الوكالات الاستخبارية الأميركية ترى عالما مختلفا في العام2030

الوكالات الاستخبارية الأميركية ترى عالما مختلفا في العام 2030

نيكول غاويتي – (بلومبيرغ نيوز)

نشر :20-12-2012  

ترجمة: علاء الدين أبو زينة-الغد الاردنية

تقنيات جديدة، موارد متناقصة، وانفجار في النمو السكاني خلال السنوات الثماني عشرة المقبلة، هي المستجدات التي ستغير توازنات القوة العالمية، وتؤذن بحدوث تحولات اقتصادية وسياسية جذرية بسرعة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث. هذا ما يقوله تقرير جديد أصدره مجتمع أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة.
التقرير المكون من 140 صفحة، والذي أصدره مجلس الاستخبارات القومي يوم 10 كانون الأول (ديسمبر) الحالي، يعرض المخاطر والفرص التي ستكون متاحة للأمم، والاقتصادات، والمستثمرين، والأنظمة السياسية والقادة، وفقاً لأربعة “اتجاهات كبيرة” يقول محللو استخبارات الحكومة إنها تعمل على تحويل العالم. وهذه الاتجاهات الأربعة الرئيسية هي: نهاية الهيمنة الأميركية على العالم؛ القوة الصاعدة للأفراد في مقابل الدول؛ صعود طبقة وسطى تتحدى الحكومات بمطالباتها؛ وعقدة مستعصية من نقص المياه، والغذاء، والطاقة، وفقاً للمحللين.
وكتب رئيس المجلس كريستوفر كويم في التقرير: “إننا نقف على منعطف حاسم في تاريخ البشرية، والذي يمكن أن يؤدي إلى أنواع شديدة الاختلاف من المستقبل”.
وكما يقول التقرير، يقف على رأس قائمة “مغيرات اللعبة” -وهي العوامل التي ستحدد مدى تأثير التوجهات السالفة- اقتصاد عالمي “عرضة للأزمات”، والذي سيكون معرضاً للصدمات الدولية والفوارق بين الاقتصادات الوطنية التي تتحرك بسرعات مختلفة.
ووفقاً لرئيس اللجنة، كويم، فإن المستقبل “طيِّع” وينبغي أن تنصب جهودنا على تشجيع صانعي القرار، سواء في الحكومة أو خارجها، على التفكير والتخطيط للمدى الطويل بحيث لا تتحقق أشكال المستقبل السلبية، وبحيث يكون للأنواع الإيجابية منها فرصة أفضل للتحقق”.
تحولات تكتونية
ويعكس التقرير الأحكام التوافقية وآراء التي اجتمعت عليها كافة وكالات المخابرات الأميركية الست عشرة، والتي تشاورت أو تعاقدت مع أكاديميين، ومعاهد بحوث، وقادة سياسيين، وشركات كبيرة في 14 دولة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. وقال المستشار ماثيو بوروز، المؤلف الرئيسي لتقرير مجلس المخابرات القومي، إنه في حين أن التقدم التكنولوجي والهجرات والحروب وعوامل أخرى هي التي كانت قد دفعت التغيير في فترات سابقة، فإن ما سيحدد شكل ربع القرن القادم سيكون الطريقة التي ستجتمع بها سبع “تحولات تكتونية” لإحداث تغيير بمعدل متسارع. وهذه العوامل هي: نمو الطبقة المتوسطة؛ وتوسيع نطاق الوصول إلى التقنيات الجديدة؛ تحوُّلات مراكز القوة الاقتصادية؛ وتشيُّخ السكان، والتوسع الحضري؛ وتزايد الطلب على الغذاء والماء؛ واستقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة. وقال بوروز في مقابلة أجرتها معه “بلومبيرغ نيوز”، لمناقشة مشروع البحث الذي استغرق 18 شهراً: “من الصعب أن تجعل عقلك يحيط بهذه الموضوعات ويواكبها. إذا أردت الحقيقة؛ كانت الأمور دائماً تحدث بسرعة كبيرة”.
البجعات السوداء” (1)
ووجد التقرير أن تلك السرعة هي مسألة تتكون من عدة ديناميات يعزز كل منها الأخرى. وأحدها هو ما يصفه التقرير بأنه “تحول حاسم للقوة الاقتصادية إلى الشرق والجنوب” حيث من المتوقع أن تهبط حصة الولايات المتحدة وأوروبا واليابان من الدخل العالمي بحلول العام 2030 من 56 % اليوم إلى ما تحت النصف.
