خارجية ذات طريق مسدود، فإن قادة إيران قد اصبحوا محاصرين بشكل متزايد وذلك بسبب العقوبات الدولية التي بدأت تدمر اقتصاد البلاد. من الممكن أن يعتقد كلا الطرفين أن أفضل حل لهما- على الأقل في الفترة الحالية- هو التفاوض.

ان التسوية السلمية للمسألة الإيرانية ستساعد أميركا على إكمال تحولها باتجاه آسيا. ومن الممكن ان تكون الصين غير راغبة في مثل هذه النتيجة، لكن مصلحتها الحيوية في أمن موارد الطاقة في الشرق الأوسط ستجبرها على التعاون، فصراع آخر في الشرق الاوسط سيسمم العلاقات في الشرق الاوسط ويشوهها لعقود وهذا سيشكل اسوأ العواقب الممكنة- لأميركا والصين على حد سواء.

المصدر

http://www.project-syndicate.org«بروجيكت سنديكيت»
“بالاتفاق مع “الجريدة http://www.aljarida.com

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s