الحلم الأوروبي يحتاج إلى إعادة نظر

الحلم الأوروبي يحتاج إلى إعادة نظر


ما من أمر يُظهر انقساماتنا بقدر مسألة الوحدة الأوروبية، يبحث الناخبون عميقاً في مبادئهم السياسية ليشعروا بالراحة أو الانزعاج حيال فكرة الاتحاد الأوروبي؛ لذلك يُعدّلون كل خبر ليلائم نظرتهم.

كتب الخبر: Simon Jenkins

سايمون جنكينز– قسم الترجمة – الجريدة – 29/4/2013

تراجعت الثقة بالاتحاد الأوروبي إلى معدل لم يسبق لم مثيل، هذا ما ذكرته الصفحة الأولى من صحيفة The Guardian، فقد شهدت هذه الثقة في كل من الدول الأوروبية الكبيرة “انخفاضاً ساحقاً”. قبل خمس سنوات، لم يتخطَّ عدد الناخبين المناهضين للوحدة الأوروبية في أي دولة، ولا حتى بريطانيا، النصف، لا بل كان معظمهم مؤيدين لها بقوة، أما اليوم، فيُظهر مؤشر الاتحاد الأوربي الخاص، “يوروباروميتر”، أن عدم الثقة يبلغ 53% في إيطاليا، و56% في فرنسا، و59% في ألمانيا، و69% في المملكة المتحدة، و72% في إسبانيا. إذاً، خسر الاتحاد الأوروبي دعم ثلثَي مواطنيه، فهل لهذا الواقع أهمية؟

 ما من أمر يُظهر انقساماتنا بقدر مسألة الوحدة الأوروبية، يبحث الناخبون عميقاً في مبادئهم السياسية ليشعروا بالراحة أو الانزعاج حيال فكرة الاتحاد الأوروبي؛ لذلك يُعدّلون كل خبر ليلائم نظرتهم. على سبيل المثال، يعتبر مؤيدو الاتحاد الأوروبي أخبار هذا الأسبوع محتمةً، نظراً إلى سياسات التقشف التي تُرى عموماً كما لو أنها عقاب للمواطنين العاديين على هدر القادة الأوروبيين أخيراً. ففي أوقات الأزمات، يلجأ الناخبون إلى الأمة والموطن، إلا أن هذا لن يدوم.

أما مَن يعارضون الوحدة الأوروبية، فيظنون أن هذه الحجج غير صحيحة، فعلى الديمقراطيين أن يأخذوا رأي الأغلبية في الاعتبار، حتى لو لم يكن مؤاتياً. كانت “الموجة المناهضة للوحدة الأوروبية” تنمو في مختلف أنحاء أوروبا حتى قبل بد الأزمة الائتمانية، كما تشهد استفتاءات معاهدة لشبونة. وقد تجلى ذلك بوضوح أكبر مع بروز الأحزاب القومية. كذلك باتت هذه الموجة متفشية بين مَن أيدوا سابقاً الوحدة الأوروبية، مثل إسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وألمانيا. وكما ذكر رئيس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، خوسي إيغناسيو توريبلانكا، عن الاستطلاع الأخير، “بات الضرر عميقًا إلى حدّ ما عاد يهمّ إن كنت في بلد دائن أو مدين… يظن المواطنون اليوم أن ديمقراطيتهم الوطنية تتعرض للهدم”.

حتى رئيس الاتحاد الأوروبي، خوسي مانويل باروسو، يدرك أنه يواجه مشكلة. فقد اشتكى أخيراً من “غياب فهم” سياسات التقشف و”مَن يقوم بماذا، مَن يقرر ماذا، مَن يتحكم بمَن… وإلى أين نتجه”. وهكذا، عاودت “الشعبوية والقومية البروز” لتهدد “حلم [باروسو] الأوروبي”. لكنه ما زال يرفض الواقع وراء هذا الحلم. تؤدي الأحلام إلى سياسات خطرة، وعندما تتطلب فرض “المزيد من الوحدة الأوروبية”، رغم رفض الرأي العام، فهي تحتاج بالتأكيد إلى إعادة النظر. لا شك أن التدابير الجديدة، التي تقتضي أن يفرض الاتحاد الأوروبي (وفي هذه الحالة ألمانيا) الموازنات على الدول المدينة، يتخطى استعداد الناخبين المحليين لتقبّله.

يتحوّل حلم باروسو إلى الرؤية التي طرحها إستيبان دايك، بروفسور متخصص في التاريخ الأوروبي في جامعة كولومبيا، فقد دعا دايك السنة الماضية في صحيفة “نيويورك تايمز” إلى إعداد “نموذج إمبراطوري جديد”، معتبراً إياه الخيار الوحيد لإنقاذ القارة من “إعادة إحياء المشاعر القبلية”. يعتقد دايك أن هذه الإمبراطورية الجديدة “مهمة أساسية… وهدف يكاد يكون دينيّاً: إيمان أوروبي جديد لا ينتمي إلى أي كنيسة”.

دفع هذا النوع من الكلام بأوروبا دوماً إلى الكارثة، كان هذا حلم محاكم التفتيش، الإمبراطورية الرومانية المقدسة، قادة نابليون، وأعوان هتلر. ولا شك أنه يشكّل اليوم العباءة التي تختفي تحتها التنظيمات المتطفلة والاحتيال غير المضبوط في الاتحاد الأوروبي المتنامي. إلا أن من السخف الاعتقاد أن هذه الإمبراطورية قد تتمكن من تنظيم مبادئ اليورو وقواعده، حائزةً في الوقت عينه رضا الشعب الأوروبي. فلا يمكن للفجوات الديمقراطية أن تدوم طويلاً من دون أن تتحول إلى حكم مستبد أو حكم رعاع. ويبرهن تاريخ أوروبا أن الشعب لن يرضى بالغزو، سواء اعتمد على الرصاص أو البيروقراطية.