ويستشرف التقرير قيام اقتصاد دولي سيكون عرضة لقدوم “بجعات سوداء” محتملة مثل انهيار اليورو والاتحاد الأوروبي، وحدوث وباء، وانهيار اقتصادي صيني، ووقوع حرب نووية أو هجوم إلكتروني منهك في الفضاء الإلكتروني.
ويقول التقرير إنه حتى مع غياب مثل هذه الأحداث “فإن العودة إلى معدلات النمو والأنماط السابقة من العولمة السريعة لما قبل العام 2008 تبدو مستبعدة بشكل متزايد، على الأقل خلال العقد المقبل”، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن إجمالي الديون غير المالية فيما بين البلدان السبعة الكبار G-7 قد تضاعف منذ العام 1980 ليصل 300 % من الناتج المحلي الإجمالي.
النمو السكاني
السؤال الرئيسي، كما يقول التقرير، هو ما إذا كان تباين معدلات النمو والتقلبات المتزايدة “ستؤدي إلى انهيار اقتصادي عالمي، أو ما إذا كان تطور مراكز النمو المتعددة سيؤدي إلى خلق مرونة فيه”.
وسيزيد سكان العالم الذين تتنبأ التوقعات بارتفاع عددهم إلى 8.3 مليار من 7.1 مليار اليوم بحلول العام 2030 من حجم الضغوط، كما يقول التقرير. وسينضم المزيد من الناس إلى الطبقة المتوسطة، وخاصة في العالم النامي. وتتنبأ حتى التقديرات المحافظة بأن تتضاعف الطبقة الوسطى العالمية لتصل إلى أكثر من 2 مليار شخص في غضون 18 عاماً.
وسوف يزدهر قطاع التعليم وسيستفيد أيضاً من نمو الطبقة الوسطى، كما يقول التقرير، وسيكون النجاح الاقتصادي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمستويات التعليمية. ومن المتوقع أن يرتفع متوسط مستويات التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من 7.1 سنة إلى 8.7 سنة. كما سيرتفع مستوى تعليم المرأة -وهو محرك لكل من النمو الاقتصادي والصحة والرفاه الاجتماعي على حد سواء- من 5 سنوات إلى 7 سنوات في المنطقة، وفقاً للتقرير.
نمو المدن
سوف يتوافد الكثيرون من هذه الطبقة الوسطى المتنامية بكثافة على المدن، ليزيدوا بذلك سكان العالم في المناطق الحضرية من نحو 50 % من الإجمالي العالمي إلى ما يقرب من 60 % بحلول العام 2030. وسوف يؤدي تصاعد الدخول إلى زيادة شهيتهم للطعام -خاصة البروتين من اللحوم والأسماك- بالإضافة إلى استهلاك المياه والطاقة اللتين ستعانيان من قصور في العرض، كما يقول التقرير، فيما يعود في جزء منه إلى أن تغير المناخ ونقص المياه سيغيران أنماط الأراضي الصالحة للزراعة، كما يمكن لتزايد الطلب على الطاقة أن يحد من كمية الوقود المتاحة لصناعة الأسمدة وغيرها من المنتجات. سوف يرتفع الطلب على الغذاء بنسبة 35 % بحلول العام 2030، في حين ستنخفض المكاسب العالمية من الإنتاجية الزراعية، كما يقول التقرير. وسوف ترتفع الاحتياجات المائية في جميع أنحاء العالم لتصل إلى 6900 مليار متر مكعب في العام 2030، لتصبح أكثر بنسبة 40 % من إمدادات المياه المستدامة الحالية، مما يجعل المياه السبب المحتمل للصراعات الإقليمية، ولا سيما في جنوب آسيا والشرق الأوسط، كما يقول التقرير.
التغير المناخي
سوف يعقّد تغير المناخ إدارة الموارد، وخاصة في آسيا، حيث الرياح الموسمية ذات أهمية حاسمة لموسم النماء، ويمكن لانخفاض هطول الأمطار أن يعطل قدرة المنطقة على إطعام سكانها الذين يتزايد عددهم باطراد.
وقال بوروز إن التغيرات في أنماط هطول الأمطار ودرجة الحرارة تحدث بشكل أسرع مما كان متوقعاً. وعندما قام باحثون بتحديث الجزء المتعلق بالتغير المناخي من التقرير، أظهرت الأرقام الجديدة أن معدل التغير هو أكبر مما كان عليه قبل 18 شهراً، عندما بدأوا مشروع البحث.
وفي الوقت نفسه، سوف تعمل تكنولوجيا الاتصالات الحديثة وتوسيع فرص التعليم على تمكين الطبقات الوسطى المتنامية، بحيث يزيد طلبها من حكوماتها فيما يتعلق بالخدمات، وهو السيناريو الذي شكل مُسبقاً وبالفعل جزءاً من حركات الربيع العربي في بلدان مثل مصر.
