آفاق استراتيجية: التخطيط للحرب الأميركية المقبلة

آفاق استراتيجية: التخطيط للحرب الأميركية المقبلة

الكاتب:  كتب في: أبريل 28, 2013 فى: ترجمات خاصة وأجنبية  


قد تتدخل الولايات المتحدة بهدف احتواء دولة إجرامية أو التخلص منها، سواء كانت متورطة في القرصنة، أو تجارة المخدرات، أو نشر أسلحة الدمار الشامل، أو أي أمر آخر بالغ الخطورة.

كتب الخبر: Steven Metz

ستيفن ميتز كينت – هو الكاتب الأمريكي، مدير البحوث، وأستاذ باحث في شؤون الأمن القومي في الكلية الحربية الأمريكية معهد الدراسات الاستراتيجية (SSI)

قسم الترجمة – الجريدة – 28/4/2013

قبل عصرنا الحديث، لم تمضِ معظم الأمم الوقت في التفكير في حربها المقبلة أو مَن سينخرط فيها، كانت الجغرافيا تحدد في معظم الأحيان مَن سيحارب مَن، وباستثناء حالات نادرة أتى فيها الغزاة من بعيد، كان الأعداء يتناحرون طوال عقود أو حتى قرون. كانت الدول تعرف مَن ستقاتل، والسؤال الوحيد الذي كان يراودها: متى؟ لكن وضع الولايات المتحدة مختلف. بما أنها لا تملك أي أعداء بارزين في الجوار، خاضت الولايات المتحدة حروبها حول العالم ضد مجموعة واسعة من الخصوم. نتيجة لذلك، صار على صناع السياسات والقادة العسكريين في الولايات المتحدة توقع موقع الأعداء وهويتهم، وقد كبدتهم الأخطاء كلفة استراتيجية كبيرة وخسائر في الأرواح.

من المؤسف أن الولايات المتحدة لا تبرع في توقع موقع الحرب التالية والأعداء الذين ستواجههم، فقد خاضت معظم حروبها في أماكن وضد أعداء ما كانوا يحظون باهتمام كبير قبل تدخل الولايات المتحدة. أما الحروب التي خططت لها الولايات المتحدة بدقة (صراع في أوروبا بين حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو وحرب كورية ثانية)، فلم تحدث، ويحمل نمط خوض حروب غير متوقعة هذا الكثير من الدلالات: فبدل أن تختار الولايات المتحدة الخصم الأكثر شراسة اليوم، سواء كانت كوريا الشمالية أو إيران أو الصين التي تزداد عدائية، ورسم مستقبل الجيش الأميركي لمحاربته، يجب أن تفكر بشكل أشمل وأكثر إبداعاً بشأن نوع الحروب التي قد تواجهها في المستقبل.

تظهر التغييرات الحاصلة في البيئة الأمنية العالمية أن حرب الولايات المتحدة المقبل قد تنتمي إلى نوع من ستة أنواع: في السيناريو الأبرز، ترغم الاستفزازات والانتشار النووي الولايات المتحدة على تدمير القدرة العسكرية للدولة المعادية، وتسعى على الأرجح إلى تغيير النظام. لا شك أن كوريا الشمالية وإيران هما المرشحان الأبرز في هذه الفئة، ولكن من المرجح أن ينضم إليهما آخرون في العقود المقبلة. فإن تمكنت كوريا الشمالية من تطوير أسلحة نووية، فلن يستحيل على دول أخرى أن تحذو حذوها، ولا يفتقر العالم مطلقا إلى حكام مستبدين يخطئون في حساباتهم، وعندما تقع هذه الحرب، ستجر الولايات المتحدة إلى احتلال طويل، بما أن الاكتفاء بتدمير الأسلحة النووية والصواريخ الموجودة ليس سوى حل مؤقت. إذن، ما قد يبدأ كعملية تقليدية تتحول إلى حملة مناهضة للتمرد قد تكون واسعة وطويلة.

تشمل الاحتمالات الأخرى أن تقوم دولة كبرى باجتياح دولة صغرى، فيقرر الرئيس آنذاك أن هذا الاعتداء “لن يستمر”، وفق عبارة جورج بوش الأب. يكون التصدي لاعتداء تقليدي عادة أسهل من تغيير النظام. على سبيل المثال، كانت حرب العراق عام 1991 أسهل من حرب العراق عام 2003. صحيح أن الجيش الأميركي اليوم يختلف كثيراً عما استُخدم لإخراج قوات صدام حسين من الكويت، إلا أنه ما زال يستطيع التصدي لأي غزو تقليدي في حال تمتع بدعم مجموعة من الدول، وحظي بقواعد متقدمة وإذن باستخدام المجال الجوي لبلدان عدة في منطقة الحرب. وفي بعض الحالات تستطيع الولايات المتحدة رد غزو تقليدي من دون هذه الأمور. لذلك يُعتبر هذا النوع من أوجه عدة الأقل صعوبة بين أنواع الحروب التي قد تواجهها الولايات المتحدة في المستقبل.

تُعتبر الأنواع الأخرى أكثر تعقيداً.