صحيح أن مصرفيي أنجيلا ميركل أقوياء، إلا أن محققي “الترويكا” في منطقة اليورو يجب ألا يأملوا أن يستمر حكمهم للأبد. تخيلوا ما قد يحصل إن وضعوا أيديهم على فرنسا أو إسبانيا. لعل هذه “الإمبراطورية الأولية الألمانية” وُلدت، على غرار الإمبراطورية  البريطانية في القرن الثامن عشر، “خلال مرحلة وجيزة من الغيبوبة”. ولكن ثمة إنجاز واحد تستطيع أوروبا العصرية أن ترتكز عليه، ألا وهو الديمقراطية الوطنية، فلا يمكن للاتحاد الأوروبي التخلي عن هذا الإنجاز حتى من خلال التوافق العام.

لا تُعتبر أوروبا دولة ديمقراطية خالية من الشوائب، بل إنها نتاج معاهدة بين دول يائسة ذات سيادة، كلها تثور ضدها بدرجات مختلفة. فكما يُظهر تقرّب ميركل الحذر من ديفيد كاميرون، لا تقتصر المشقات المحلية، التي يواجهها رئيس الوزراء هذا بشأن أوروبا، عليه وحده. فكل حكومة أوروبية تتلفت خلفها لترى موجة متنامية من الشك، بعضها صادق وبعضها الآخر مخيف. حتى أغلبية الألمان باتوا اليوم مناهضين للاتحاد الأوروبي، ويريد ثلثهم عودة المارك الألماني.

وحده مَن يفتقر إلى معرفة دستورية عميقة قد يتخيّل أن تقوم مؤسسة أوروبية بارزة بإخضاع بروكسل للمساءلة، فلا يتمتع البرلمان الأوروبي الحالي بمسؤوليات وزارية أو تنظيمات تتيح للحزب الحاكم فرض تفضيلاته, كذلك لا يعكس هذا البرلمان أي مصالح أو ثقافة أو “نماذج” محددة. على العكس، يمثّل أعضاء البرلمان الأوروبي تكتلاً من الجشعين، الذين يصوتون دوماً لمصلحة المزيد من الإنفاق. أما المساءلة في الاتحاد الأوروبي فمنوطة بمجلس الوزراء، ومن خلالهم، بالناخبين المحليين. تساءلنا في السابق عن كيفية ذلك. لكننا ندرك اليوم الجواب من خلال الرأي العام الذي أججته سموم اليورو، ذلك “الرسم الاجتماعي” الخاص بالاتحاد الأوروبي.

رغم ذلك، ما زال على قادة، مثل كاميرون وميركل وحاكمَي فرنسا وإيطاليا الجديدين، أن يمارسوا مهامهم القيادية. صحيح أن تبني اليورو أدى إلى انقسام كبير بين تعزيز الوحدة الأوروبية والحد منها، ولكن حتى الحدّ منها يشمل الإبقاء على جزء منها. وعندما يستيقظ باروسو من حلمه، هذا إن استيقظ، يجب أن يرى الواقع.

لا تدوم المعاهدات للأبد، بخلاف الأمم، وعلى مَن يشكّلون جزءاً من أوروبا التعامل أحدهم مع الآخر. من الضروري أن ينظموا تجارتهم بالمعنى الأوسع، وإلا سيعودون إلى فرض الرسوم المتبادلة، الحظر التنظيمي، “حروب القد” (التي نشأت بين بريطانيا وأيسلندا)، فرض ضوابط على الحدود، وتوسلّ الجيران. لربما تشبه بروكسل برج بابل، لكن كل كتلة تجارية تحتاج على برج تستند إليه إن كانت ستحافظ على قدرتها التنافسية في العالم.

نتيجة لذلك، يحتاج كاميرون والمشككون في الوحدة الأوروبية إلى التصرف بطريقة بناءة ومنطقية. عليهم أن يطالبوا بنظام شبيه بنظام بريتون وودز. ينبغي أن يخفضوا الديون السيئة ويعيدوا ضبط الاقتصادات المحلية بالرجوع إلى إعادة تقييم العملات المحلية. عليهم أن يقترحوا إنشاء مؤسسات أوروبية تحترم السياسات والخصائص الوطنية، ولا تحاول تعزيز السلطة المركزية. كذلك ثمة حاجة إلى رؤية يصوغها المشككون في أوروبا.

شكّلت الوحدة الأوروبية اللصيقة ردّاً على الحرب، بعد أن قدّمت ردّاً على الحكم الشيوعي المستبد، وفي كلتا الحالتين، حققت النجاح. لكنها في ماستريخت عام 1992 اقتربت كثيراً من الشمس. فقد ادعت أن تبادل عملة واحدة في مساحة سياسية-اقتصادية واحدة يستطيع التغلب على التنوع ويؤدي إلى الازدهار العام، لكنها بالغة كثيراً، وبرفض الإقرار بهذا الفشل، يعرض باروسو وزملاؤه حتى النجاحات الباكرة التي حققتها للخطر.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s