ويقول بوروز: “لديك مشكلة كبيرة على جانب الموارد. كيف ستدير كل هذا الازدهار الذي يضع الكثير من الضغط على الموارد؟”
سيناريو سيئ
وقال بوروز إن الحل لمشكلة نقص الموارد يجب أن يكون التعاون بين القطاعين العام والخاص. وأضاف: “يجب أن تحقق تعاوناً في حقل التكنولوجيا، ويجب أن يكون لديك مشروع كبير للطاقة أو المياه، والذي يكون العالم مستعداً حقاً لدعمه، لأن خلاف ذلك سيتحول إلى سيناريو سيئ”. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من ذلك، تقوم تكنولوجيا الاتصالات بنقل السلطة السياسية من الدول “باتجاه شبكات متعددة الجوانب وغير متبلورة، والتي ستصنع التأثير على تصرفات الدولة والعالم”، كما يقول التقرير.
ووفق التقرير، فإن “هذه الدول، مع بعض من أقوى العوامل الأساسية -الناتج المحلي الإجمالي، وحجم السكان، وما إلى ذلك- لن تكون قادرة على موازنة ثقلها ما لم تتعلم العمل مع الشبكات والتحالفات في عالم متعدد الأقطاب”. وقال بوروز إن نفس هذه التكنولوجيات ستسمح أيضاً لمجموعات بمهاجمة الشبكات الكهربائية أو شبكات الكمبيوتر. وبينما ستسمح المخزونات الهائلة من البيانات للحكومات “بمعرفة وتوقع ما سيكون الناس بصدد القيام به” في نهاية المطاف، و”تحصيل مزيد من السيطرة على المجتمع”، فإن الذي يحصل في الوقت الراهن هو أن “الموازين تنقلب لصالح الفرد أكثر من الدولة”.
صعود آسيا
في الوقت ذاته، سوف ينتقل مركز القوة من أميركا الشمالية وأوروبا إلى آسيا، حيث الناتج المحلي الإجمالي، والسكان، والإنفاق العسكري والاستثمار التكنولوجي التي ستتجاوز نظيراتها في الغرب، كما يستشرف التقرير.
سوف تتفوق الصين على الولايات المتحدة اقتصادياً قبل بضع سنوات من العام 2030، وسوف يصبح اللاعبون الإقليميون، مثل كولومبيا والهند ونيجيريا وتركيا، ذوي أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي.
ويبقى من الصعب التكهن بدور الولايات المتحدة في هذا النظام العالمي الجديد، لأن الدرجة التي ما تزال تهيمن بها على النظام الدولي يمكن أن تختلف على نطاق واسع، كما يقول التقرير. ويضيف التقرير: “إن لحظة ‘القطب الواحد’ قد انتهت، والباكس أمريكانا (2) -عصر الهيمنة الأميركية في السياسة الدولية الذي بدأ في العام 1945- ينحدر هابطاً بسرعة إلى أسفل”.
وعلى الرغم من ذلك، فإن من المرجح أن الولايات المتحدة ستبقى “الأولى بين النظراء المتساوين” في العام 2030، كما يقول التقرير. 
وقال بوروز إن الولايات المتحدة ستبقى القوة الوحيدة “التي يمكن أن تنسق فعلاً هذه التحالفات، بما في ذلك الجهات الفاعلة من غير الدول والأطراف الفاعلة من الدول، من أجل إدارة هذه التحديات والتغيرات الهائلة والتعامل معها”، والتي يواجهها العالم.
في حين أن التقرير يستشرف نهاية العالم أحادي القطب، و”الولايات المتحدة لا تستطيع أن تملي”، يقول بوروز إنه “لا يمكنك أن ترى أي قوة أخرى هناك، والتي يمكن أن تنظم (هذا العالم)”.

(1) نظرية البجعة السوداء، أو “أحداث البجعة السوداء” هي كناية تصف حادثة تشكل مفاجأة (للمراقب)، والتي يكون لها تأثير كبير، وعادة ما تأتي بعد الواقعة عقلنة غير مناسبة بالاستفادة من التجارب السابقة. (المترجم).
(2) باكس أمريكانا: حالة من السلام الدولي التي تُرى على أنها تسود بفضل إشراف الولايات المتحدة (أو المملكة المتحدة). (المترجم).

نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 U.S. Intelligence Agencies See a Different World in 2030

ala.zeineh@alghad.jo

http://www.alghad.com/index.php

 

 

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s