  على سبيل المثال، قد يقرر أحد الرؤساء الأميركيين في المستقبل التدخل في صراع كبير دائر، أكان ذلك لوقف كارثة إنسانية، أو منع استخدام الأسلحة النووية أو خسارة السيطرة عليها، أو الحؤول دون انتشار القتال، أو حماية المصالح الاقتصادية الأميركية الأساسية.

  ومن الممكن أن يعود التدخل الأميركي إلى مجموعة من هذه الأسباب. على سبيل المثال، شاركت الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية لأنها لم ترغب في أن تسيطر ألمانيا على أوروبا, لم تود أن تتعرض دول ديمقراطية أخرى للهزيمة، وأرادت وقف الضرر الذي ألحقته حملة الغواصات الألمانية غير المضبوطة.

  ومن الخصائص الأهم لهذا السيناريو أن العدو لا يتوقع مواجهة الولايات المتحدة عندما يبدأ الحرب، صحيح أن أمما قليلة تبدو مستعدة اليوم لمحاربة الجيش الأميركي، ولكن ثمة عدد من الصراعات المحتملة التي قد تجر الولايات المتحدة إلى الحرب، ولا شك أن احتمال تدخل الجيش الأميركي بعد عملية تبادل نووي مخيف جدا.

في السيناريو الرابع، يُلزم رئيس أميركي في المستقبل الولايات المتحدة بإنقاذ ديمقراطية متداعية تواجه حرباً أهلية أو انقلاباً عسكرياً. ومن المؤكد أن هذا سيؤدي إلى انتشار سريع للجيش الأميركي يليه تسليم هذه المهمة إلى قوات متعددة الجنسيات تحافظ على الاستقرار، فضلا عن مهمة استشارية أو تدريبية أميركية. ولا شك أن الولايات المتحدة ستحاول تفادي التورط في قتال في حرب أهلية.

أضف إلى الأنواع حملة محاربة التمرد. صحيح أن الرئيس باراك أوباما ووزير الدفاع السابق ليون بانيتا أشارا إلى أن الحملات الواسعة والطويلة المناهضة للتمرد لن تعود مهمة الجيش الأميركي الأساسية، إلا أنه من الممكن العدول عن ذلك في حال تحول التمرد مجدداً إلى نوع من الصراع بالوكالة، كما حدث خلال الحرب الباردة، ودعمت دولة معادية حركة تمرد تهدد بالإطاحة بأحد حلفاء الولايات المتحدة المهمين. علاوة على ذلك، ابتعدت الولايات المتحدة مرات عدة سابقا عن حملات محاربة التمرد لتعود إليها لاحقاً مع تبدل الأوضاع السياسية. فمن الخطر إلغاء الحملات المناهضة للتمرد تماما.

يكون هدف النوع الأخير من الحروب، الذي قد تتدخل فيه الولايات المتحدة، احتواء دولة إجرامية أو التخلص منها، سواء كانت متورطة في القرصنة، أو تجارة المخدرات، أو نشر أسلحة الدمار الشامل، أو أي أمر آخر بالغ الخطورة. ولن تشكل هذه سابقة بالتأكيد: كانت أولى العمليات العسكرية الأميركية الكبرى خارج أميركا الشمالية ضد دول شمال إفريقيا التي مارست القرصنة البربرية. قد لا يشمل هذا النوع من الحرب غزواً أو احتلالاً، إلا أنه سيعتمد على هجمات عسكرية أميركية كبرى من المحتمل أن تضم إنزال القوات على الأرض. ويُظهر التاريخ أن عمليات القرصنة الواسعة النطاق لا تنتهي إلا عندما يخسر القراصنة قاعدتهم على البر.

تبدو كل هذه السيناريوهات بمفردها مستبعدة، ولكن ما لم يتبدل مسار التاريخ، يُعتبر تورط الولايات المتحدة في حرب مستقبلية في مكان ما وضد عدو ما مؤكدا. لذلك من المهم أن نكون مستعدين لكل السيناريوهات، لا واحد أو اثنين منها. وعندما نتأمل في مجموعة الحروب المستقبلية الممكنة، يتضح لنا أن على الولايات المتحدة أن تعمل بسرعة لإعداد قوة عسكرية فاعلة. فقد أظهر التدخل الأميركي في العراق الكلفة التي قد تتكبدها الدولة عندما تطور قدرتها العسكرية على عجل. لا شك أن مستقبل الولايات المتحدة سيتطلب القدرة على تدمير أهداف العدو العسكرية، فضلا عن القدرة على الحفاظ على استقرار المنطقة الأوسع وتأمين منشآت أساسية والسيطرة عليها ربما لأشهر أو سنوات. كذلك يجب أن يكون الجيش الأميركي مستعدا لمجموعة متنوعة من الأعداء، من الجيوش التقليدية إلى الجيوش الهجينة التي تتمتع بقدرات تقليدية وغير تقليدية، ومن الإرهابيين إلى المتمردين والميليشيات المجرمة.

إذن، بدل التركيز على الصراعات التي قد تندلع في الأشهر المقبلة أو التخطيط لنوع الصراع الذي يفضل الجيش خوضه، على القادة السياسيين أن يفكروا بشكل أوسع في الحرب الأميركية المقبلة فيما يطورون قدرات الجيش الأميركي. قد تبدو هذه مهمة صعبة، إلا أن الفشل مميت حقاً.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s